موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
مقدمّة
أواصل تقديمَ حُزمة مختارة من رسائل البابا لاوُن الرابع عشر التي نادى بها –بجراءةٍ ومحبّةٍ للحقيقة– في الأراضي الإسبانيّة؛ وربّما تكون صالحةً بدورها للكثيرين في أنحاء العالَم بأسره. وأعرض هذه الرسائلَ الحَبريّة متّبِعًا الترتيب الزمنيّ لمحطات هذه الزيارة الرسوليّة. وهذه هي الحلقة الثانية والأخيرة.
9. القلقُ الوجوديّ الصحّيّ وإعادة اكتشاف الإيمان المسيحيّ، وقضيّةُ "الألم"، و"ديناميكيّةُ المغفرة والمصالحة مع الله ومع الآخرين"، وليالي حياتنا والكنيسة والمجتمع
في "عشيّة الصلاة"، في المدرّج الأولمبيّ "لويس كومبانيس" (Lluís Companys) ببرشلونة (9 يونيو/حزيران 2026)، أقام البابا لاوُن الرابع عشر حوارًا حياتيًّا وفلسفيًّا وثيولوجيًّا وروحيًّا مع الجموع الغفيرة الحاضرة، ولا سيّما مع الذين قدّموا شهاداتهم وخبراتهم المتنوّعة. ويُعَدُّ مضمونُ هذا الحوار مهمًّا للغاية. وقد يحتلّ –على الأقلّ في وجهة نظري– الترتيبَ الثاني بعد كلمته أمام "أعضاء البرلمان الإسبانيّ في مجلس النوّاب" (8 يونيو/حزيران 2026)، من حيث مغزاه وثَرائه. فإن كانت كلمةُ قداسة البابا في مجلس النوّاب، قد تمحورت حول "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ" بشكلٍ خاصّ؛ فإنّ حواره، مع عظته أيضًا، أثناء "عشيّة الصلاة" هذه، قد تَعلّق بفلسفة الإيمان المسيحيّ وعِلْم لاهوته وروحانيّته. ولذا، فيُنصحى بقراءته بأكمله، مرارًا وتكرارًا.
في ردّه على السؤال الأوّل، الذي طَرَحه أحدُ الشباب ممَّن قَبِلوا سرَّ المعموديّة حديثًا ("كيف يمكننا أن نُبقي نظرنا موجّهًا نحو ما يهمّ حقًّا، بينما يدفعنا المجتمع إلى أن ننظر باستمرار إلى أسفل أو إلى أنفسنا فقط؟ كيف يمكننا أن نكتشف دعوتنا الحقيقيّة وسط هذا التّيّار؟")، أوضح قداسة البابا ما يلي:
«هناك العديد من الشّباب والبالغين الذين يكتشفون الإيمان المسيحيّ من جديد، ربّما بعد فترة من حياتهم كانوا فيها قد ابتعدوا قليلًا عن الله. إنّها خطوة مهمّة حقًّا. في الواقع، كلّ ما نكتشفه ونتقبّله ونعيشه تدريجيًّا في كلّ مسيرتنا، يساهم بالتّأكيد في نموّنا ونضجنا وتوسيع آفاق الحياة في داخلنا، وفي الوقت نفسه، بين فرحنا ونجاحاتنا وهزائمنا، ندرك أنّنا بحاجة إلى ماء آخر لنروي عطشنا بشكل أعمق. رغبتنا في الحقيقة والسّعادة تحتاج إلى أُفق أوسع. وهذا القلق هو عطيّة منحنا إيّاها الله نفسه: خلقنا الله على قياس اللانهاية، ولذلك فإنّ كلّ أفق محدود، وكلّ خطوة، وكلّ إنجاز، رغم أنّه يُرضينا، فإنّه في الوقت نفسه يدفعنا إلى الأمام ويدعونا إلى أن نواصل البحث، وأن نتقدّم في بحثنا، وقبل كلّ شيء، أن نبحث "وننزل إلى داخلنا"، أي أن ننظر في أعماقنا.
وهنا أعود إلى السّؤال مع فكرتين قصيرَتين. الفكرة الأولى: من الضّروريّ أن ننمّي هذا القلق الصّحّيّ. ففي مجتمعاتنا، عبادة الرّبح والإنتاجيّة، والهوس الدّائم بضرورة الإنتاج والفوز، وكذلك عبادة الصّورة الشّخصيّة، وكلّها ليست إلا مخدّرات تخدّر ضميرنا وتجعله يتكيّف مع فكرة معيّنة عن المجتمع. عندما يتعلّم النّاس أن يتوقّفوا، ويعطوا قيمة للأمور المهمّة، ويقدّروا الوقت بطريقة جديدة، ويفكّروا في حياتهم مستنيرين بالإنجيل، فإنّهم يطوّرون أيضًا تفكيرًا نقديًّا تجاه نظام اجتماعيّ لا يضع الإنسان في المقام الأوّل، ويؤدّي إلى أوضاع من الظّلم والفقر الوجودي على مستويات مختلفة. لهذا السّبب فإنّ القلق مخيف، وكذلك اكتشاف الحياة الدّاخليّة، والرّوحانيّة، وأكثر من ذلك الإنجيل. الفكرة الثّانية هي: يجب أن ننمّي هذا القلق في هذا العالم، وليس في عالم آخر. داخل هذا المجتمع اكتشفتَ أنتَ وآخرون كثيرون قيمة حياة أكثر إنسانيّة، فيها امتلاء أكثر، ومنفتحة على اللقاء مع الله وعلى فرح الإيمان. هذا يعني أنّه، على الرّغم من الصّعوبات، فإنّ المكان الذي يحضر فيه الله والذي يجب علينا أن نجد آثاره فيه هو دائمًا الواقع الذي نعيش فيه. نؤمن بأنّ الرّوح القدس يعمل بصمت في جميع ظروف الحياة والتّاريخ، حتّى في التي تبدو أصعب الأمور. يجب أن ننمّي هذا القلق ونفسح له المجال، كما قُلت، "ونبحث في داخلنا"، ونحاول ألّا تطغى علينا إيقاعات الحياة والإغراءات الخارجيّة، ونخصّص لحظات للصمت، وربّما نتوقّف لبضع دقائق في اليوم لنقرأ الإنجيل ونتكلّم إلى الله، ونحاول أيضًا أن نسير بهذه المسيرة الدّاخليّة مع الآخرين، فنسمح لأنفسنا بأن نُرافَق في المسيرات الكنسيّة المختلفة، ونتحاور مع الكهنة والرّهبان والأشخاص الذين سلكوا هذه المسيرة مثلنا» [1].
وفي ردّه على السؤال الثاني، الذي طَرَحته إحدى الفتيات التي كافحت ضدّ الاكتئاب والانتحار ("أين يمكننا أن نرى الله عندما تكون الظّلمة دامسة ولا نستطيع أن نتحمّل ثقل الحياة؟ كيف يمكننا أن نثق بالله، عندما يبدو أنّ لا شيء يستحقّ العناء، ولا حتّى أنفسنا؟")، تحدّث قداسة البابا عن قضيّةِ "الألم" وخبراته المتنوّعة المريرة، رابطًا إياه بـ"ساعات الظلام والقلق والألم التي عاشها يسوع المسيح"، التي من خلالها قد تضامَن مع البشر أجمعين. وقد أكّد قداسته ما يلي:
«بينما كنت أستمع إليك، فكّرت في ساعات الظّلام والقلق والألم التي عاشها يسوع المسيح عندما اقتربت ساعة موته. جاء في الأناجيل، في لَحظتَي العشاء الأخير والصّلاة في الجَتسَمانِيَّة، أنْ قد اقترب المساء، وحلّ الليل، كما روت أيضًا أنّه، قبل موته على الصّليب بقليل، "خَيَّمَ الظَّلامُ على الأَرضِ كُلِّها" (متّى 27، 45؛ لوقا 23، 44). في الواقع، لا يقتصر الأمر على ألم شخصيّ فحسب، فابن الله كان يحمل في جسده كلّ قلق البشريّة ووِحدتها وألمها. في تلك السّاعة المظلمة، وبينما كان يسوع يموت على الصّليب، شاركنا ألمنا وكشف لنا عن وجه الله الرّؤوف، الذي يحمل ثقل أوجاعنا، ويتألّم معنا، ويبكي بدموعنا، ويبقى إلى جانبنا بحضوره المليء بالمحبّة والرّحمة.
أن نعيش هذه الخبرة أمر صعب، كما تشهد بذلك الكتب المقدّسة مرارًا وتكرارًا، فهناك لحظات من الظّلام والألم التي تسكت عنها مجتمعاتنا، لأنّ بعض النّماذج الثّقافيّة تريدنا أن نكون دائمًا منتصرين وكاملين، ولهذا السّبب، يجب القضاء على الحدود فينا والضّعف والألم، وحصرهما في صمت صاخب في الوِحدة أو حتّى الخجل. وفي هذه اللحظات، يمكننا أن نفكّر تلقائيًّا أنّ الله أيضًا تخلّى عنّا. لكن صليب يسوع يقول لنا إنّ الله لا يتخلّى عنّا، وإنّ يسوع يبقى مصلوبًا معنا في لحظة الألم والوِحدة الشّديدة، وإنّه لا يكفكف دموعنا فقط، بل يسمع صرخة ألمنا التي لا يسمعها الآخرون، أمّا هو فقد ضمَّها إلى صرخته على الصّليب، لمَّا قال: "إِلهي، إِلهي، لِماذا تَرَكْتَني؟" (متّى 27، 46) [...]
في ساعات الألم، على الأقل بقدر الإمكان، يجب علينا أن نفتح قلبنا لشخص ما يساعدنا لنقول صلاة بسيطة، ويرافقنا بتحفّظ، ومن غير تسرّع ليفسّر لنا ألمنا، بل يأخذ بيدنا ويخرجنا من ذلك الصّراخ. هذه الخبرات تحمل رسالة لنا نحن المؤمنين أيضًا، وللكنيسة كلّها: يجب علينا ألّا نُعطي الألم صبغة روحانيّة، ونربطه بشكل سطحيّ بـ"إرادة الله" أو بأحد مخطّطاته الغامضة، لأنّ هذا يقلّل من شأن الألم، ويُسكته، ويجرح النّاس. لا يريد الله الألم، بل يحمله معنا ويدعونا إلى أن نثق به بثبات. لنتذكّر ما قاله البابا فرنسيس: مع الله، الحياة تولد من جديد دائمًا» [2].
وأخيرًا، في ردّه على السؤال الثالث، الذي طَرَحته إحدى الفتيات المنتمية إلى إحدى العائلات الفقيرة، وقد حاول أباها أن يقتل أُمَّها، عندما كانت طفلة ("كيف يمكنني أن أغفر لأبي، الذي كان على وشك أن يتركني بلا أمّ؟ كيف يمكنني أن أتصالح حقًّا مع الله؟")، تناوَل قداسة البابا مسألةَ "ديناميكيّة المغفرة والمصالحة مع الله ومع الآخرين" من وجهةِ نظرٍ مسيحيّة، من حيث كونها علاجًا ودعوة ومسيرة؛ فقال:
«يجب أن نتعلّم أن نعتبر المغفرة علاجًا قويًّا ضدّ الشّرّ ويشفي جراحنا الدّاخليّة، وهو جزء من عمليّة، ومن مسيرة. الإنجيل نفسه، إن قرأناه ككتاب من الإرشادات والوصايا والواجبات، يوشك أن يسبّب لنا اليأس والإحباط الكبيرَين، لأنّنا بينما يدعونا يسوع إلى المغفرة، ندرك أنّنا غير قادرين على ذلك. لكن الأمر ليس كذلك. يجب قبل كلّ شيء أن نطلب المغفرة من الرّبّ يسوع، وأن نستمرّ في الطّلب – ربما كلّ حياتنا – لكي يوسّع الرّبّ يسوع فينا مساحة الحبّ في المكان الذي جُرِحنا فيه، وأن يساعدنا لنتصالح مع أنفسنا ومع ذلك الجزء من تاريخنا الذي اتسم بالآلام، وأن يحول ببطء الحقد إلى رحمة وشفقة. إنّها مسيرة طويلة، وهي عمليّة تتطلّب الكثير من الصّبر، وهي عمل في أنفسنا يجب أن نقوم به، سواء شخصيًّا أو بمسارات أخرى من المرافقة الرّوحيّة والمصالحة الدّاخليّة. ومن الضّروريّ ألّا نفقد الأمل: ففي المغفرة نتقدّم بخطوات صغيرة.
المصالحة مع التّاريخ هي عمليّة تدريجيّة، وقبل كلّ شيء، يجب ألّا نفكّر في أنّ المغفرة تعني دائمًا وفي كلّ الأحوال العودة إلى الوضع السّابق أو العيش في علاقة كاملة مع من جرحنا، خاصّة عندما يكون ما حدث مصحوبًا بالعنف. يمكننا أن نحافظ على نيّة طيّبة تجاه الشّخص، ونرفض أيّ شكل من أشكال الكراهية أو الانتقام، ونسعى جاهدين لإصلاح العلاقة قدر الإمكان، وربّما نصلّي من أجله أو من أجلها: سيساعدنا هذا لندخل أكثر فأكثر في ديناميكيّة المغفرة والمصالحة مع الله ومع الآخرين. فنحن خطأة نلنا المغفرة، وقد نلنا السّلام وأصبحنا قادرين على أن نغفر، وقادرين على أن نكون حاملي سلام» [3].
من جهةٍ أخرى، قد دارتْ عظةُ البابا لاوُن الرابع عشر، في "عشيّة الصلاة" عينها، حول نموذجيّة "نيقوديمُس" (يو 3) بالنسبة لنا كمؤمنين، وللكنيسة والمجتمع، من حيث مسيرة الحَجّ وليالي الإيمان ومشقّته. فـ«نحن أيضًا مثل نيقوديمُس، حجّاجٌ في الليل. هذه الأيقونة الإنجيليّة تقدِّم لنا أوّلًا رسالةً عن مسيرة الحياة. مسيرتنا، ورغباتنا، وكلّ ما نقبله ونعيشه يوميًّا، في الفرح والفشل، وفي الطّموحات والمشاريع، هو تعبيرٌ عن بحثنا الدّائم: نحن متسوّلون للمحبّة، وجائعون وعطاش إلى الحقيقة، نبحث عن معنى كامل يسندنا ويشجّعنا ويساعدنا لنفهم سرّ حياتنا [...]
فإنّنا نختبر أحيانًا ليل الإيمان، ومشقّة الإيمان، وإرهاق الرّوح، والشّعور بعدم الكفاءة أمام دعوة الإنجيل، ومرارة فشلنا، والخوف من ألّا نكون على مستوى الدّعوة.
أيّها الإخوة والأخوات، نيقوديمُس يعلّمنا أنّ هذه الليالي، التي ترافق حياتنا ومسيرة إيماننا والتّاريخ الذي نعيشه، هي موضع بركة، ومكان للولادة الجديدة، ورحمٌ يلد دائمًا حياةً جديدة. فهذه الليالي تجرّدنا وتعيدنا إلى ما هو جوهريّ وأساسيّ، وتنزع عنّا الأقنعة البشريّة والدّينيّة التي نرتديها في النّهار، لكي لا يعرفنا النّاس أو لكي نقدِّم صورةً عن أنفسنا تختلف عمّا نحن عليه، وتتركنا عراةً في أنوارنا وظلالنا، فتردّنا إلى التّواضع لننظر إلى أنفسنا على حقيقتها، بعيدًا عن غرور الاعتقاد بأنّ مسيرتنا قد اكتملت، وأنّنا نسير وكأنّ لنا نورًا واضحًا على كلّ شيء، وعلى الجميع، وحتّى على الله [...]
لهذا نحن أيضًا مدعوّون ألّا ندين "الليالي"، لا ليالي حياتنا، ولا ليالي الكنيسة، ولا ليالي المجتمع الذي يحيط بنا. بل يجب، في الليل، أن نبدأ طريقنا ونسير كما عمل نيقوديمُس، ونواصل مخاطبة الرّبّ يسوع، ونفتح أنفسنا على ريح الرّوح القدس، لكي نقبل الليل بعد الآن لا كعلامة فشل، بل كبداية حياة جديدة» [4].
10. محبّةُ الله وحُلمُه لنا جميعًا، والعذراء مريم، وكرامةُ كلِّ إنسان
في تحيّته أثناء زيارته مركز بريانس 1 (Brians 1) الإصلاحيّ (السّجن) ببرشلونة (10 يونيو/حزيران 2026)، أكّد البابا لاوُن الرابع عشر لكلِّ إنسانٍ مهما كان وضعه وظروفه، ما يلي:
«كلّ إنسان له كرامته لمجرّد أن "الله أراده وخلقه وأحبّه" (رسالة بابويّة عامّة، الإنسانيّة الرّائعة، 52). لذلك، لا توجد أيّ حالة تدفع الله إلى أن يُبعد نظره عنّا. إنّها حقيقة معزّية ترافقنا في كلّ حين، وتذكّرنا بأنّ محبّته الرّحيمة تبقى دائمًا أسمى من كلّ ما قد نكون صنعناه من خير أو شرّ [...]
إنّ الله يحبّك كما أنت، ويحلم لك بما هو أفضل! فالله يسمح لنا جميعًا بأن نبدأ دائمًا من جديد، لأنّ أن تكون إنسانًا وأن تكون مسيحيًّا لا يعني ألّا تخطئ أبدًا، بل أن ننمو في القدرة على التّوبة والارتداد، وعلى إصلاح الذّات، وفوق كلّ شيء على المصالحة والمغفرة» [5].
في كلمته أثناء "صلاة السُّبحة الورديّة"، في دير سيِّدتنا مريم العذراء سيِّدة مونتسرّات (Montserrat) ببرشلونة (10 يونيو/حزيران 2026)، تحدّث البابا لاوُن الرابع عشر عن أُمومة العذراء مريم ودورها الذي تؤدّيه في حياتنا الروحيّة المسيحيّة، وكذلك عن ابنها وقوّة محبّته "المجرَّدة من السّلاح والتي تجرِّد من السّلاح". فقال قداسة البابا في هذا الصدد:
«بهذا الموقف البنويّ نفسه، أدعوكم اليوم إلى أن تقبلوا دعوة مريم العذراء: "مَهما قالَ لَكم فافعَلوه" (يوحنّا 2، 5). هذا الكلام الذي قيل في قانا الجليل يتضمّن برنامجًا حقيقيًّا للحياة المسيحيّة، لأنّ مريم تقودنا إلى المسيح وتعلّمنا أن نصغي إلى صوته، وأن نطيع كلمته، وأن ندعه يغيّرنا. مشيئة يسوع واضحة: "ما أُوصيكُم بِه هو: أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضًا" (يوحنّا 15، 17). إنّها محبّة تجد مقياسها ومنبعها فيه هو نفسه: "كما أَحبَبتُكم" (الآية 12). لذلك، عندما تقول لنا مريم: "مَهما قالَ لَكم فافعَلوه"، فإنّها تدعونا إلى أن نبلغ قلبًا متصالحًا مع معايير الإنجيل.
يسوع يبيّن لنا طريق الرّحمة والمصالحة والحقّ والوداعة. وفي الوقت نفسه يكشف العنف الذي قد يختبئ في كلامنا وأعمالنا: النّقد الذي يُذلّ، والإدانة التي تُدمّر، والعدوانيّة التي تقسّم. هذا العنف المتخفّي يمكنه أن يستتر مرارًا وراء دروع في الظّاهر نحاول بها حماية جراحنا أو مخاوفنا أو الآلام التي سبّبتها لنا المظالم.
لنتأمّل في سيّدتنا مريم العذراء سيِّدة مونتسرّات والتي تُبيّن لنا يسوع طفلًا ضعيفًا يستريح في حضنها. إنّها هنا، إلى جانب ابنها، تدعونا إلى أن يحبّ بعضنا بعضًا. لنضع اليوم عند قدميها الدّروع التي قسّت قلوبنا شيئًا فشيئًا.
الطّفل يسوع الذي تحمله مريم بين ذراعيها لا يرتدي درعًا، وسيكون هو نفسه فيما بعد، عاريًا على الصّليب، وسيسلّم نفسه تسليمًا كاملًا إلى الآب، ليخلّصنا بقوّة المحبّة المجرَّدة من السّلاح والتي تجرِّد من السّلاح» [6].
في اليوم عينه، التقى البابا لاوُن الرابع عشر مع "الهيئات الخيريّة وجمعيّات الإغاثة في الأبرشيّة"، في كنيسة القدّيس أغسطينس ببرشلونة (10 يونيو/حزيران 2026). وأثناء هذا اللقاء، أجاب قداسة البابا على بعضٍ من أسئلة الطفل رينزو (Renzo). وقد أكّد قداسته مجدّدًا على محبّة الله لنا جميعًا، وعلى محبّتنا لله تعالى ولإخوتنا، وعلى كرامةِ كلِّ إنسان أيضًا. فصَرّح قداسته في هذا الصدد:
«إنّنا مدعوّون إلى محبّة الله وإلى محبّة إخوتنا، من أجل محبّته، ونحن مُرسلون أيضًا إلى لقاء الجميع. فالمسيحيّ، إلى جانب كونه لطيفًا وودودًا، يجب أن يكون رؤوفًا، وأن يحبّ دون مصلحة، ويسعى إلى خير الآخرين، وهو يعلم أنّ في كلّ أخٍ وأختٍ متألّم، الرّبّ يسوع نفسه هو الذي يطلب ويتقبّل، ويُقبَل أو يُرفَض، ويُحبّ أو يُحتقر [...]
أودّ أن أؤكّد أنّنا، كمسيحيّين، مدعوّون إلى أن نجعل محبّة الله حاضرة لكلّ رجل وكلّ امرأة في نسيج التّاريخ. يروي لنا سفر التّكوين أنّ الله "خَلَقَ آدمَ على صُورَتِه، على صُورَتِهِ خَلَقَه، ذَكَرًا وأُنْثى خَلَقَهم" (تكوين 1، 27).
هنا تكمن كرامة كلّ إنسان غير القابلة للتصرّف، التي لا تعتمد على القدرات التي يمتلكها، ولا على الثّروات التي يجمعها، ولا على المهمّة التي يقوم بها، بل على العطيّة التي تسبقه وتتجاوزه، التي منحها الله تعبيرًا عن محبّته التي لا تنفد أبدًا (راجع الإنسانيّة الرّائعة، 50)» [7].
11. بازيليكا العائلة المقدَّسة ومسيرةُ الحياة المسيحيّة المصلوبة والقائمة ومتطلّباتها
في عظته بالقدّاس الإلهيّ، في بازيليكا العائلة المقدَّسة (Sagrada Familia) ببرشلونة (10 يونيو/حزيران 2026)، عَقَد البابا لاوُن الرابع عشر مقارنةً جميلة بين هذه البازيليكا الاستثنائيّة من جهةٍ، ومسيرة الحياة المسيحيّة المصلوبة والقائمة من جهةٍ أخرى. وجديرٌ بالذكر أنّ "بازيليكا العائلة المقدَّسة" هي من تصوُّرِ وإبداع الفنّان المكرَّم أنطوني غاودي (Antoni Gaudì)، المهندس المعماريّ المتقّد بالإيمان. فشَرَح قداسة البابا في هذا الصدد:
«إنّ بازيليكا العائلة المقدّسة، أكثر من كونها بناء تذكاريًّا، ما زالت حتّى اليوم ورشةَ بناء، تذكّرنا بأنّ الحياة المسيحيّة هي دائمًا مسيرة، لأنّها مشروع يتولّى الله نفسه إكماله. لذلك نحن لا نسكن عملًا غير مكتمل، بل هيكلًا لا يزال قيد البناء. عدم اكتماله ليس عيبًا، لأنّه يشهد لرغبتنا في اكتماله، ولا يعني نقصًا، بل يعبّر عن وعد نريد أن نَفِيَهُ بأمانة. وهكذا يصير شكرنا التزام، فيما نتعاون مع مشروع الله، أي مع البناء الذي يدعونا هو نفسه إلى المشاركة فيه. وبما أنّنا هيكل الرّوح القدس (راجع 1 قورنتس 6، 16. 19)، فإنّ هذا العمل يتّفق مع حياتنا التي يريدها الله تحفةً فنيّة ننجزها معه [...]
أيّها الأعزّاء، لا يمكننا أن نؤمن بيسوع ونشنّ الحروب. ولا يمكننا أن نؤمن بيسوع ونقتل البريء. ولا يمكننا أن نؤمن بيسوع ونترك المتألّم، والباكي، والهارب من البؤس [...] من الضّروريّ أن نمر عبر آلام الرّبّ المصلوب لكي نستَنير بمجد الرّبّ القائم من بين الأموات. في الواقع، منذ الأزل علّم الآب أن نبذل حياتنا، والابن الذي يقبل الحياة من الآب، يمنحها للجميع بقوّة الرّوح القدس. لهذا فإنّ الصّليب هو العلامة المضيئة لمحبّته» [8].
12. قضيّةُ المهاجرين وجبروتُ البحر ووحوشه
في كلمته أثناء لقائه مع "هيئات استقبال المهاجرين"، في ميناء أرغينيغين (Arguineguín) بلاس بالماس دي غران كناريا (Las Palmas de Gran Canaria)، (11 يونيو/حزيران 2026)، تناوَل البابا لاوُن الرابع عشر القضيّةَ الخطيرة المتعلّقة بالمهاجرين واستغلالهم من قِبل العصابات. فقال قداسة البابا:
«في لغة الكتاب المقدّس، يمكن أن يكون البحر صورةً للتهديد والظّلام والفوضى. ففيه يظهر لَوياتان، رمز القوّة التي تلتهم، ورَهَب، الاسم الذي يستحضر كبرياء القوى التي تنتفض على الله وعلى الحياة (راجع المزمور 74، 13-14؛ 89، 10-11؛ أشعيا 27، 1؛ 51، 9؛ أيّوب 26، 12). اليوم أيضًا هناك وحوش تجوب هذه البحار: عصابات (مافيات) تتاجر بيأس البشر، ومهرّبون يستعبدون النّساء والأطفال، ولا مبالاة كثيرين تسمح بأن يتمّ ابتلاع الفقراء في دوّامة الاستغلال والنّسيان. غير أنّ الإيمان لا يقف مشلولًا أمام جبروت البحر. فنحن نؤمن بإلهٍ يُخضع الفوضى، ويضع حدًّا للشرّ، ويفتح طريقًا حين يبدو أنّ الموت هو الغالب [...] فالكرامة الإنسانيّة لا تحمل جواز سفر، ولا تفقد قيمتها عندما تعبر الحدود» [9].
13. خشبةُ الصليب، والروحانيّةُ الإفخارستيّة، ونجومُ الفضائل الثلاثة
في كلمته أثناء لقائه مع "الأساقفة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات والإكليريكيّين والعاملين الرعويّين"، في كاتدرائيّة القدّيسة حنّة بلاس بالماس دي غران كناريا (Las Palmas de Gran Canaria)، (11 يونيو/حزيران 2026)؛ تحدّث البابا لاوُن الرابع عشر عن أمورٍ ثلاثة مهمّة للغاية لحياتهم وحياتنا، مستشهِدًا بالقدّيس أغسطينس، والرسالة العامّة "الإنسانيّة الرائعة"، والبابا يوحنّا بولس الثاني. وهذه الأمور الثلاثة هي: خشبة الصليب، والروحانيّة الإفخارستيّة، ونجوم الفضائل الثلاثة. فأوضح قداسةُ البابا في هذا الصدد ما يلي:
«"[...] لقد هيّأ لنا الخشبة التي نعبر بها البحر. في الواقع، لا أحد يستطيع أن يجتاز بحر هذا العالم إن لم يحمله صليب المسيح" (شرح إنجيل القدّيس يوحنّا 2، 2). هذا هو الموقف الأوّل الذي يقودنا لنبحر في مياه الحياة ونبلغ غايتنا، وطننا السّماوي: أن نعانق صليب المسيح. أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، لقد اختبر القدّيسون الحنين إلى الله، وإذ واجهوا عواصف الحياة، عرفوا كيف يحملون يسوع في قواربهم، فوثقوا به، وقبلوا صليبه، وبذلك هدّأوا أمواج الشّك والخوف (راجع متّى 8، 23-27) [...]
فإنّ تنمية روحانيّة إفخارستيّة تعني أن نتعمّق في "روحانيّة الوَحدة الكنسيّة في المحبّة" (رسالة بابويّة عامّة، الإنسانيّة الرّائعة، 234). لنجعل من حياتنا جوابًا على رغبة يسوع: "ليكونوا بِأَجمَعِهم واحِدًا [...] لِيُؤمِنَ العالَمُ" (يوحنّا 17، 21) [...]
وعندما تواجهون الصّعاب، ارفعوا عيونكم واطلبوا من الرّوح القدس النّعمة لتعيشوا متّحدين في الإيمان والرّجاء والمحبّة، وهي الفضائل التي "تشبه ثلاثة نجوم تلمع في سماء حياتنا الرّوحيّة لتقودنا نحو الله" (القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، التّعليم المسيحيّ أثناء المقابلة العامّة، 22 تشرين الثّاني/نوفمبر 2000)» [10].
14. الطبيعةُ الإنسانيّة المُحِبّة
في عظته بالقدّاس الإلهيّ، في عشيّة عِيد قلب يسوع الأقدس بمدرّج غران كناريا (Gran Canaria)، (11 يونيو/حزيران 2026)، أشار البابا لاوُن الرابع عشر إلى الطبيعة الإنسانيّة المُحِبّة المرتبطة بطبيعة الله المُحِبّة؛ فقال قداسته:
«هذه هي محبّة الله التي تتجذّر فيها دعوتنا إلى المحبّة: فهي لا تقوم على الحسابات، ولا على الإحساس فقط، ولا يمكن اختصارها في مجرّد عمل محبّة، بل هي محبّة تتغلغل في كلّ كياننا: نارٌ للنفس، ونورٌ للعقل، ودافعٌ لا يُقاوَم للحرّيّة، وسلامٌ وفي الوقت نفسه قلقٌ للقلب، الذي ينبض بتناغم مع قلوب أخرى، يشمل كلّ الإنسان. لأنّ المحبّة أمرٌ متأصّل في طبيعة الإنسان، بل هي شرط اكتمال حياته [...]
مع ذلك، يجب ألّا تكون محبّتنا مجرّد مساعدة، بل يجب أن تهدف إلى دمج النّاس وتحقيقهم الكامل لأنفسهم –روحيًّا وفكريًّا وجسديًّا– وإلى إدماجهم إدماجًا كريمًا وبنّاءً في الجماعة (راجع الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة، 3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020، 129). إذّاك فقط يصير لقاؤنا، حتّى في مواجهة الأحداث الصّعبة والمؤلمة، فرصةً لنزرع بذار الرّجاء في مسيرة البشريّة نحو مستقبل أفضل» [11].
15. الكنيسةُ الرحّالة وجراح الفقراء وآلامهم
في اليوم الأخير من زيارة البابا لاوُن الرابع عشر التاريخيّة للأراضي الإسبانيّة، تمّتْ لقاءاتٌ عديدة: مع المهاجرين في مركز "الجذور"، ومع هيئات إدماج المهاجرين، ومع المؤمنين. بدايةً، في كلمته أثناء لقائه مع المهاجرين في مركز "الجذور" (Las Raíces)، في سان كريستوبال دي لا لاغونا (San Cristóbal de la Laguna)، تينيريف (Tenerife)، (12 يونيو/حزيران 2026)، صَرّح قداسةُ البابا بأنّنا: «نحن كلّنا مهاجرون، بطريقة ما، وكلّنا حُجَّاج في مسيرة نحو الوطن السّماويّ. لنتساعد لكي نجعل في هذه الرّحلة فسحةً فيها المزيد من الإنسانيّة للجميع، ونُساهم في ذلك بما هو في مقدورنا» [12].
وانطلاقًا من كوننا –كمؤمنين وكنيسةٍ– "رحّالةً" و"مهاجرين" في هذا العالم، أكّد قداسة البابا، في كلمته أثناء لقائه مع هيئات إدماج المهاجرين، في ساحة المسيح دي لا لاغونا (Plaza del Cristo de La Laguna)، تينيريف (Tenerife)، (12 يونيو/حزيران 2026)، على مشاركتنا لجراح الفقراء وآلامهم:
«الكنيسة تتعلّم أن تقرأ، في الحياة العمليّة للمتألّمين في الجسد أو الرّوح، علامةً حيّةً تشير إلى الأناجيل المقدّسة، وتصير مقروءةً باللمس والقرب عندما نلمس جراح القريب. كما تعلَّم توما أمام جسد الرّبّ الممجَّد القائم من بين الأموات، تتعلّم الكنيسة أيضًا أنّ الجراح، عندما ننظر إليها بعيني الإيمان، يمكن أن تصير مكانًا للتعرّف: فحيث تلمس المحبّة الألم البشريّ، يؤكّد لنا المسيح أنّه حاضر في الجائع والعطشان والعريان والمريض والسّجين والغريب (راجع متّى 25، 35-40) [...]
أن نبشّر بالإنجيل يعني أن نشارك الكنز الذي يعزّز عملنا ورجاءنا، بكلّ احترام وتواضع. فالكنيسة التي تستقبل هي أيضًا كنيسة تعلن، وتقدّم المسيح من دون أن تفرضه، وتتلقّى في الوقت نفسه الإنجيل من أيدي الفقراء [...]
من هذه السّاحة أريد أن أوجّه كلمة واضحة إلى الذين يستغلّون اليأس، وإلى الذين ينظّمون طرق الموت، ويتاجرون بالبشر، ويحتجزون الوثائق، ويستغلّون العمّال، ويهدّدون النّساء، ويخدعون العائلات، ويحوّلون آلام الآخرين إلى تجارة. توقّفوا! توبوا (راجع مرقس 1، 15)! دموع هؤلاء الإخوة ودماؤهم تصرخ إلى الله، وآلامهم تصعد إليه (راجع تكوين 4، 10؛ خروج 3، 7-9). فالمال المنتزع من ضعف الفقراء لن يمنح سلامًا، ولا كرامة، ولا مستقبلًا (راجع إرميا 22، 13؛ يعقوب 5، 1-6)» [13].
أمّا في عظته أثناء القدّاس الإلهيّ الخاصّ بعِيد قلب يسوع الأقدس، في مرفأ الصليب المقدَّس (Santa Cruz)، تينيريف (Tenerife)، (12 يونيو/حزيران 2026)، لَخّص قداسةُ البابا زيارته لإسبانيا موضّحًا ما يلي: «في الواقع، الإنسان ليس جزيرة [...] هذا هو سرّ القلب: الدّعوة الحميمة في النّفس إلى الخروج واللقاء [...] توجد الحياة عندما تُمنح الحياة. عدا ذلك، فإنّنا ندور في حلقة مفرغة. في الواقع، "كما يذكّر المجمع، فإنّ الإنسان مدعوّ إلى الوَحدة والشّركة مع الله ولا يستطيع أن يجدَ ذاتَه تمامًا، إلّا ببذلِ ذاته دون مقابل: وأعمق ما في دعوته هو أن يدخل في حركة محبّة الثّالوث التي قَبِلَها وصار مشاركًا فيها" (الإنسانيّة الرّائعة، 48)» [14].
خاتمة
في تحيّته بخِتام القدّاس الإلهيّ، في مرفأ الصليب المقدَّس (Santa Cruz)، تينيريف (Tenerife)، (12 يونيو/حزيران 2026)، خَتَم البابا لاوُن الرابع عشر زيارته للأراضي الإسبانيّة أيضًا، معبّرًا عن شُكره وامتنانه وسعادته:
«أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، بهذا الاحتفال الإفخارستيّ تُختتم زيارتي الرّسوليّة إلى إسبانيا. أشكر الله، وجميع الذين استقبلوني، والذين تعاونوا، بطرق لا تُحصى، في الإعداد وتحقيق مختلف اللحظات، في مدريد وبرشلونة ومونتسيرّات (Montserrat)، وهنا في جزر الكناري. أعود إلى روما متأثّرًا بالمودّة الكبيرة التي أحاطت بي، ومتعزّيًا بشهادات الإيمان والمحبّة للكنيسة، وهي تعبير عن القلب الكاثوليكيّ الكبير الذي تتميّز به إسبانيا» [15].
حواشي
[1] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/speeches/2026/giugno/documents/20260609-spagna-veglia.html
[2] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/speeches/2026/giugno/documents/20260609-spagna-veglia.html
[3] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/speeches/2026/giugno/documents/20260609-spagna-veglia.html
[4] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/speeches/2026/giugno/documents/20260609-spagna-veglia.html
[5] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/speeches/2026/giugno/documents/20260610-spagna-visita-penitenziario.html
[6]https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/speeches/2026/giugno/documents/20260610-spagna-rosario.html
[7] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/speeches/2026/giugno/documents/20260610-spagna-assistenza.html
[8] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/homilies/2026/documents/20260610-spagna-messa-sagrada-familia.html
[9] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/speeches/2026/giugno/documents/20260611-spagna-accoglienza-migranti.html
[10] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/speeches/2026/giugno/documents/20260611-spagna-chiesa.html
[11] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/homilies/2026/documents/20260611-spagna-messa-gran-canaria.html
[12] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/speeches/2026/giugno/documents/20260612-spagna-migranti.html
[13] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/speeches/2026/giugno/documents/20260612-spagna-migranti-integrazione.html
[14] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/homilies/2026/documents/20260612-spagna-messa-tenerife.html
[15] https://www.vatican.va/content/leo-xiv/ar/homilies/2026/documents/20260612-spagna-messa-tenerife.html