موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ٢٠ أغسطس / آب ٢٠٢٥

"معيّار الخلاص" بين كاتبي نبؤة اشعيا والإنجيل الثالث

بقلم :
د. سميرة يوسف سيداروس - إيطاليا
"معيّار الخلاص" بين كاتبي نبؤة اشعيا والإنجيل الثالث

"معيّار الخلاص" بين كاتبي نبؤة اشعيا والإنجيل الثالث

 

الأحد الحادي والعشرون (ج)

 

مُقدّمة

في مقالنا الحالي سنبحث عن إجابات لبعض من الأسئلة الّتي تتخلل تاريخنا البشريّ، وتتكرر بالرغم من مرور قرون وآلاف من السنين على إتمام مسيرة الخلاص الإلهيّ. تطفو هذه الأسئلة على سطح حياتنا باستمرار وتتراكم بقلوبنا كمؤمنين بل وتخيفنا. ففي كلّ مرة نقرأ فيها مقطعيّ هذا الـمقال، ينتابنا الخوف والقلق. والسبب هو أنّ إعلان الله بحسب نص اشعيا (66: 18- 21) بالعهد الأولّ يتناول مغامرة إلهيّة جديدة ذات معيار إلهيّ. بينما بالعهد الثاني بحسب لوقا (13: 22- 30) يواجه يسوع سؤالاً واحداً تحديداً ويعطينا من جديد هدف الـمعيار الإلهي: «يا ربّ، هلِ الَّذينَ يَخلُصونَ قَليلون؟» (لو 13: 23). هذا النوع من الأسئلة قد تخيفنا في حقيقتها.سنتعمق في هذا الـمقال، في الواقع، حول الـمعيار الإلهيّ الّذي يعطينا إجابات تكشف عن مخطط الله وتحررنا من الخوف وتساعدنا بالدخول في هذا الكشف الإلهي الجديد والتحرر من الزيف البشري الّذي نعتقده عن ذاواتنا وحياتنا.

 

 

1. الآية الأخيرة (اش 66: 18- 21)

 

تكشف الخطبة الإلهيّة الأخيرة على لسان الرّبّ بحسب نبؤة النبي اشعيا، قرار إلهي حيث سيسود الـمجد الإلهيّ على الجميع فنسمع صوت الرّبّ القائل: «أَمَّا أَنا فنَظراً إِلى أَعْمالِهم وأَفْكارِهم [أعداء الرّبّ]، قد حانَ أَن أَحشُرَ جَميعَ الأُمَمِ والأَلسِنَة، فتأتي وتَرى مَجْديوأَجعَلُ بيَنَهم آيَةً وأُرسِلُ ناجينَ مِنهم إِلى الأُمَم» (اش 66: 18- 19). تُنبهنا هذه الرسالة النبويّة بأنّ كلمة الله هي الّتي تسود من خلال كشف مجده الإلهيّ للجميع فيما بينهم البعيديّن وبالتحديد أعدائه. تصل هذه النبؤة الإلهيّة حتى: «الجُزُرِ البَعيدةِ الَّتي لم تَسمَعْ بِسُمعَتي ولم تَرَ مَجْدي، فيُنادونَ بمَجْدي بَينَ الأُمَم ويَأتونَ بِجَميعِ إِخوَتكمَ [...] إلى جَبَلِ قُدْسي أُورَشَليم،[...] قالَ الرَّبّ» (اش 66: 19- 21). هذا هو السبب في الإعلان النهائي للرّبّ أنّ يجمع شعبه وأنّ يصير بحسب مخططه الأساسي نواة لكلّ شعوب الأرض فينادي بمجده الإلهيّ كلّ الشعوب بما فيهم الشعب الـمختار والأمم فينتمون للرّبّ. هذه هي الآية الأخيرة الّتي يضعها كاتب سفر اشعيا كعمل إعجازي وعمل أخير فائق الطبيعة من قبل الرّبّ نحونا اليّوم حيث يسود مجده فقط. بناء على هذا الـمجد سنستمر في التعمق في تعليم يسوع الجديد بحسب لوقا.

 

 

2. أهناك خلاص لكثيرين؟ (لو 13: 22- 30)

 

يُخاطر فكر رجل مجهول الهويّة تساؤل يوجهه ليسوع بينما: «كانَ [يسوع] يَمُرُّ بِالـمُدُنِ والقُرى، فيُعَلِّمُ فيها، وهوَ سائِرٌ إِلى أُورَشَليم قائلاً: «يا ربّ، هلِ الَّذينَ يَخلُصونَ قَليلون؟» (لو 13: 22- 23). يُخفي تساؤل هذا الرجل نزعةً دينية يرفضها يسوع بل يقلبها رأساً على عقب. كثيراً ما يُطرح هذا التساؤل مِمَن ينتابهم الشعور بأنّهم «الأوَّلين» (لو 13: 30) الّذين في حقيقتهم هم على العكس تمامًا حيث إنّهم من «الآخِرين» (لو 13: 30) أمام الله. ويُخفي هذا السؤال قناعة الراسخيّن من النساء والرجال الـمُعتقدين بإنّهم مِن جماعة الـمؤمنيّن بوضع حدود ومعايير لخلاصهم. الخطر هو إنّه عادة ما نرسم حدوداً لخلّاصنا الذاتي ونتناسى إنّه هبة مجانيّة من الرّبّ. والسبب هو تحديد منطقة راحتنا، فتُصبح معياراً لذاواتنا وللآخرين أيضًا. لكن يحكم يسوع على سؤال مُحاوِره ويُظهره بكلّ هشاشته، دون أنّ يُجيبه على سؤاله، بل يعلن بجرأة ما يحمله هذا السؤال من خطأ جوهري وهذا ما سنكتشفه بنهاية النص اللّوقاوي.

 

هذا الرجل الّذي بدون إسم إي بدون هويّة أو شخصيّة واضحة بحسب الكتاب الـمقدس، يعتقد إعتقاد خاطئ فيما لا يخصه. نعم، الخلاص هو دور إلهي بحتّ. دور هذا الرجل ودوري ودروك أنّ نسعى بجهد ليقبل كلاً منا هذا الخلاص الإلهيّ الّذي يمنحه الرّبّ بمجانيّة فيصير السؤال هل أنا أستحق الخلاص؟ ماذا افعل لأناله؟ ... إلخ.  

 

في واقع الأمر يرتبط هذا النص (لو 13: 22- 30) بالنص السابق مباشرةً والّذي نقرأ فيه بحسب إنجيل لوقا (راج لو 13: 18- 21) مثليّن. يقدم الإنجيليّ تشبيهيّن موجزيّن عن ملكوت الله. التشبيه الأوّل هو حبة الخردل والثاني هو تشبيه الخميرة في العجين. حيث يدعونا يسوع من خلالهما لننظر للأشياء البسيطة بحياتنا، كتلاميذ يسوع، كشعبه الجديد، وإلى دعوتنا في حقيقتها كمسيحييّن، لا من منظور وضع حدود أو معايير ثابتة، بل مِن منظور بشري بحتّ. يجب أنّ نتبع منطقًا مختلفًا وهو منطقًا يدعونا إلى النمو، مثل حبة الخردل والخميرة والهدف هو أنّ نصير مِضيافيّن ونتعلم قبول الخلاص الإلهيّ. يتطلب منا هذا المنطق الإختفاء داخل كتلة أكبر، كالخميرة في الدقيق. وكالبذرة الّتي في الخفاء تمكث بباطن الأرض ثم تنمو. هذا هو ما سيتوسع الرّبّ في تفسيره من خلال مثل الباب الضّيقّ. فالباب الضّيقّ هو يسوع نفسه الّذي يتوجه لأجلنا إلى أورشليم ليعطينا الخلاص، وهو طريقنا أيضًا لننال هذا الخلاص!

 

 

3. الـمِعيار الإلهي الجديد (لو 13: 24)

 

 يكشف يسوع مستخدمًا فعل أمر إفتتاحي ليشير إلى معياره الإلهي قائلاً: «اِجتَهِدوا أَن تدخُلوا مِنَ البابِ الضَّيِّق. أَقولُ لَكم إِنَّ كَثيراً مِنَ النَّاسِ سَيُحاوِلونَ الدُّخولَ فلا يَستَطيعون» (لو 13: 24). "إجتهدوا" هي دعوة يسوع بالإجتهاد أي السعيّ بجديّة بأنّ نصير صغار حتى نتمكن من العبور من الباب الضّيّق. الإجتهاد هو شرط أساسي فإذ لم نموت ونصغر من خلال التواضع لن نتمكن من قبول الخلاص ودخول الأبدية. فهناك محاولات منا بالصّلاة والصوم وقد تكون بالصدقة أيضًا إلّا إنّ أفعالنا ما هي إلّا وسائل وليس غاية. ليست الغاية في القيام بأعمال لنوال الخلاص بل أنّ ننمو في أنّ نعيش مع الله ونتعلم أنّ نقبله في علاقة حميمة معه. هذه العلاقة تُقربنا يومًا بعد يوم من فضيلة التواضع الّتي نقبل بها الإختفاء فننمو أمام الرّبّ وليس أمام الناس. إذن الإجتهاد في النمو في العلاقة الحميمة بالله هو بدء للإجتهاد بالدخول من الباب الضّيّق.

 

 

4. معرفة الله (لو 13: 25-27)

 

ثم يأتي توضيح يسوع عن هذا الـمعيار الإلهيّ مشيراً بناحية سلبية عن عدم معرفته فيمن يقرعون على بابه، من خلال مثل فيقول: «إِذا قامَ رَبُّ البَيتِ وأَقَفَلَ الباب، فوَقَفتُم في خارِجِه وأَخَذتُم تَقرَعونَ البابَ وتقولون: يا ربُّ افتَحْ لَنا، فيُجيبُكُم: لا أَعرِفُ مِن أَينَ أَنتُم، حينَئِذٍ تَقولونَ: لَقَد أَكَلْنا وِشَرِبنْا أَمامَكَ، ولقَد عَلَّمتَ في ساحاتِنا. فيَقولُ لَكم: لا أَعرِفُ مِن أَينَ أَنتُم. إِلَيكُم عَنَّي يا فاعِلي السُّوءِ جَميعاً!» (لو 13: 25- 27). يتكرر التعبير "لا أعرف من أين أنتم" ليس لجهل الله بنا ولكن لعدم سعينا الجاد لدخول ملكوته.

 

إذا تسألنا عما هو إذن الطّريق الإيجابي الذي يُشير إليه يسوع؟ الطّريق الّذي يُشير إليه بتعبير خاص وهو «الباب الضّيّق»، مدعوين للتوقف أمام سيّاق النص الإنجيليّ. يُذكر منذ البداية إنّنا على الطّريق مع يسوع، في رحلتنا نحو أورشليم (راج لو 9: 51)، ذلك الطّريق الذي يُجسِّد سبب حضور يسوع البشري، وكذلك سبب وجود تلاميذه معه. الباب الضّيّق الّذي يشير إليه يسوع لدخول الملكوت هو طريقه الخاص، ذلك الّذي يصعد إلى أورشليم ويؤدي إلى بذل الّذات. أما مَن يسلك دروبًا أخرى، ومَن يبحث عن سبل أخرى، وربما أبواب أوسع لخدمة الله، فقد نسمع عدم معرفته لنا بقوله: «لا أَعرِفُ مِن أَينَ أَنتُم». لأنّ الآب لا يتعرف إلا على ملامح ابنه الحبيب فينا وفقط مَن يسلك ذات الطّريق ببذل الذات وبالحبّ هو الّذين يستطيع الاحتفاظ بملامح الابن في حياته ورسالته.

 

 

5. معيار الخلاص (لو 13: 30)

 

يكشف يسوع عن خطأ أساسي بل جوهري في تساؤل محاوره، حيث يعلن يسوع في كلماته بنهاية النص اللُوقاويّ ردّ فعله كتحذير لـمُحاوِره مُقدمًا فكراً مُنعسكًا تمامًا للخلاص الإلهي فيقول: «هُنَاكَ آخِرُونَ يَكُونُونَ أَوَّلِينَ، وَهُنَاكَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ» (لو 13: 30). يتضح من هذا الإنعكاس أنّ إعتقاد يسوع عن مُحاوِريه، يعتبر نفسه من الأوائل. وهنا يأتي تصرِّيح يسوع بتقديم إجابة غير متوقعة بل مُحزنة للـمُتسأل حيث يجد ذاته من الأخيريّن! فهو لم يتبنَّى معايير أخرى لفكره، كمعايير الله مثلاً، لذا سمع عبارة خطيرة كشفت عن مفاجأته في الـمثل الّذي أعطاه يسوع ليؤكد منطقه قائلاً: «لا أَعرِفُ مِن أَينَ أَنتُم» (لو 13: 25-27). لا داعي لأن نقلق أو لنحزن، بل علينا إتخاذ القرار لنجتهد حقيقة لنعيش فيما يليق بالرّبّ وليس طمعًا في أن ّ ننال الخلاص بل حبًا في الرّبّ. مصدر الخلاص هو الله فقط وليس الإنسان، الإنسان مدعو ليجتهد حتى ينال ما أعده الله من أبديّة.

 

 

الخلّاصة

 

ناقشنا في مقالنا هذا مضمون كتابي وهو "الـمعيار الإلهيّ" وما أكدّ التوازي فيما بين العهديّن، الّذي أشار إليه كمرحلة أوّلى النبي اشعيا (66: 18- 21) الآية الأخيرة الّتي كشفت، في كلام الرّبّ، عن مجده الفائق السمو للكلّ، امم وبني إسرائيل، كختام لرسالته النبويّة. وكمرحلة ثانية كشف لوقا من خلال تعليم يسوع (لو 13: 22- 30) باننا مدعويّن للإجتهاد بشكل أفضل فبدلاً من تقديم أسئلة لا أساس. لها مدعوين بالدخول في المعيار الإلهي الجديد الّذي كشف عنه يسوع الابن وأنّ الإجتهاد في إتخاذ ملامحه وبذل ذاته كطريقنا لتبعيته على الطّريق نحو أورشليم أي الصليب وهناك سنلتقي ليس بالموت فقط بل بالموت والقيامة معًا مثل يسوع. ففي تبعيته نجد خلاصنا الحقيقي الآتي منه وليس منا. مسيرتنا وراء المعلم هي الضامن الوحيد لخلاصنا. نتلمس المعيار الإلهي الساميّ الّذي لا يتعارض مع الـمعيار البشريّ  في كلّ مرة نحيا برّوح التمييز الجديّ في حياتنا.