موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
نجد في الفصل الخامس عشر من الإنجيل بحسب لوقا ثلاث مقطوعات، لا يروي لنا قصصًا مؤثّرة لمجرّد تحريك العاطفة، بل يجيب على تذمّر خفيّ خرج من قلوب الفريسيين والكتبة: “وكانَ الجُباةُ والخاطِئونَ يَدنونَ مِنه جَميعًا لِيَستَمِعوا إِلَيه. ٢فكانَ الفِرِّيسِيُّونَ والكَتَبَةُ يَتَذَمَّرونَ فيَقولون: "هٰذا الرَّجُلُ يَستَقبِلُ الخاطِئينَ ويَأكُلُ مَعَهم"!“ (لو 15، 1)
كانت المشكلة أعمق من اعتراض أخلاقي؛ كانت صدمة أمام رحمة لا تخضع لمقاييسهم البشرية. لم يحتملوا أن يكون قلب الله أوسع من تصوّراتهم، ولا أن تكون المحبّة عطيّة لا تُشترى ولا تُستحق. كانوا مقتنعين، مثل كثيرين منّا، أن الحب يجب أن يُنال بالاستحقاق، وأن القرب من الله ثمرة تقشف وانضباط وزهد طويل . فجاءت أمثال الخروف الضال، والدرهم المفقود، ثم مثل الابنين، كمرآةً لنا جميعاً.
"كانَ لِرَجُلٍ ٱبنان" بهذه العبارة يبدأ السرّ. لم يقل يسوع: كان لرجل ابنٌ ضالٌ. نحن اعتدنا أن نختصر القصة في الأبن الأصغر، ونحصر الضياع فيه، ونطمئن في أعماقنا أننا لسنا مثله. لكن يسوع يتعمّد أن يقول: "ابنان". وكأنّه يدعونا إلى أن نبحث عن أنفسنا في الاثنين معًا.
الابن الأصغر طلب ميراثه. وفي ثقافة ذلك الزمن، طلب الميراث يعني أن يعتبر أباه ميتًا. أراد عطايا الأب دون حضوره، خيرات البيت دون علاقة. سافر، وأنفق، وببدّد، وسقط. وحين جاع، قرر العودة. عودته لم تكن في البدء توبة صافية بقدر ما كانت حسابًا واقعيًا: "فرَجَعَ إِلى نَفسِه وقال: كم أَجيرٍ لِأَبي يَفضُلُ عنه الخُبْزُ وأَنا أَهلِكُ هُنا جُوعًا! أَقومُ وأَمضي إِلى أَبي" عادة بخطة مدروسة.
لكن المفاجأة لم تكن في قرار عودته، بل في ردّة فعل الأب. لم ينتظر الآب اعترافًا كاملًا، لم يطالبه بشرح، لم يفتح سجلّ الحسابات. "وكانَ لم يَزَلْ بَعيدًا إِذ رآه أَبوه، فتَحَرَّكَت أَحْشاؤُه وأَسرَعَ فأَلْقى بِنَفسِه على عُنُقِه وقَبَّلَه طَويلًا"،رآه من بعيد، فركض إليه، واحتضنه، وألبسه الحُلّة، وأقام وليمة. هنا انقلبت حياة الابن. ليست الحسابات ما خلّصته، بل حبّ غير متوقَّع. حبّ مجانيّ، سابق على الاستحقاق، يهزّ الكيان ويعيد برمجة القلب.
إلى هنا نرتاح. نذرف دمعة، ونقول: ما أعظم رحمة الله. لكن يسوع لم ينهِ القصة بعد. كان هناك ابن آخر.
الأبن الأكبر: الذي لم يغادر البيت يومًا. لم يبدّد مالًا، لم يخالف وصيّة، لم يُسئ إلى سمعة العائلة. ظلّ في الحقل يعمل بأمانة - والحقل في الكتاب المقدس يرمز إلى العالم- لكن حين سمع صوت الرقص والفرح، وعلِم بعودة أخيه، انفجر غضبًا. رفض الدخول. وهنا تتبدّى المأساة الصامتة.
الأصغر كان بعيدًا في الجسد ثم صار قريباً.
أما الأكبر فكان قريبًا في الجسد، بعيدًا في القلب.
كلماته تكشف جرحه: «ها إِنِّي أَخدُمُكَ مُنذُ سِنينَ طِوال، وما عَصَيتُ لَكَ أَمرًا قَطّ، فما أَعطَيتَني جَدْيًا واحِدًا لِأَتَنَعَّمَ بِه مع أَصدِقائي». لم يقل: يا أبي. قال: أخدمك. رأى نفسه "خادمًا"، لا "ابنًا". رأى أباه "سيّدًا" يطالبه، لا "أبًا" يفرح به. عاش في البيت، لكنه لم يعش دفء العائلة وفرح البيت. أطاع القوانين، لكنه لم يعرف قلب واضعها. كان قريبًا من ممتلكات الأب، بعيدًا عن فكره وقلبه وروحه.
كم منّا يشبه هذا الابن الأكبر؟
نصلّي، نخدم، نلتزم، نحافظ على الصورة الظاهرية. لكن في الداخل غصّة، مرارة، حزن... نقيس علاقتنا بالله بلغة الاستحقاق ونقيس علاقتنا بالآخر بالمقارنة: أنا فعلت، أنا تعبت، أنا لم أخطئ مثل غيري. وننظر إلى رحمة الله تجاه الآخرين وكأنها ظلم لنا. نغضب من غفرانه أكثر مما نفرح بخلاصهم.
الأصغر قال في سرّه: أبي ميت، أريد ماله.
الأكبر قال في أعماقه: أبي سيّد، وأنا عبد عنده.
كلاهما لم يعرف الأب حقًا.
والأب؟
يخرج مرتين. يركض إلى الأصغر العائد من الخطيئة، ويخرج متوسّلًا الأكبر الغارق في برّه الذاتي. لم يُجبره على الدخول، بل توسل إليه، ترجّاه. كأنّ يسوع، من خلال هذا المشهد، يخرج نحو الفريسيين أنفسهم، نحو كل من يظنّ أنه في الداخل لكنه لا يعرف قلب الله.
القصة تنتهي دون أن نعرف إن كان الابن الأكبر دخل أم لا. لأن النهاية مفتوحة علينا نحن.
هل ندخل إلى الفرح؟
هل نقبل أن الله أب، لا سيّد حسابات؟
هل نسمح لأنفسنا أن نفرح برحمة تُعطى لغيرنا كما أُعطيت لنا؟
في العمق، الضلال الحقيقي ليس فقط في أن نبتعد عن البيت، بل في أن نبقى فيه دون أن نتذوّق فرحه. أن نعيش الإيمان كواجب ثقيل، لا كعلاقة حب. أن نطيع دون أن نثق، وأن نخدم دون أن نعرف أننا أبناء.
يسوع لا يدافع عن الخطأة فحسب، بل يكشف صورة الآب. آبٌ لا يُحبنا لأننا صالحون، بل يُحبنا فنصير صالحين. آبٌ لا ينتظر كمالنا ليقترب، بل يقترب ليخلق فينا قلبًا جديدًا.
أبتي،
علّمني أن أعرف قلبك، فلا أضلّ بعيدًا عنك… ولا أضلّ وأنا بالقرب منك.
علّمني أن أكون ابنًا حقًا لك كما تريدني أن أكون.