موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأحد الثاني والعشرون (ج)
مُقدّمة
في سلسلتنا الكتابيّة لهذا الأسبوع سنناقش نصيّين متوازيين أعطينا عنوانًا لهما "اللؤلؤة الحياتيّة". والسبب هو إبداع كلا الكاتبين في تسليمنا هذه اللؤلؤة لتصير جوهريّة بحياتنا وتجعلنا نتمثل بحياة الله. من العهد الأوّل بسفر يشوع ابن سيراخ (3: 17-20، 28-29) يحاورنا الحكيم واضعًا أمامنا حقيقة لّاهوتيّة وهن فضيلتي الوداة والتواضع كتوأمتين. ومن العهد الثاني سنتناول مقطع بحسب إنجيل لوقا (14: 1. 7-14) وهو إنجيل العام (ج) في الطقس اللّاتينيّ، حيث يتناول ذات الحقيقة اللّاهوتيّة في حياة وكلمات يسوع مؤكداً في تعلّيمه الحياتيّ بأنّ هناك أفضل مما نختاره للوهلة الأوّلى وبحسب الـمنطق البشري بل يكشف عن اللؤلؤة الحياتيّة بحضوره وبأمثاله الّتي تحمل الجديد وتكشف عن سرّ الله فيه وتقربنا لنكون حاملين بعنايّة هذه اللؤلؤة الحياتيّة كل يوم وراء يسوع الـمعلم.
1. تواضع القلب (سي 3: 17-29)
تأتي كلمات الحكيم مُتابعًا نصائحة الأبويّة بعد أنّ تناول مضمون إكرام الرّبّ ثم إكرام الوالديّن. يُسلمنا اليّوم كمؤمنين حقيقتين لّاهوتيّتين وهما بمثابة لؤلوة ثمينة لقلوبنا. فالحقيقة الأوّلى تأتي بقوله: «يا بُنَيّ اقْضِ أَعْمالَكَ بِالوَداعة فيُحِبَّكَ الإنْسان الـمَرضِي عنه. إِزْدَد تَواضُعًا لما ازدَدتَ عَظَمَةً فتَنالَ حُظوَةً َلدى الرَّبّ. لأَنَّ قُدرَةَ الرَّبَ عَظيمة والمُتَواضِعونَ يُمجِّدونَه» (سي 3: 17-20). فضيلة الوداعة ترافقها أختها التوأم وهي فضيلة التواضع. يبثّ كاتب السفر الحكميّ كلماته لكلّاً منا كابنة وكابن له، حيث يؤكد قيمة الإنسان الوديع والمتواضع في حياتنا اليوميّة فننال حظوة ونعمة من قِبل الرّبّ وأيضًا من خلال حبّ متواضع لأخينا الإنسان.
أما الحقيقة اللّاهوتيّة الثانيّة يوجهها ليّ ولك بشكل تحذيري قويّ قائلاً: «القَلبُ القاسي عاقِبتُه السوء والَّذي يُحِب الخَطَرَ يسقُطُ فيه. القَلبُ القاسي يُثَقَّلُ بِالمَشَقَّات والخاطِئ يَزيدُ خَطيئَةً على خَطيئَة. داءُ المُتَكَبِّرِ لا دَواع لَه لأَنَّ نَباتَ الشّرِّ قد تأَصَّلَ فيه. قَلْبُ العاقِلِ يتأَمَّلُ في الـمَثَل ومُنيةُ الحَكيمِ أُذُنٌ سامِعة» (سي 3: 26- 29). كلمات الحكيم في هذه الحقيقة واضحة ومباشرة دون تجميل، حيث يعلن بوضوح الجانب العكسي تمامًا لما أعلنه بالحقيقة الأوّلى. أذ لم يحل بقلب الـمؤمن بالرّبّ فضيلتي الوداعة والتواضع يأتي عدو الله، ليزرع الكبرياء والقسّاوة ويصير مُثقلاً بالسوء والـمشقّة. إلّا أنّ ختام هذا النص القوي يعلن الرجاء ويدعونا بالإهتمام وبرعايّة قلوبنا. القلب هو بمثابة العالم الباطني الّذي يكشف عالمنا الخارجي وليس العكس. بناء على توجيهات الحكيم تلك يأتنيا لوقا الإنجيليّ برواية حدث خاص حيث يساعدنا أنّ نلمس الوداع والتواضع في كلمات وأفعال يسوع.
2. يسوع مركز التواضع (لو 14: 1)
في نهايّة يوم كامل قضاه يسوع في الـمجمع وهو يعلم مُعاصريّه معنى الدخول من الباب الضيق (راج لو 13) نجدنا، في الإصحاح التالي مباشرة، نسير وراء يسوع الّذي يبدأ يومًا جديداً في حياته وهو يوم "السبت" الـمكرس من كلّ اليهود الـمتدينيّن بحفظ الشريعة الإلهيّة (راج خر 20). يفتتح الإنجيليّ هذا الإصحاح بالتركيز على حركة يسوع الّذي يتوسط الفرّيسيّين وعلماء الشريعة بوصف تمهيدي ليوم السبت في حياة يسوع: «ودَخَلَ [يسوع] يَومَ السَّبتِ بَيتَ أَحَدِ رُؤَساءِ الفِرِّيسِيِّينَ لِيَتَناوَلَ الطَّعام، وكانوا يُراقِبونَه» (لو 14: 1). إذن بين حركة جلوس يسوع بينهم في صمت وبين أعين رجال الديّن اليهوديّ الـمُتربصين له ومراقبته في أفعاله وأقواله. تأتينا أفعال يسوع الـمتواضع، ساعيًا للنمو في العلاقة بالرّبّ من خلال إكرامه يوم السّبت وإعلان حبّه للقريب. في الوداعة والتواضع مع الآخر يرويّ الإنجيليّ لقاء يسوع بالرجل الـمُصاب بالإستسقاء أمام أعين الجميع وإتمام شفائه (راج لو 14: 1- 6). حيث حبّ الآخر في إتمامّ شفائه بحسب رغبة يسوع دون أنّ يسأله هذا الـمريض! ينبع تواضع يسوع القلبيّ من حبّه الـمُتميّز والفرديّ لكلًا منا كاشفًا تواضعه في عمله الإعجازي دون كبرياء أو تفاخر ويستكمل حواره التعليمي مع الّذي دعاه وباقي الـمدعوين. ماذا يعلمنا يسوع اليّوم؟
3. التعلّيم العائليّ (لو 14: 7- 11)
نجد أنفسنا في سيّاق حياتي عادي ومألوف حيث يجلس يسوع على المائدة خلال دعوة أحد الفريسيّين لتناول الطعام. وبينما يجلس على المائدة، تُلاحظ أفعاله وكلماته. هذا جانب جميل جدًا من هذا النص، فنختبر في أوقات الحياة العادية، لا في الأوقات الإستثنائية. ففي حدث مألوف وعادي كوجبة مشتركة، تنبثق هويتنا، وما نسعى إليه، وما ننتظره، وما نؤمن به. في هذا السيّاق المألوف، وفي إشارة إلى مثل هذا الوضع العادي، يُعلن يسوع بُعدًا أساسيًا من إنجيله وهو المجانية. لقد إعتدنا كمسيحيّين على قراءة الحبّ الأحُاديّ الّذي من جانب الله أو يسوع فقط والحبّ المجانيّ مثل موت يسوع على الصليب. لذلك، كثيراً ما نميل إلى الإعتقاد بأنّ الحبّ المجانيّ مرتبط بأحداث إستثنائية وبطولية، بعيدة المنال. قد نعتاد ربط مجانيّة الحبّ بالأحداث الاستثنائية لدرجة إننا نشعر بالإعفاء من السعي نحوها في رتابة الحياة. لكن تعلّيم المجانية أثناء الجلوس على المائدة يقلب قناعاتنا رأسًا على عقب، وتصبح رسالتنا الأساسية هي الإصغاء لتعلّيم الرّبّ لنصل إلى التواضع والوداعة مثله.
بناء على الآيّة الأوّلى الّتي إفتتح بها الإنجيليّ هذا الإصحاح نستمر في الإصغاء إلى تعليم يسوع العائلي فهو كباقي الـمدعويّن على الـمائدة يكشف عن قلبه الوديع والـمتواضع بالفعل وبالقول مُعلّمًا إيانّا بمثل حيث وجد إختيار الـمدعويّن للمقاعد الأساسيّة أي بالـمُقدمة. في هذا الوقت بالتحديد يعلن رأيه فيقول: «إِذا دُعيتَ إِلى عُرْس، فلا تَجلِسْ في الـمَقعَدِ الأوّل، فَلرُبَّما دُعِيَ مَن هو أَكرَمُ مِنكَ، فَيَأتي الَّذي دَعاكَ ودَعاه فيقولُ لَكَ: أَخْلِ المَوضِعَ لِهذا. فتَقومُ خَجِلاً وتتَّخِذُ المَوضِعَ الأَخير» (لو 14: 7-9). الـمقعد الأوّل، هو منطق العالم حيث مَن يأخذ الأفضل ويجلس في الـمركز ويتم تقديره وخدمته من الجميع حيث تكون له الـمكانة الأوّلى والـمقعد الأوّل. يأتي تعلّيم يسوع الحياتي بالعكس تمامًا حيث يدعونا للإنتباه لرغاباتنا هل هي في المقعد الأوّل أم نعطي إهتمامنا بالباطن؟ فالحقيقة هي أنّ أفعالنا الخارجية تُعبر عما يحمله عالمنا الباطنيّ. تعليم يسوع هذا "العائلي" كـ "بشارة" لحياتنا، إذ يُجنّبنا حصر إيماننا في مجرد تصريحاتٍ مبدئية أو أعمالٍ بطوليةٍ غير مُتوقعة خارجيّة. ينقل يسوع خبر سّار إلينا اليوم كـ "تواضع ووداعة" كما ورد في سفر سيراخ (سي 3: -14). إذ لم نختار الـمقعد الأوّل إذن أي مقعد علينا كمسيحيّين أنّ نختار!
يستمر يسوع في تعلّيمه لنا قائلاً: «ولكِن إِذا دُعيتَ فامَضِ إِلى المَقعَدِ الأَخير، واجلِسْ فيه، حتَّى إِذا جاءَ الَّذي دَعاكَ، قالَ لكَ: قُمْ إِلى فَوق، يا أَخي. فيَعظُمُ شَأنُكَ في نَظَرِ جَميعِ جُلَسائِكَ على الطَّعام. فمَن رفَعَ نَفْسَه وُضِع، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع» (لو 14: 10-11). هذا هو قلب تعليم يسوع الّذي يتوافق مع تعليم الحكيم بالعهد الأوّل حيث يؤكد على التواضع أي إختيار الـمقعد الأخير. فهناك نجلس بجوار الرّبّ ذاته الّذي إختاره طواعيّة وحبًا بنا إذ يدعونا أنّ نترسخ فيما يراه الرّبّ بباطننا وليس بخارجنا. يكمن تعليم يسوع عن فصحه كاختياره للمكان الأخير فهو أوّل من اختار الـمقعد الأخير على الصليب بين مجرمين، وقد دعاه الآب للجلوس عن يمينه. ما يعلنه يسوع علينا كمحاوريه اليّوم ليس البحث عن "إستراتيجية" للإرتقاء الوظيفيّ، أو للتفاخر، أو لنيل التكريم. بدأ مثله التعليميّ بملاحظة الواقع، من ملاحظة ما يحدث حوله وما يعيشه مُلاحظاً كيف اختاروا الأماكن الأولى. بملاحظة ما يحدث عادةً، يُظهر يسوع لتلاميذه طريق "الـمقعد الأخير". يعلّم يسوع عكس ما يراه، يرى كثيرين يسعون إلى المكان الأول، ويقترح، كأسلوب حياة، اختيار المكان الأخير.
4. لؤلؤة لحياتيّ (لو 14: 12-14)
لا يكتفي تعليم يسوع العائلي بهذا الـمثل الّذي يوجه نصيحة ليّ ولك بل يقدم أيضًا ومجانًا نصيحة أخرى لصاحب الدعوة أي لي ولك متى كنا داعيين لأي مناسبة قائلاً: «وقالَ أَيضاً لِلَّذي دَعاه: إِذا صَنَعتَ غَداءً أَو عَشاءً، فلا تَدْعُ أَصدِقاءَكَ ولا إِخوَتكَ ولا أَقرِباءَكَ ولا الجيرانَ الأَغنِياء، لِئَلاَّ يَدْعوكَ هُم أَيضاً فتَنالَ الـمُكافأَةَ على صنيعِكَ. ولَكِن إِذا أَقَمتَ مَأَدُبَة فادعُ الفُقَراءَ والكُسْحانَ والعُرْجانَ والعُمْيان. فطوبى لَكَ إِذ ذاكَ لِأَنَّهم لَيسَ بِإِمكانِهِم أَن يُكافِئوكَ فتُكافَأُ في قِيامَةِ الأَبرار» (لو 14: 12-14). لا تنطبق كلمات يسوع، على وضعنا الحقيقي، كيف لا ندعو أحبائنا وأقاربنا فهم في أوّل قائمة الـمدعويّن لدينا! لماذا يختار يسوع فئات الفقراء والعرج والعميان ... ليكونوا أوائل الـمدعويّن؟ هل لهذه الدرجة نتواضع ولا نشارك مَن هم في مستوانا؟ يعلن تعليم يسوع واقعه وما يعيشه مع بشريتنا العمياء والعرجة والفقيرة. آتى يسوع من مجده الإلهي ليحمل لنا بشارة الـملكوت وليساعدنا في الجلوس على الـمائدة السماويّة متى قَبِلنا تعلّيمه وبدأنا الإهتمام برعاية قلوبنا بالتواضع والوداعة من خلال دعوة البسطاء أوّلاً، فهناك نجد الطوبي والـمكافأة الإلهيّة ليّ ولك! يكمن تعلّيم يسوع الثاني والـموجه لصاحب الدعوة بعدم دعوة مَن يستطيع ردّ الدعوة، بل دعوة مَن لا يستطيع تبادلها، وهنا يُثير انقلابًا آخر. إنها حقيقة صادمة وهي لؤلؤة حياتيّة ثمينة يُعلنها يسوع: «فطوبى لَكَ إِذ ذاكَ لِأَنَّهم لَيسَ بِإِمكانِهِم أَن يُكافِئوكَ» (لو 14: 14). نؤمن أنه لنكون سعداء، نحتاج إلى أصدقاء يستطيعون على الأقل أنّ يُكافئونا على ما نفعله لهم بل والأفضل أن يُعطونا أكثر. عوضًا عن ذلك، يُخبرنا يسوع إنّ طريق الأبرار هو طريق التواضع. في بساطة الحياة، وعطاء الذات والحبّ المجانيّ. يُطلق يسوع على مَن يتواضعون حقيقة أمام الله يتمكنون من تبادل حبهم وتواضعهم مع البسطاء وهناك تكون نعمة الله عليهم كما أشارنا سابقا بحسب كلمات كاتب سفر ابن سيراخ.
الخلّاصة
ناقشنا بمقالنا هذا موضوع "لؤلؤة لحياتيّ" حيث توقفنا أمام نصائح الحكيم بسفر يشوع ابن سيراخ (3: 17- 29) كما نوهنا عن إشارته لحقيقتين لّاهوتيتيّن من خلال الوداعة والتواضع والعمل على التخليّ بجديّة عن رّوح الكبرياء الّتي تسرق التواضع القلبيّ. ثم أشار يسوع على أهميّة هذه اللؤلؤة الحياتيّة بحدث من حياته حيث بدأ تعليمه وهو على مائدة أحد الرؤساء الفريسييّن ليكشف عن حبه جالسًا على مائدتتا بالـمقعد الأخير وبتعليمه كشف لنا عن أهميّة الـمقعد الأخير وقيمة تقديم الدعوة للبسطاء ولـمَن لا يستطيع ردّها بدعوة مماثلة. التواضع هو اللؤلؤة الحياتيّة الّتي يسلمها لنا كلاً من الكاتبين بالعهدين اليّوم لكلّ مؤمنة ومؤمن اليّوم يرغب في أنّ يتبع يسوع فيتقبل هذين الـمقطعين كلؤلؤة لحياته ليغتني بها ويستنير بقوة كلمة الله. دُمتم في ملء التواضع وقبول لآلئ كتابيّة من الرّبّ.