موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في الأحد الخامس من الزمن الفصحي تقدم لنا الكنيسة مقطوعة تسليم يسوع الرعاية لبطرس. «فَلَمَّا تَغَدَّوْا، قَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ بُطْرُسَ» (يو 21، 15).
يبدو هذا التفصيل الصغير في بداية الحوار بين يسوع وبطرس بعد القيامة (يو 21، 1-17) تفصيلاً عابرًا: وجبة طعام، لقاء بعد الصيد، ثم سؤال. لكن في العمق، يحمل هذا المشهد كثافة لاهوتية وإنسانية عميقة لا يمكن تجاوزها بسهولة.
لقد التقى يسوع ببطرس أول مرة في سياق آخر أيضًا مرتبط بالفراغ: شباكا خالية بعد ليلة صيد لم يُثمر شيئًا فأَجابَ سِمعان: «يا مُعَلِّم، تَعِبْنا طَوالَ اللَّيلِ ولَم نُصِبْ شَيئًا، ولكِنِّي بِناءً على قَولِكَ أُرسِلُ الشِّباكَ». (لو 5، 4-7). في تلك اللحظة، كان يمكن للمسيح أن يقول له ببساطة: «اتبعني واترك الشباك». لكنّه لم يفعل ذلك من موقع الفشل أو الإحباط، بل سبق فملأ الشباك أولًا، «وفعَلوا فأصابوا مِنَ السَّمَكِ شَيئًا كثيرًا جدًّا» ثم دعاه إلى تركها «فَرجَعوا بِالسَّفينَتَينِ إِلى البَرّ، وتَرَكوا كُلَّ شَيءٍ وتَبِعوه.» (لو 5، 10-11).
وفي فجر القيامة، يتكرر المنطق نفسه ولكن بطريقة أعمق. بطرس ليس فقط أمام شاطئ ممتلئ بالسمك (يو 21، 6-11)، بل أيضًا أمام قلب مثقل بالندم، بعد إنكاره للمعلم (متى 26، 69-75). ومع ذلك، لا يبدأ يسوع بسؤال، ولا بمواجهة، ولا بإدانة، بل بطعام، بغذاء. كأنه يعلن أن الله لا يدخل إلى الإنسان من باب الفراغ أو الانكسار، بل من باب الامتلاء والرحمة.
«وبَعدَ أَن فَطَروا» وهذه التفصيلة أيضاً ليست مجرد ملاحظة زمنية، بل علامة لاهوتية: المسيح لا يخاطب الإنسان وهو جائع داخليًا، هشّ، منكسر، بل يسبقه دائمًا إلى حيث يُستعاد المعنى أولًا، ثم يُطرح السؤال. بعد أن امتلأت الشباك، «وقدِ ٱمتَلأَت بِمائَةٍ وثَلاثٍ وخَمسينَ سَمَكَةً مِنَ السَّمَكِ الكَبير»، وبعد أن امتلأت المائدة، «فلَمَّا نَزَلوا إِلى البَرّ أَبصَروا جَمْرًا مُتَّقِدًا علَيه سَمَكٌ، وخُبزًا» يأتي السؤال الحقيقي: «يا سمعان بن يونا، أتحبني؟» (يو 21، 15).
وهنا تتكشف الحقيقة العميقة: الله لا يستغل هشاشتنا ليجذبنا إليه، بل يملأها نعمة قبل أن يطلب القرار منا. لا يبني دعوته على الفراغ، بل على الامتلاء. لا يفرض نفسه على الجرح، بل يداويه أولًا ثم يدعو إلى المسير.
وهكذا تصبح الدعوة ليست هروبًا من الفشل، بل اختيارًا ناضجًا، حُرًّا، نابعًا من اختبار مسبق للامتلاء. لذلك لا يقول المسيح: “اتبعني لأنك سقطت”، بل: “اتبعني لأنك اختبرت أن فيّ الحياة أكثر من كل ما تركته”.
وفي النهاية، ليست المشكلة أن نكون ضعفاء، بل أن نظن أن الله يبدأ من ضعفنا. أما هو، فيبدأ دائمًا من رحمته، من مائدته، من شبكاته الممتلئة، ثم يقول: «ارعَ خرافي» (يو 21، 17).