موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في مسيرة الإيمان، لا يقف الإنسان دائمًا في وضوحٍ كامل، بل كثيرًا ما يتأرجح بين الرغبة في اليقين والخوف من الخداع، بين الشوق إلى الله والحاجة إلى لمسه. في هذا التوتر الداخلي، يلتقي كلّ واحدٍ منّا بشخصية توما، لا كقصة بعيدة، بل كمرآة حيّة تعكس عمق إنسانيتنا.
تقدم لنا الكنيسة هذا الأحد ظهورات يسوع القائم للتلاميذ بدون توما ومع توما: «قال له التلاميذ الآخرون: لقد رأينا الرب! فأجابهم: إن لم أَرَ في يديه أثر المسامير، وأضع إصبعي في موضع المسامير، وأضع يدي في جنبه، فلن أؤمن» (يو 20: 25).
إنّ إنسانية توما مؤثِّرة إلى حدٍّ بعيد. فالإنسان يكون إنسانًا حقًا حين يأخذ خبرته على محمل الجد، وحين لا يكتفي بكلام الآخرين، بل يشتاق إلى أن يرى ويلمس ويختبر بنفسه. ومن هذا المنطلق، يبدو طلب توما مشروعًا: فهو لا يرفض الإيمان، بل يبحث عن طريقٍ شخصي إليه.
لكنّ عمق القضية لا يكمن في طلب اللمس بحدّ ذاته، بل في إدراك أن الخبرة لا تبدأ باللمس، بل بالثق؛ أو بالأحرى بالإيمان. فالإنسان لا يبلغ ملء إنسانيته فقط عندما يسعى إلى اختبار الأمور بنفسه، بل عندما يفهم أنّ قلب كل خبرة حقيقية يقوم على ثقةٍ سابقة، لا على برهانٍ قاطع.
إنني لا أقترب من بابٍ لأفتحه، إلا إذا كنت أؤمن أنّ وراءه شيئًا يستحق، إلا إذا كنت أؤمن أنّ وراءه شيئًا جميلًا. أمّا إذا لم أؤمن بوجود شيء يستحق، فسأرى في فتح الباب عملًا عبثيًا وساذجًا.
ومن جهة أخرى إذا أغلقت قلبي أمام الإمكان، فسأبقى خارج الباب خارج الجمال، خارج اللقاء، خارج العلاقة، لا لأنّه فارغ، بل لأنني لم أجرؤ على الوثوق. هكذا هو الإيمان: أن أمنح ثقتي لشخص، قبل أخذ الضمانات، قبل أن يتحوّل حضوره إلى خبرة ملموسة.
في هذا الضوء، نفهم أنّ يسوع لا يوبّخ توما لأنه أراد أن “يلمس”، بل لأنه لم يرتقي في مسيرته الإيمانية وبقي على المستوى المادي ينتظر لحظة “اللمس”. فكل خبرة إيمانية تبدأ دائمًا بالثقة في خبرة شخصٍ آخر، لكن هذا لا يعني أن نتخلّى عن الشوق لأن نختبر نحن أيضًا الخبرة عينها.
غير أنّ الأمر يتطلّب ألّا نربط وجود الله فقط بما نختبره نحن مباشرة، بل أن نؤمن بأنه حاضر حتى عندما لم نعش بعد هذه الخبرة بشكلٍ شخصي. إنّ الإيمان الحقيقي ليس هروبًا من الجراح، بل دخولًا فيها بنور الرجاء، حيث يلتقي الإنسان بالله لا في الكمال الظاهري، بل في عمق ضعفه الإنساني.
إنّ مشكلة الإنسان اليوم ليست في نقص الأدلة، بل في فقدان الثقة. لذلك يعيش كثيرون أسرى القلق، يبحثون عن براهين لكل شيء: في الحب، في الصداقة، في العمل، وحتى في تقدير الذات. فيربطون سلامهم الداخلي بقياس مستمرّ لما يملكونه من “ضمانات”، فيفقدون القدرة على العيش بحرية.
أمّا الإيمان، فهو دعوة إلى نمط آخر من الحياة: أن نُقبل على الواقع بثقة عميقة، في ما لا يُرى، أو في ما لم يُرَ بعد. صحيح أنّ هذا الخيار لا يعصمنا من خيبات الأمل، لكنه وحده يفتح أمامنا إمكانية اللقاء بما هو جوهري في الحياة.
ومن المفارقة العميقة أن هذه الخبرة لا تُعطى إلا حين نصبح مستعدين لها، وغالبًا ما تمرّ عبر “لمس الجراح”. أي أنّ الإنسان يلتقي بالله لا حين يكون قويًا ومكتفيًا بذاته، بل حين يعبر عن ضعفه وألمه بصدق. فالإيمان الحقيقي ليس هروبًا من الجراح، بل غوصاً داخله برجاء نور جديد.
لذلك، إن كنت تنتظر البراهين لتؤمن بأن الله يحبك، فربما لن تبدأ أبدًا. أمّا إن عشت أولًا وكأنّه يحبك، فستكتشف، مع الوقت، أنّ الحياة نفسها ستقدّم لك تلك البراهين. هذا ليس وهمًا نفسيًا، بل واقعية من يخرج من حالة الدفاع الدائم، فيصبح قادرًا على أن يرى.
ويأتي السؤال: هل أجرؤ اليوم أن أفتح “الباب” الذي أمامي، وأخطو خطوة ثقة، خطوة إيمان -بالرغم من الألم الذي اعيشه - حتى قبل أن أرى ما وراءه؟