موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لم يكن مساء الثاني والعشرين من أيلول مساءً اعتياديًا في قلب عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، عمّان.
كانت المدينة على موعد مع اعتدالها الخريفي، فأسدل الصيف ستاره، وتأهبت الطبيعة لوداعه. لكن في حضنها العتيق، في المدرج الروماني الشامخ، كان هناك لقاء يولد؛ لقاء بين السماء والأرض، بين الحجر والروح، بين ماضٍ عمره ألفا عام وحاضر يزحف بثقة نحو عام 2030.
من هنا، من حيث جلس الأجداد قبل مئات السنين، وحيث أرخت فيلادلفيا جدائلها لاستقبال الإمبراطور هادريانوس آنذاك، عاد الزمان اليوم ليرسم المشهد مجددًا. مدرج بناه الرومان في عهد أنطونيوس بيوس، بستة آلاف مقعد وأربع وأربعين درجة، وُجّهت نحو الشمال كي لا تعيق أشعة الشمس الساطعة النظر، وأتقنوا صوته حتى تبلغ الهمسة من قلب الحلبة ذروة المدرجات. كان، في غابر الأيام، مسرحًا لأعياد المدينة، واليوم أصبح محط الأنظار ومحطة للوئام.
تأملت المشهد: فسيفساء بشرية متراصة، حجارتها ليست من صخر أو صوّان، بل من أخوّة، ورسومها ليست بألوان، بل بريشة الوئام. آلاف القلوب دفعها حب الأردن الأغلى إلى الالتفاف حول أنموذج العيش المشترك، تجسيدًا لرسالة عمّان التي أطلقها قائد فذّ مغوار نفاخر به الكون. فغدت هذه اللوحة البشرية اليوم شاهدًا للزمان على حدث روحي تاريخي يعيد للمدرج أجواء الفرح، ويوقظ حجارته على وقع أصوات وأنغام المرنمين والعازفين وتصفيق الجماهير الغفيرة...
فمن قلب عمّان النابض بالحياة، انطلقت إشارات محبة وسلام، مغلّفة برذاذ مقدس حلّق عاليًا من مياه نهر الأردن المباركة، من أرض المغطس، حيث تعمّد السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان... فامتزج رذاذ الماء بهمس الحجارة، واختلطت الأناشيد بالتراتيل.
هنا، على مسرح تاريخي، صدحت حناجر المنشدين أفرادًا، وأيضًا ضمن فرقة "كيوان إخوان" للإنشاد الديني، فتقاطعت أصواتهم الرنانة مع ترانيم جوقة قلب يسوع الأقدس وأصوات المرتلين، التي لامست سماء عمّان وقلوب ساكنيها بعذوبة الصوت وروعة الأداء، وصاغها لحنًا واحدًا أوركسترا المعهد الوطني للموسيقى بقيادة المايسترو محمد عثمان والدكتور هيثم سكرية، فكانت أناشيد وترانيم إسلامية ومسيحية ارتفعت من قلب واحد.
وما أجمل الصورة الافتتاحية... راهبة يصدح صوتها بالترنيمة الشهيرة للسيدة العذراء Ave Maria(السلام عليكِ يا مريم)، فمعها سجد الحجر، وصلّى البشر من أجل سلام القلوب والأوطان...
هذا هو الأردن، مهد الحضارات والديانات. ومن قلب عاصمة الهواشم والنشامى، دوّت سيمفونيات السلام، برعاية مباركة من أمير هاشمي لمع بفكره الوضّاء، صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال المعظم، وبتنظيم تآزرت فيه إرادة المعهد الملكي للدراسات الدينية والمركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، حيث تقاطعت جهود ذوي الإرادة الصالحة من رجال دين ونشامى ونشميات، حملوا الوطن في قلوبهم وكلماتهم التي سطّرت سفرًا من ذهب نُقش على أعمدة الزمن، لتولد هذه الأمسية شهادة حيّة بأن الأردن أرض مباركة، تنمو بالحب والتسامح، وتبني جسور الإخاء والمودة...
وها هي المملكة تمضي، برعاية ملكية سامية، بخطى واثقة نحو عام 2030، حيث تضيء ذكرى مرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح في مياه نهر الأردن المقدسة...
سيذكر التاريخ أنه في عام يزحف نحو 2030، وفي عصر تقاطرت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي لتنتج أبهى الصور وأبلغ الخطب، اجتمع الآلاف هنا، في مدرج من حجر نابض بعبق التاريخ، بقلوب منسوجة بالمحبة. اجتمعوا لا ليشاهدوا عرضًا، بل ليكونوا هم العرض؛ صورة حيّة نطقت بالوحدة، عجزت عن رسمها ريشة أمهر الفنانين، وعن تكوينها أشهر تطبيقات الذكاء، لأنها، ببساطة، رُسمت بريشة الأخوّة والفخر والنخوة والوئام، بمداد من نبضات قلوب طرقت أبواب العالم من هنا... من عمّان.