موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١٣ يوليو / تموز ٢٠٢٦

حين ينتصر الحب

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
حين ينتصر الحب

حين ينتصر الحب

 

خَرَجَ الفَرِّيسِيُّونَ فَتَشَاوَرُوا عَلَى يَسُوعَ لِيُهْلِكُوه. وعَلِمَ يَسُوعُ بِالأَمْرِ فَٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاك. وتَبِعَهُ كَثِيرُونَ فَشَفَاهُم جَمِيعًا، وحَذَّرَهُم مِنْ أَنْ يُشْهِرُوه، لِيَتِمَّ مَا قِيْلَ بِالنَّبِيِّ آشَعيا: «هُوَذَا فَتَايَ الَّذي ٱخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذي رَضِيَتْ بِهِ نَفْسِي. سَأَجْعَلُ رُوحي عَلَيْهِ فَيُبَشِّرُ الأُمَمَ بِالحَقّ. لَنْ يُمَاحِكَ ولَنْ يَصيح، ولَنْ يَسْمَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ في السَّاحَات. قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لَنْ يَكْسِر، وفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لَنْ يُطْفِئ، إِلى أَنْ يَصِلَ بِالحَقِّ إِلى النَّصْر. وبِٱسْمِهِ تَجْعَلُ الأُمَمُ رَجَاءَها» (متى 12، 14-21).

 

إن مقطوعة إنجيل هذا الأحد تروي لنا كيف «خَرَجَ الفَرِّيسِيُّونَ فَتَشَاوَرُوا عَلَى يَسُوعَ لِيُهْلِكُوه. وعَلِمَ يَسُوعُ بِالأَمْرِ فَٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاك».

 

إنها تجربة تتكرر في كل زمان ومكان. فما يزعج الإنسان ليس الشر دائمًا، بل أحيانًا الخير الذي يكشف شرَّه، أو الحقيقة التي تهزّ قناعاته، أو الشخص المختلف الذي يفضح انغلاقه. فالقلب المنغلق يخشى كل جديد، ويرى في الاختلاف تهديدًا، لا غنى. ولهذا، بدل أن يصغي، يختار الإقصاء؛ وبدل أن يتحاور، يقرر القضاء على الآخر.

 

وهكذا كان الأمر مع يسوع. لقد أقلق حضوره عالمًا اعتاد التدين الشكلي، فصار وجوده نفسه تهمة تستوجب الموت. وما أشبه الأمس باليوم! فما زال العالم، بعد ألفي عام، يرفض في كثير من الأحيان كل من يحمل نورًا يفضح الظلمة، أو كلمة حق توقظ الضمير.

 

لكن يسوع لا يواجه العنف بعنف، ولا الصراخ بالصراخ. فهو يحقق ما تنبأ به النبي أشعيا: «هُوَذَا فَتَايَ الَّذي ٱخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذي رَضِيَتْ بِهِ نَفْسِي. سَأَجْعَلُ رُوحي عَلَيْهِ فَيُبَشِّرُ الأُمَمَ بِالحَقّ».

 

إن عظمة المسيح ليست في فرض ذاته، بل في محبته. فهو لا يكسر المنكسر، ولا يطفئ من بقي فيه بصيص أمل، لأنه لم يأت ليدين الإنسان، بل ليحمله على كتفيه.

 

ومنذ سقوط آدم وحواء، دخلت البشرية في دوامة العنف، وكان أول مشهد لها هو يد قايين الملطخة بدم هابيل. لكن يسوع جاء ليضع حدًا لهذه السلسلة الدامية. لقد صار هو نفسه هابيل البريء، غير أنه لم يُسق إلى الموت قسرًا، بل قبله بحرية، حبًا بكل إنسان.

 

لقد جاء ليقيم عدالة من نوع آخر؛ لا عدالة تقوم على الانتقام، بل على الرحمة. حمل على منكبيه كل ظلم العالم، وسمح لكل شرّ البشرية أن يرتطم بقلبه. هناك، على الصليب، تكسرت أمواج الخطيئة، لا لأنها كانت أضعف منه، بل لأن محبته كانت أقوى منها.

 

ولذلك، حتى الذين تآمروا على قتله، لم يخرجوا من دائرة رحمته. فعندما ارتفع على الصليب، صلى من أجلهم قائلًا: «يا أبتِ، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون».

 

وما أعجب هذا السر! فنحن أيضًا نعيش كل يوم من هذا الغفران. نحن أيضًا نحمل في أعماقنا آثار جهلنا وضعفنا، وربما نعرف الإنجيل أكثر من غيرنا، ومع ذلك كثيرًا ما نعيش بعيدين عن روحه. ومع ذلك، لا يتوقف المسيح عن أن يغفر، ولا يتعب من أن يبدأ معنا من جديد.

 

غير أن الإنسان لا يستطيع أن يدرك عظمة هذا الحب بعقله وحده. فلا أحد يعرف المسيح حقًا إلا إذا فتح الروح القدس قلبه وعينيه، وجعله يختبره اختبارًا شخصيًا. فالإيمان ليس مجرد معرفة، بل لقاء يغيّر الحياة.

 

ولهذا يخبرنا الإنجيل أن: وتَبِعَهُ كَثِيرُونَ فَشَفَاهُم جَمِيعًا، وحَذَّرَهُم مِنْ أَنْ يُشْهِرُوه.

 

ويبدو أن هذا هو الأمر الوحيد الذي يصعب على القلب أن يطيعه! فمن ذاق رحمة المسيح، كيف يستطيع أن يصمت؟ ومن اختبر شفاءه، كيف يخفي النور الذي غمر حياته؟

 

ومع ذلك، فإن أفضل إعلان عن المسيح ليس كثرة الكلام، بل صدق الحياة. فالعالم لا يحتاج أولًا إلى من يتحدث عن يسوع، بل إلى من يجعل الناس يرون يسوع في ملامحه، وفي محبته، وفي غفرانه، وفي سلامه.

 

فالناس قد تناقش كلماتنا، لكنها لا تستطيع أن تنكر حياة غيّرها المسيح.