موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
نحن اليوم في بيت سمعان الفريسي. بيتٌ يبدو من الخارج كامل الترتيب: مائدة معدّة، طعام طيّب، صحبة حسنة، وربما موسيقى هادئة، وكلّ شيء موضوع في مكانه. لكن وسط هذا المشهد المرتّب، يدخل شيء لا يمكن ترتيبه بسهولة: إنسانة تحمل ماضيها معها، وتدخل إلى المكان وهي تحمل في قلبها دموعًا أكثر مما تحمل في يديها.
صحيح أنّ يسوع كان دائمًا في مواجهة مع العقلية الفريسية، لكنه لم يكن يحمل شيئًا ضد الفريسيين أنفسهم. بل إنّ بعض تلاميذه كانوا من الفريسيين والكتبة. ما كان يسوع يرفضه لم يكن الأشخاص، بل تلك النظرة التي تختزل الإنسان في خطيئته، وتحكم عليه قبل أن تترك لله فرصة أن يعمل فيه.
وفجأة تظهر المرأة: «وإِذا ٱمرَأَةٌ، وَهِي الَّتِي كانَتْ في المَدينَةِ خَاطِئَة، عَلِمَتْ أَنَّ يَسوعَ مُتَّكِئٌ في بَيْتِ الفَرِّيسيّ، فَجَاءَتْ تَحْمِلُ قَارُورَةَ طِيب. وَوَقَفَتْ بَاكِيةً وَراءَ يَسُوع، عِنْدَ قَدَمَيْه، وَبَدَأَتْ تَبُلُّ قَدَمَيهِ بِالدُّمُوع، وتُنَشِّفُهُمَا بِشَعْرِ رَأْسِهَا، وتُقبِّلُ قَدَمَيْه، وَتَدْهُنُهُمَا بِالطِّيب».
الجميع يعرف من تكون. وسمعان يعرف ذلك أيضًا. وربما كان يكفي أن تدخل إلى المكان حتى تتغيّر نظرات العيون، ويبدأ الحكم في صمت. لم ينطق إحدٌ بكلمة، لكن الصمت أحيانًا يكون أكثر قسوة من الكلام.
لماذا يسمح لها يسوع أن تقترب؟ لماذا لا يطردها؟ لماذا لا يوبّخها أمام الجميع؟ كيف يمكنه أن يقبل لمس امرأة بهذه السمعة؟
لكن يسوع يرى شيئًا آخر.
الآخرون يرون امرأة خاطئة؛ أمّا يسوع فيرى قلبًا يبحث عن الرحمة.
الآخرون يرون ماضيها؛ أمّا هو فيرى إمكانية مستقبلها.
الآخرون يرون ما فعلته؛ أمّا هو فيرى ما يمكن أن يصنعه الحب فيها.
ولهذا يقول لسمعان: «هَلْ تَرَى هذِهِ الْمَرْأَة؟» وكأن السؤال ليس عن المرأة وحدها، بل عن طريقة رؤيتنا للإنسان.
هل تراها فعلًا؟ أم ترى فقط الصورة التي كوّنتها عنها؟
هل ترى قلبها؟ أم ترى ماضيها؟
هل ترى مقدار الألم الذي تعانيه؟ هل ترى الجرح الذي فيها؟ أم ترى فقط السلوك الذي خرج من هذا الجرح؟
ثم يقول يسوع لسمعان: « أَنَا دَخَلْتُ بَيْتَكَ فَمَا سَكَبْتَ عَلى قَدَمَيَّ مَاء، أَمَّا هِيَ فَقَدْ بَلَّتْ قَدَمَيَّ بِالدُّمُوع، وَنشَّفَتْهُما بِشَعْرِها. أَنْتَ لَمْ تُقَبِّلْنِي، أَمَّا هِيَ فَمُنْذُ دَخَلْتُ لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَقْبِيلِ قَدَمَيَّ. أَنْتَ مَا دَهَنْتَ رَأْسِي بِزَيْت، أَمَّا هِيَ فَدَهَنَتْ بِالطِّيبِ قَدَمَيَّ. لِذلِكَ أَقُولُ لَكَ: خَطايَاهَا الكَثيرةُ مَغْفُورَةٌ لَهَا، لأَنَّها أَحَبَّتْ كَثيرًا. أَمَّا الَّذي يُغْفَرُ لَهُ قَليلٌ فَيُحِبُّ قَلِيلاً».
هنا ينكشف الفرق بين معرفة الله ومعرفة القواعد عن الله.
فالإنسان الذي يعرف الدين كفكرة قد يسأل أولًا: ما الذي فعلته هذه المرأة؟
أما القلب الذي ذاق رحمة الله فيسأل: ماذا يحدث الآن في قلبها؟
وهذا هو سرّ الإنجيل: ليس السؤال فقط هل أخطأت أم لم تخطئ، بل هل يمكن للإنسان، مهما كان سقوطه، أن يبدأ من جديد؟ هل يمكن للنعمة أن تدخل إلى المكان الذي فشلت فيه الحياة؟ هل يمكن أن يكون للإنسان اسم جديد بعد أن إلتصق به اسم قديم؟
يقول القديس إسحق السرياني : «لا تَدِنْ أحدًا، فإنك لا تعرف كيف يعمل الله في داخله» ما أعمق هذه الكلمة!
فنحن نرى لحظة من حياة الإنسان، بينما الله يرى القصة كاملة.
نحن نرى الجرح، بينما الله يرى أيضًا الشفاء الذي بدأ ينمو تحته.
نحن نرى السقوط، بينما الله يرى اليد التي ستمتد لتنهض.
كلنا نعلم أنّ الإنسان عندما يُختزل باستمرار في خطئه، يبدأ مع الوقت في تصديق الصورة التي يرسمها الآخرون عنه: أنا فاشل، أنا سيئ، أنا لا أستحق. وكأنّ حكم الآخرين يتحول تدريجيًا إلى صوت داخلي يسكن في الإنسان. لكن حين يلتقي الإنسان بشخص ينظر إليه دون اختزال، تبدأ إمكانية جديدة في الظهور: ربما لستُ ما فعلته. ربما ما زال فيّ شيء أجمل مما أراه في نفسي. وهذا بالضبط ما تفعله نظرة المسيح.
إنها لا تنكر الخطيئة، لكنها ترفض أن تكون هوية الإنسان.
لا تبرّر السقوط، لكنها تؤمن بأن السقوط ليس النهاية.
لا تمحو الماضي، لكنها تفتح بابًا للمستقبل.
لهذا فالرحمة ليست أن نقول للإنسان: «لا بأس بما فعلت»، بل أن نقول له : «أنت أكبر من الذي فعلته، والله لم ينتهِ منك بعد».
وهنا نفهم لماذا كان شعورنا بأننا أفضل من الآخرين خطرًا على حياتنا الروحية. لأن من يظن نفسه أفضل، لا يعود محتاجًا إلى الرحمة. ومن لا يشعر بحاجته إلى الرحمة، يصعب عليه أن يفهم قلب الإنجيل.
أما الذي اكتشف فقره، والذي عرف أنّه هو أيضًا محتاج إلى أن يغفر له الله، يصبح أكثر قدرة على النظر إلى الآخر بعين الرحمة.
ربما لذلك لم يقل يسوع لسمعان: «أنت خاطئ»، بل سأله: «هَلْ تَرَى هذِهِ الْمَرْأَة؟»
لأن المشكلة أحيانًا ليست في ما نراه، بل في العين التي نرى بها.
فالإنجيل يدعونا اليوم إلى أن نتعلم رؤية الإنسان كما يراه المسيح: لا من خلال ماضيه، ولا من خلال سقوطه، ولا من خلال كلام الناس عنه، بل من خلال السرّ الذي وضعه الله فيه.
فكل إنسان يحمل في داخله شيئًا لا يراه الآخرون بعد.
شيئًا ما زال الله ينقّيه.
شيئًا ما زال الله يلمسه.
شيئًا ما زال الله يقيمه.
ولعلّ القداسة تبدأ حين تتطهّر أعيننا من الأحكام، وحين نتعلم أن ننظر إلى الآخر كما ينظر الله إلينا: ليس كما كنا، بل كما يمكن أن نصير بنعمته.
فالرحمة هي عين الله في الإنسان.
ومن تعلّم أن يرى بهذه العين، لن يعود قادرًا على احتقار أحد، لأنّه سيكتشف أن الله، في صمت، ما زال يكتب في كل قلب قصة خلاص.