موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لم تكن قاعة فندق لاندمارك في العاصمة الأردنية عمّان مجرد قاعة يُعقد فيها مؤتمر، بل كانت قلباً كبيراً ينبض بالحوار والفكر والمحبة.
انعقد مؤتمر "المسيحيون في الشرق شركاء في بناء المستقبل" وجرح الأردنيين لا يزال ينزف، والدموع لا تزال حرّى. تسعة شموع أطفأها الإرهاب في كنيسة القديس جورجيوس في بلدة حمود – الكرك الجمعة الماضية، تسعة أسماء غدت ترنيمة صلاة في سماء الوطن.
لهذا، لم يبدأ المؤتمر كالمعتاد بجدول أعمال، بل بدعاء.
حين وقف مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام الأب رفعت بدر، حفر على جدار هذا اللقاء وسطر بكلماته أسماء تسعة شهداء، تلاها كأيقونات مقدسة في سماء الأردن الأغلى، وعندها صفق الحضور الكرام مع القادمين من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر وألمانيا بكل إجلال لروح هؤلاء الشهداء، وارتفعت الصلاة والدعاء من قلوب هنا في عمّان بخوراً نحو السماء لتقول للشهداء: أنتم هنا بيننا.
فكانت أبهى صورة، تلك التي لم تلتقطها عدسات المصورين.
وما أجمل أن نتذكر بأن مستقبلنا واحد، لا نفكر فيه كجزر معزولة، بل نفكر معاً، فمستقبلنا جميعاً ومسؤوليتنا علينا جميعاً.
حضر المؤتمر مندوباً عن دولة رئيس الوزراء معالي وزير السياحة والآثار، وجاءت كلمته لتذكرنا بهدوء وعمق أن الأردن لم يكن يوماً مجرد أرض تتعايش عليها الأديان، بل هو بيت واحد، بني على الأخوة والمصير المشترك. وأن قوة الدولة الحقيقية تكمن في قدرتها على صون كرامة أبنائها جميعاً، وتحويل تنوعها إلى غنى، واختلافها إلى وحدة.
وخلال اليومين اللذين انعقد فيهما المؤتمر، تعمّق المشاركون في محاور مختلفة تتصل بصلب موضوع المؤتمر، محاور غنية أثرت الحضور وفتحت آفاقاً واسعة للحوار والتعاون، من المواطنة المتساوية إلى الوحدة المسيحية رغم التنوع الكنسي، ومن دور الانتشار إلى الشراكة المسيحية الإسلامية كفعل يومي لا كحوار موسمي.
وتحدث مؤرخون فأكدوا أن المسيحيين ليسوا ضيوفاً في الشرق، بل هم ملح الأرض وأساسها وسنديانها القديم.
وكانت الإنسانية حاضرة بين جنبات هذا المؤتمر، حين تحدث أحد المشاركين عن أحد الشهداء بصوت يغلفه الحزن ويكتنفه الفخر، فساد صمت ثقيل في قاعة المؤتمر، صمت اختلط بدموع المشاركين وبفخرهم. في هذه اللحظة أدرك الجميع بأننا لا نناقش مستقبلاً نظرياً، بل مستقبلاً دفع ثمنه تسعة شهداء بدمائهم الزكية وهم في مكان مقدس، في بيت من بيوت الله.
من عمّان خرج المؤتمرون لا يحملون فقط توصيات على ورق، بل يحملون عهداً. فهم مواطنون كل في بلده، حملوا على أكتافهم عهداً بالانتقال من منطق البقاء إلى منطق المشاركة، ومن منطق الحماية إلى منطق الشراكة.
أثبت هذا المؤتمر، والذي أتى بتنظيم راقٍ من المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام ومؤسسة كونراد أديناور الألمانية، أن الأردن، أرض المعمدان ، رغم الجرح يبقى دوماً الواحة الآمنة التي تحتضن الفكر الحر، والبيت الكبير الذي يجمع أبناء الشرق ليبنوا مستقبلهم معاً.
تحية إلى كل المتحدثين في المؤتمر، وإلى مديري الجلسات الذين أداروا الحوار بحكمة وعمق، وتحية للمنظمين، وتحية لكل من حضر وساهم في إنجاح هذا اللقاء.
من عمّان الأبية، التي لملمت حزنها ووقفت شامخة، والتي ودعت تسعة من أبنائها الأعزاء الأسبوع الماضي، نقول: رحم الله شهداء كنيسة القديس جورجيوس، و منّ على المصابين بالشفاء، وحفظ الله الأردن وطناً للمعية التي لا تموت.
وعلى أمل أن تتم اللقاءات القادمة وقد تحققت العديد من الإنجازات،
معاً نحو المعية، ومعاً نحو عالم تسوده المحبة ويحكمه الانفتاح وتسوده الطمأنينة.