موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ٢٠ ابريل / نيسان ٢٠٢٦

غريب عماوس وطريق العودة

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
غريب عماوس وطريق العودة

غريب عماوس وطريق العودة

 

في آحاد زمن القيامة، كثيرًا ما تضعنا الكنيسة أمام روايات اللقاء بالرب القائم، وكأنها تدعونا للدخول من جديد في خبرة التلاميذ الأوائل. وفي هذا الأحد، وهذا هو حال هذا الأحد أيضًا، حيث يقدّم لنا إنجيل لوقا مقطعًا أشبه بفيلم قصير،  يقدّم لنا إنجيل لوقا مشهدًا حيًّا، لخبرة تلميذي عمّاوس.

 

طريق العودة -في نظري- هو ذلك الدرب الذي يجعل الإنسان يعيد قراءة حياته بالعكس؛ نعود مثقلين بالخيبة، كمن عاد “بذيلٍ منكسر”، لأن الأمور التي كانت تُشعل فينا الحماس، والأحلام التي من أجلها تركنا كل شيء، والتي ظننّا أنّها تستحق أن نمنحها حياتنا، قد خذلتنا في لحظة ما وتركتنا في منتصف الطريق.

 

فأين ذهبت أحلامنا؟ أين تبخّرت توقّعاتنا؟ ماذا حلّ بالرغبات العميقة التي سكنت قلوبنا؟ لتأتي الحياة أحيانًا وتسلب الإنسان كل ذلك، فلا يبقى له إلا أن يعود إلى بيته مثقلاً بالخيبة، سائرًا في طريق العودة.

 

وهكذا كان حال تلميذي عمّاوس: «فوَقفا مُكتَئِبَين» ظلام في الخارج، واضطراب في الداخل. لم يكونا يعلمان أن ذلك اليوم هو يوم القيامة؛ لم يتبادلا تهنئة، ولم يفهما بعد معنى الفصح، ولا سرّ القيامة. بالنسبة لهما، لم يكن هناك سوى ظلام قاتم وارتباك مخيف.

 

وفي قلب هذا الظلام، يظهر “غريب”. «أَأَنتَ وَحدَكَ نازِلٌ في أُورَشَليم، ولا تَعلَمُ الأُمورَ الَّتي حَدَثَت فيها هذهِ الأَيَّام؟» غريب يقترب من عتمتهما، غريب يسير معهما في حيرتهما. وهكذا يحدث غالبًا: حين نظنّ أن كل شيء قد انتهى، يبدأ طريق جديد. طريق لا يكون بالضرورة مضيئًا، بل كثيرًا ما يكون مملوءًا بالغموض والتخبّط.

 

إنه الفصح… لكننا لا نشعر أنه فصح. نرغب أن يأتي من يعيد ترتيب فوضانا، من يعيد إلينا الكلمات، من يكشف لنا المعنى، من يربط خيوط هذا التشابك الداخلي. في تلك اللحظات بالذات، نحتاج إلى علامات، إلى شيء نراه ونلمسه.

تلميذا عمّاوس لم يكونا سوى إنسانين خائبي الأمل، فقدا الثقة بالحياة. لكن في عمق هذه الخيبة، يطلّ القائم من بين الأموات، ويبدأ بإحياء حياتهما من جديد، ويشرح لهما معنى الكتب. «أَما كانَ قلبُنا مُتَّقِدًا في صَدرِنا، حينَ كان يُحَدِّثُنا في الطَّريق، ويَشرَحُ لنا الكُتُب؟»

 

لا يخبرنا الإنجيل كم استغرقت تلك المسيرة. ربما دقائق، وربما ساعات… وربما في حياتنا نحن، قد تمتدّ هذه المسيرة أسابيع أو أشهر أو حتى عشرات السنين. لكن ما يدفعنا للاستمرار هو هذا اليقين: أننا، حتى في الظلام والارتباك، لسنا وحدنا. هناك “غريب” يرافقنا، ويمنحنا وقته.

 

وفي نهاية الطريق، يقول التلميذان: «أَما كانَ قلبُنا مُتَّقِدًا في صَدرِنا، حينَ كان يُحَدِّثُنا في الطَّريق، ويَشرَحُ لنا الكُتُب؟» إنه القلب الذي يشتعل من جديد… يعود لينبض بالحياة، يعود للشغف، يعود للرجاء.

 

لكن الإنسان المجروح، أو الذي فقد عزيزًا، غالبًا ما يخاف أن يعود إلى الفرح، وكأنه بذلك يخون ذكرى من فقدهم. فيظنّ أنه لا يحقّ له أن يبتسم أو أن يحيا من جديد.

 

غير أن الفصح يعلّمنا العكس: الذين أحببناهم لا يمكن أن يكونوا سبب يأسنا، بل يجب أن يكونوا سببًا لاستمرار حياتنا.

 

فالحبّ الحقيقي لا يقود إلى القبر، بل إلى الحياة. الفصح هو أن تتحوّل الغيبة إلى حضور، وأن يتحوّل الحزن إلى نار حياة في القلب. إنه أن نسمح لتلك “النار” أن تشتعل في داخلنا من جديد.

 

ويسوع القائم يرافقنا في هذا الطريق، حتى حين لا نفهم، وحتى حين لا نميّزه.

 

نمشـي أحيانًا في الظلام، متلمّسين الطريق، غير عارفين ماذا سيحمل الغد، ولا ماذا سيكون مصيرنا.

 

لكن الإنجيل يقول لنا شيئًا واحدًا: إنه يسير معنا.

 

ومن هذا اللقاء، يولد في داخلنا صراخ، صلاة، رجاء: «أُمكُثْ مَعَنا، فقد حانَ المَساءُ ومالَ النَّهار» وهنا نكتشف حقيقة عميقة: لسنا بحاجة إلى أفكار أو تفسيرات، بل إلى حضور. نحن نصبح مسيحيين حقًا عندما نمتلك الشجاعة لنترك النظريات، ونتمسّك بالحضور. أن نقول: “يا رب، لم أعد أفهم شيئًا… ابقَ معي”، كما ألحا تلميذي عماوس «أُمكُثْ مَعَنا، فقد حانَ المَساءُ ومالَ النَّهار» هذا الحضور يصبح قوتنا. لم نعد بحاجة إلى كلمات، لأننا وجدنا “شخصًا”.  وعندها ندرك أن الذين ظننا أنهم وراءنا، هم في الحقيقة أمامنا. الذين فقدناهم لم نُفقدهم، بل سبقونا.

 

الفصح يعني أن نسير، حتى في الضباب، خطوة بعد خطوة، دون أن نرى إلا الخطوة التالية. وهذا يكفي. أن نسمح لقلبنا أن يشتعل من جديد، أن نترك جراحنا تتحوّل إلى قوة، أن نرفع نظرنا من القبر، ونوجّهه نحو أفقٍ قد يبدو مظلمًا… لكن منه سيشرق النور من جديد.