موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٦ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٦

البُعد المسيحاني في عذابات أيّوب

بقلم :
رمزي ناري - الأردن
البُعد المسيحاني في عذابات أيّوب

البُعد المسيحاني في عذابات أيّوب

 

سفر أيوب ليس كتابًا يُقرأ، بل أرضًا يُدخل إليها الإنسان حافيًا. هو نصّ لا يروي الألم فحسب، بل ينصت إليه بعمق، ويضع الإيمان نفسه في قفص السؤال. منذ البداية، نُفاجأ بإنسانٍ كامل، بارّ، مستقيم، كأن العالم أخيرًا يسير وفق عدالة مفهومة. ثم ينكسر المشهد فجأة، لا بخطيئةٍ ارتكبها، ولا بزلّةٍ أخفاها، بل لأن الحياة قررت أن تطرح سؤالها العاري: ماذا يبقى من الإنسان حين يُسلب كل شيء؟

 

أيوب لا يخسر أبناءه وممتلكاته فقط، بل يُسلب اللغة التي كان يفهم بها الله. تتداعى المعادلات القديمة: البرّ لا يحمي، والاستقامة لا تمنح حصانة. وهنا يصبح السِفر معاصرًا على نحوٍ موجع. نحن أيضًا نعيش زمنًا تنهار فيه المعاني أسرع من البيوت، وتُصاب فيه الثقة بتشققات لا تُرى إلا بعد الفقد. نسأل السؤال نفسه: لماذا؟ ولا نجد سوى صدى يتردد في فراغ واسع.

 

وقف أصدقاء أيوب حوله كمن يقف حول نظامٍ مهدَّد. لم يروا في وجعه جرحًا مفتوحًا، بل خللًا ينبغي إصلاحه. كانوا يخشون صمت السماء أكثر مما يرحمون الإنسان، فراحوا ينسجون كلامًا متماسكًا يقيهم ارتباك السؤال. بالنسبة إليهم، لا مكان للألم المجاني؛ كل سقوط لا بد أن يسبقه خطأ، وكل دمعة يجب أن تجد سببها. هكذا صار الكلام عن الله وسيلة للهرب من الغموض، لا للدخول فيه.

 

أما أيوب، فاختار أن يبقى عاريًا أمام الحقيقة. لم يساوم على الله كي ينجو بفكرة، ولم يتخلَّ عنه كي ينتصر في الجدل. تشبّث بعلاقةٍ تحتمل الصراخ، وبإيمانٍ لا يخجل من قول «لماذا». في احتجاجه لم يكن تمرّدًا، بل وفاء؛ وفاء لإلهٍ أكبر من أن يُختصر، وأقرب من أن يُدافع عنه بالكلمات. هكذا صار سؤاله صلاة، وجرحه لغة، وإيمانه طريقًا لا يُغلقه الشك بل يفتحه.

 

وهنا يظهر البعد المسيحاني: أيوب، البريء المتألم، يوازي المسيح على الصليب، الذي عانى الألم والظلم بلا ذنب. الألم عند أيوب ليس عقابًا، بل مسرح اختبار العلاقة بين الإنسان والله، كما جسّد المسيح الألم ليشهد على حقيقة العالم وكرامة الإنسان أمام الله. الصبر والاحتجاج في أيوب، مثل صبر المسيح، يتحولان إلى شهادة على أمانة الإيمان: الإيمان الحق هو الصمود أمام الله، حتى حين يكتنف الغموض كل شيء.

 

ولو كُتب سفر أيوب اليوم، لما جلس الأصدقاء عند بوابة المدينة، بل أمام شاشات مضيئة. كانوا سيقيسون الألم بالأرقام، ويقترحون حلولًا عاجلة قبل أن يسمعوا القصة. أيوب المعاصر قد يكون في غرفة مستشفى، أو تحت أنقاض بيت، أو في عزلة رقمية لا تقل قسوة عن الرماد. ومع ذلك، السؤال ذاته: لماذا يحدث هذا دون سبب واضح؟ ولماذا لا يكفي التفسير حين يكون الجرح حيًا؟

 

زمننا زمن وفرة الأصوات وندرة الإصغاء. الجميع يتكلم باسم الحكمة، باسم العلم، باسم الدين، لكن قليلين يعرفون فضيلة الصمت. القراءة المعاصرة لسفر أيوب تذكّرنا بتلك الأيام السبعة التي جلس فيها الأصدقاء صامتين قبل أن يفسدوا صمتهم بالكلام. كأن النص يقول لنا: قبل أن تفسّر، اقترب. قبل أن تجيب، اصغِ.

 

وحين يتكلم الله من العاصفة، لا يقدّم سببًا للألم، بل يفتح أفقًا أوسع: عن البحر، والسماء، والكائنات الجامحة. هذا يشبه البعد المسيحاني الذي لا يقتصر على تفسير صليب المسيح، بل على العيش في ضوء الغموض، والانفتاح على الله في الألم. أيوب، بعد محنته، يختبر الانتقال من معرفة عن الله إلى حضور مباشر معه، كما يعلمنا المسيح أن الصليب ليس مسرحًا للمساءلة البسيطة، بل دعوة إلى حضور أخلاقي وروحي أمام الله ومع الإنسان.

 

البعد المسيحاني في أيوب يعلّمنا شيئًا أساسيًا: الألم البريء ليس عبثًا، ولا غياب الله، بل مساحة للتقارب معه، ولإعادة تعريف الإيمان والرحمة. الصبر والاحتجاج يصبحان قوة خلاصية: الإيمان الذي يبقى حتى حين لا تُعطى الإجابات، الإيمان الذي يواجه الصمت الإلهي بالصدق والوفاء. وفي عالمنا المعاصر، حيث يختصر الألم في تشخيصات وعلاجات سريعة، يذكّرنا أيوب والمسيح بأن الحقيقة الكبرى للإيمان ليست في الإجابة، بل في القدرة على البقاء حقيقيًا أمام الله والإنسان.

 

في نهاية السفر، لا يعود أيوب كما كان. يعود أغنى، نعم، لكن الأهم أنه يعود أعمق. « بِسَمْعِ ٱلْأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَٱلْآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي». ليست الرؤية هنا وضوحًا، بل حضورًا. لم يحصل على تفسير، بل على علاقة. وهكذا، يظل النص مرآة للمعاصرة: يعلمنا كيف نعيش الألم مع الله، كيف نصغي إلى الآخرين بلا أحكام مسبقة، وكيف نحمل الغموض بروح صادقة، كما صلّب المسيح الألم لأجل العالم، وبقي وفياً للحقيقة الإلهية التي لا تُختزل.


في زمنٍ يتوقّ فيه الإنسان إلى السيطرة، إلى إجابات فورية، وإلى فهم كامل لكل ألم، يعلّمنا أيوب والمسيح أن الإيمان الحقيقي هو البقاء في الحضور الصادق، في السؤال المفتوح، وفي الألم المشارك. ليس المطلوب أن نشرح كل شيء، بل أن نحمل الحياة كما هي، وأن نكون شهودًا على رحمة الله، حتى حين يبقى الغموض عظيمًا. في حضرة هذا الغموض، يصبح كل ألم فرصة للقاء، وكل صرخة دعوة إلى العمق، وكل انتظار درسًا في الوفاء.