موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٢ يونيو / حزيران ٢٠٢٦

اذهبوا… فأنا معكم

بقلم :
الأب داني قريو السالسي - لبنان
(متى 20، 16-20)

(متى 20، 16-20)

 

في هذا الأحد الثاني بعد العنصرة، يضعنا الإنجيل أمام لقاء التلاميذ بالمسيح القائم من بين الأموات، وأمام الرسالة التي سلّمهم إيّاها قبل صعوده. يلتقون به على جبلٍ في الجليل، هناك حيث بدأت الحكاية الأولى، وحيث دعاهم يومًا ليتبعوه. وكأنّ الرب يعيدهم إلى البدايات، لأنّ الإنسان يحتاج دائمًا أن يعود إلى ينابيع النعمة الأولى، إلى الحب الأول، إلى اللحظات التي لمس فيها حضور الله بوضوح، إلى تلك “العلامات” الصغيرة التي تركها المسيح في طريق حياته. إنّها أشبه بندى خفيف ينعش القلب حين تجفّ الروح، ويعيد للحياة خضرتها وسط تعب الأيام وثقل التجارب.

 

يقف التلاميذ أمام يسوع القائم، يرونه بأعينهم، ومع ذلك يخبرنا الإنجيل بأنّ بعضهم شكّوا «فلَمَّا رَأَوهُ سَجَدوا له، ولٰكِنَّ بَعضَهُمُ ٱرْتابوا». يا لروعة هذا التفصيل الذي لم يخفه الإنجيلي! فهو لا يقدّم لنا تلاميذ مثاليين بلا ضعف، بل أناسًا يشبهوننا: يؤمنون ويخافون، يحبّون ويتردّدون، يقتربون من الله لكنهم يحملون في داخلهم أسئلة كثيرة. والإيمان الحقيقي ليس غياب الشكوك، بل السير نحو الله رغمها. فالإيمان ليس فكرة جامدة أو نظرية واضحة بالكامل، بل هو مسيرة ثقة وتسليم، فيها يبحث العقل، لكن القلب في النهاية يقفز نحو الله.

 

والأجمل أنّ يسوع لا يوبّخهم بسبب شكوكهم، بل يقترب منهم أكثر، ويسلّمهم رسالة عظيمة. هكذا يفعل الله معنا دائمًا: لا يخاف من ضعفنا، ولا يتفاجأ بجراحنا وتردّدنا، بل يثق بنا أكثر مما نثق نحن بأنفسنا. المهم ألّا نحول شكوكنا إلى ذريعة للتوقّف، بل إلى بابٍ أعمق للبحث والنمو والنضوج الروحي.

 

ثم يسلّمهم يسوع رسالتهم: «فٱذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِٱسْمِ الآبِ والٱبْنِ والرُّوحِ القُدُس، وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به» أن يذهبوا ويبشّروا، ويعمّدوا، ويعلّموا الناس أن يسيروا في طريق الإنجيل. لكن التبشير الحقيقي لا يبدأ بالكلام، بل بالحياة. فالمسيحي مدعو قبل كل شيء أن يجعل محبة الله مرئية في هذا العالم، عبر طريقته في العيش، والغفران، والخدمة، والرحمة.

 

ويأتي الحديث عن المعمودية كأحد أعظم الأسرار التي نالها الإنسان. فحين يقول يسوع: «وعَمِّدوهم بِٱسْمِ الآبِ والٱبْنِ والرُّوحِ القُدُس»، فهو لا يتحدّث عن طقس خارجي فقط، بل عن دخول الإنسان في حياة الله نفسها. المعمودية هي غمرٌ  في محبة الثالوث، في ذلك النبع الإلهي الدائم الذي يفيض حبًا وحياة. إنّها ليست مجرّد ذكرى من الماضي، بل ولادة مستمرة، وسكنى إلهية في داخل الإنسان.

 

لو أدركنا حقًا عظمة معموديتنا، لتغيّرت نظرتنا إلى أنفسنا بالكامل. نحن لسنا مجرد بشر يحاولون النجاة وسط هذا العالم، بل أشخاص يسكن الله في أعماقهم. الروح القدس حيّ في القلب، وكل معمّد هو هيكل لله. والقديسون لم يكونوا أناسًا مختلفين عنّا، بل أناسًا اكتشفوا سرّ معموديتهم وسمحوا للنعمة أن تعمل فيهم. لقد “فعّلوا” هذه العطية، فعاشوا متحدين بالله، وصاروا شهودًا حقيقيين للمحبة، كلٌّ بحسب دعوته وفرادته.

 

من هنا تبدأ الحياة الروحية الحقيقية: عندما نتذكّر يوم معموديتنا كما نتذكّر يوم ميلادنا، وأن نقف أحيانًا بصمت أمام هذا السرّ قائلين في أعماقنا:

الروح القدس يسكن فيَّ

أنا هيكل لله

الله ليس بعيدًا عني، بل حيّ في داخلي.

 

وحين يترسّخ هذا الوعي في القلب، تبدأ نظرتنا إلى الله، وإلى أنفسنا وإلى الآخرين بالتغيّر. نصير أكثر قدرة على رؤية حضور الثالوث القدوس في حياتنا، وفي وجوه الناس، وفي تفاصيل الأيام العادية. عندها لا يعود الإيمان مجرد واجب ديني، بل خبرة سكنى، وعلاقة حيّة، وحضورًا يرافقنا في كل شيء.

 

ورغم عظمة الرسالة، ورغم شعورنا المتكرر بعدم الاستحقاق والضعف، يبقى وعد يسوع هو مصدر تعزيتنا الكبرى: «ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر» (متّى 28: 20).

 

إنّه وعد لا يزيل الصعوبات، لكنه يبدّد الوحدة. فالمسيح لا يرسلنا وحدنا، بل يسير معنا دائمًا. حضوره يرافق الكنيسة، والروح القدس يعمل في الخفاء، يقوّي القلوب المتعبة، ويحوّل هشاشتنا البشرية إلى مكان تستطيع النعمة أن تتجلّى فيه.

 

صلاة للقديس اغسطينوس

 

«إني أدعوكِ أيتها الثالوث القدوس، لكي تأتي وتسكن فيَّ، فتمنحني الحياة، وتجعل من قلبي الفقير هيكلًا يليق

بمجدك وقداستك.

أيها الآب الأزلي، أتوسل إليك بابنك الحبيب؛

وأنتَ يا يسوع، أضرع إليك من أجل أبيك؛

وأنتَ أيها الروح القدس، أبتهل إليك باسم المحبة التي تجمع الآب والابن: زد فيَّ الإيمان، والرجاء، والمحبة».