موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
دَعَا يَسُوعُ تَلامِيْذَهُ الاثْنَي عَشَر، فَأَعْطَاهُم سُلْطَانًا يَطْرُدُونَ بِهِ الأَرْوَاحَ النَّجِسَة، ويَشْفُونَ الشَّعْبَ مِنْ كُلِّ مَرَضٍ وكُلِّ عِلَّة. وهذِهِ أَسْمَاءُ الرُّسُلِ ٱلٱثْنَيْ عَشَر: أَلأَوَّلُ سِمْعَانُ الَّذي يُدْعَى بُطْرُس، وأَنْدرَاوُسُ أَخُوه، ويَعْقُوبُ بنُ زَبَدَى، ويُوحَنَّا أَخُوه، وفِيْلِبُّسُ وبَرْتُلْمَاوُس، وتُومَا ومَتَّى العَشَّار، ويَعْقُوبُ بنُ حَلْفَى وتَدَّاوُس، وسِمْعَانُ الغَيُورُ ويَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيُّ الَّذي أَسْلَمَ يَسُوع. هؤُلاءِ الٱثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُم يَسُوع، وقَدْ أَوْصَاهُم قَائِلاً: «لا تَسْلُكُوا طَرِيقًا إِلى الوَثَنِيِّين، ولا تَدْخُلُوا مَدِيْنَةً لِلسَّامِرِيِّين، بَلِ ٱذْهَبُوا بِالحَرِيِّ إِلى الخِرَافِ الضَّالَّةِ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيل. وفِيمَا أَنْتُم ذَاهِبُون، نَادُوا قَائِلين: لَقَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَات (متى 10، 1-7).
قبل أن يمنح يسوع تلاميذه القدرة العظيمة على تحرير الناس من الشرّ وشفاء المرضى، دعاهم أولًا إلى أن يكونوا معه. ففي العلاقة معه يكمن سرّ دعوتهم وأساس رسالتهم. يقول الإنجيل: «ودَعا تَلاميذَه الاثَني عَشَر، فأَولاهُم سُلطانًا يَطرُدُونَ بِه الأَرواحَ النَّجِسَة، ويَشْفونَ النَّاسَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وعِلَّة».
هذه هي القاعدة التي لا تتغيّر في الحياة المسيحية: قبل الرسالة هناك الرفقة، وقبل الخدمة هناك الشركة، وقبل العمل هناك الجلوس عند قدمي المعلّم. فالمسيح لم يرسل التلاميذ مباشرة إلى الحقول والطرق، بل جمعهم أولًا حول شخصه، لأن القوة التي سيحملونها إلى العالم ليست قوة مستمدة من ذواتهم، بل ثمرة بقائهم معه. لذلك يذكر الإنجيلي مرقس أن يسوع «أقام اثني عشر ليكونوا معه، وليرسلهم للكرازة» (مر 3، 14). فـ «ليكونوا معه» تسبق دائمًا «ليرسلهم».
إن العشرة مع الرب ليست مرحلة تسبق الرسالة ثم تنتهي، بل هي قلب الرسالة وروحها. فالخادم الذي لا يمكث طويلًا في حضرة الله يتحول تدريجيًا إلى موظف ديني، أما الذي يسكن في قلب المسيح، فإن خدمته تصبح امتدادًا لحياة الرب فيه. وكما يقول القديس أغسطينوس: «ارجع إلى قلبك، ففي الداخل يسكن الحق». فكل تجدد حقيقي في الرسالة يبدأ من العودة إلى تلك المساحة الداخلية حيث ينتظرنا الرب ويكلّمنا.
لقد فهم الآباء الروحيون أن أعظم عطية يمنحها الله للإنسان ليست المواهب ولا السلطات ولا النجاحات الرسولية، بل حضوره هو. فالقديس فرنسيس السالسي يرى: «أن الحياة الروحية مسيرة نموّ لا تتوقف ما دام الإنسان حيًّا. ويشبّهها بحياة التمساح الذي يستمر في النمو طوال عمره، فيزداد طوله حتى آخر مراحل حياته». ولذلك يستطيع علماء الأحياء، إلى حدٍّ ما، تقدير عمر التمساح من خلال حجمه وطوله. وهكذا أيضًا المؤمن الحقيقي لا يتوقف عن النمو في المحبة والقداسة، بل يواصل تقدّمه نحو الله حتى آخر نَفَس من حياته. نحو الله،
ومن هنا نفهم أن السلطان الذي أعطاه يسوع لتلاميذه لم يكن مجرد قدرة على صنع المعجزات، بل ثمرة اتحادهم به. فالإنسان لا يستطيع أن يحرر الآخرين من عبودية الشر إذا لم يسمح أولًا للمسيح أن يحرره هو. ولا يستطيع أن يواسي القلوب إن لم يختبر شخصيًا تعزية الله. ولا يمكنه أن يقود أحدًا إلى الرب إذا لم يكن هو نفسه سائرًا معه يومًا بعد يوم.
وفي العمق، ليست الحياة الروحية سوى تعلّم فنّ البقاء مع الرب. أن نجلس معه دون استعجال، أن نصغي إلى صوته وسط ضجيج الأيام، أن نحمل إليه أفراحنا وجراحنا وأسئلتنا، وأن نسمح له بأن ينظر إلينا كما نظر إلى تلاميذه يوم دعاهم. ففي الصلاة الحقيقية لا نبحث أولًا عما يمكن أن يعطينا الله، بل نتعلم أن نفرح بوجوده ذاته. هنا تبدأ الصوفية المسيحية الأصيلة: لا في البحث عن اختبارات استثنائية، بل في التعلق بشخص المسيح، وفي النمو التدريجي في المحبة والشركة معه.
وعندما يمكث الإنسان طويلًا في حضرة الرب، تتبدل نظرته إلى ذاته وإلى الآخرين. يصبح أقل انشغالًا بإثبات نفسه وأكثر رغبة في خدمة غيره. ويكتشف أن السلطة في الإنجيل ليست تسلطًا بل محبة، وليست امتلاكًا للآخرين بل بذلًا للذات من أجلهم. فكل مسؤولية يمنحها الله للإنسان هي في جوهرها إمكانية جديدة لصنع الخير.
كما يذكّرنا إنجيل اليوم بأن الإيمان ليس مجرد الانتماء إلى فكرة أو مؤسسة أو تقليد موروث، بل هو خبرة شخصية مع الرب الذي يدعو كل إنسان باسمه. لذلك يبقى السؤال حاضرًا أمام كل واحد منا: هل أنا مسيحي لأنني تربيت في بيئة مسيحية؟ أم لأنني سمعت يومًا صوت المسيح يخاطبني شخصيًا فاستجبت لدعوته؟
وأخيرًا، يلفت انتباهنا هذا المقطع الإنجيلي إلى توصية تبدو غريبة للوهلة الأولى، حين يطلب يسوع من تلاميذه ألا يبدأوا بالبعيدين، بل بمن هم قريبون منهم: «لا تَسلُكوا طَريقًا إِلى ٱلوثَنِيّين وَلا تَدخُلوا مَدينَةً لِلسّامِرِيّين. ٱذهَبوا إِلى ٱلخِرافِ ٱلضّالَّةِ مِن آلِ إِسرائيل. وَأَعلِنوا في ٱلطَّريقِ قَدِ ٱقتَرَبَ مَلَكوتُ ٱلسَّمَوات».
فالواقع أنّ «البعيدين» يصبحون أحيانًا الذريعة التي نهرب بها من ممارسة الرحمة مع القريبين منّا. فمن الأسهل أن نحلم بتغيير العالم أو أن نتخيّل أنفسنا مرسلين إلى أقاصي الأرض، من أن نعبر المسافة القصيرة التي تفصلنا عن الأشخاص الذين يعيشون معنا كلّ يوم. إنّ الإنجيل يبدأ غالبًا من تلك الخطوة البسيطة نحو من يجلس بقربنا، ومن تلك الرحمة الملموسة التي نمنحها لمن نلتقيهم في تفاصيل حياتنا اليومية. فقبل أن نعبر المحيطات، يدعونا المسيح إلى عبور الأمتار القليلة التي تفصل قلوبنا عن قلوب إخوتنا.
فالذي يمكث مع المسيح يتعلم أن يرى العالم بعينيه. وحينئذٍ لا يعود يبحث عن أمجاد الرسالة، بل عن أمانة المحبة. ولا يعود همه أن يفعل أشياء عظيمة لله، بل أن يبقى مع الله، لأن من يبقى معه يصبح حضوره نفسه رسالة، وحياته نفسها بشارة، وقلبه موضعًا يلتقي فيه الآخرون بالله.