موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٩ يونيو / حزيران ٢٠٢٦

إضاءاتٌ متنوّعة على الرسالة العامّة «الإنسانيّة الرائعة» (3)

بقلم :
د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك - كولومبيا
إضاءاتٌ متنوّعة على الرسالة العامّة «الإنسانيّة الرائعة»

إضاءاتٌ متنوّعة على الرسالة العامّة «الإنسانيّة الرائعة»

 

يوجد إطارٌ آخر مهمّ للغاية؛ فينبغي وَضْعه (التأطير) وأخذه في الحُسبان، لقراءةِ وفهم الرسالة العامّة الأُولى للبابا لاوُن الرابع عشر «الإنسانيّة الرائعة« (Magnifica Humanitas)، ألا وهو أُسس ومبادئ "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ". فما هي، إذًا، هذه الأُسس والمبادئ وَفقًا لهذه الوثيقة الحَبريّة؟

 

 

رابعًا: التأطيرُ الأساسيّ والمعياريّ

 

بدايةً، علينا ملاحظة أنّ الكنيسة قد عمّقتْ تدريجيًّا تعليمها الاجتماعيّ، «مطوّرةً بمرور الوقت تراثًا من الحكمة يتمتّع بتناسق لاهوتيّ وأنثروبولوجيّ متجذّر في رؤية الإنسان المسيحيّة. ولأنّ هذا التّراث ينبع من الإيمان وفهمه للواقع، فإنّه لا يُترجم إلى مجموعة من الحلول التّقنيّة ولا إلى نموذج اقتصاديّ أو سياسيّ يواجه نماذج أخرى: إنّه ينتمي إلى مستوى مختلف، مستوى المبادئ التي توجّه قراءة الأحداث وتدعم التّفسير الإنجيليّ للعمليّات التّاريخيّة والخيارات التي تستند إليها. ومن هنا تنبع الوظيفة الخاصّة لتعليم الكنيسة الاجتماعيّ، الذي لا يدّعي أنّه يحلّ محلّ مسؤوليّات السّياسة والمؤسّسات، بل يقدّم نفسه بمثابة داعم للتمييز المشترك، يساعد على التّعرّف على ما يخدم كرامة الأشخاص وحيويّة المجتمعات وخير الجميع، وتعزيزه» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 24). ومن ثمّ، «يظهر تعليم الكنيسة الاجتماعيّ في أصالته ووجهه الحقيقيّ: ليس دليلًا للمبادئ والقواعد التي يجب تطبيقها، بل هو مسار للتمييز الجماعيّ. إنّه ينشأ من اللقاء بين حقيقة الإنجيل الأبديّة وأسئلة التّاريخ، ويسمح لـعلامات الزّمن بأن تطرح عليه أسئلة، ويتغذّى من مساهمة العلوم والثّقافات والخبرات البشريّة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 27).

 

إضافةً إلى عودة البابا لاوُن الرابع عشر مرارًا وتكرارًا إلى هذه الأُسس والمبادئ الخاصّة بـ"تعليم الكنيسة الاجتماعيّ"، طوال فصول أو أبواب وثيقته الحَبريّة الجديدة، يتمحور الفصلُ الثاني بأكمله حولها (بنود 46-89). إنّها معايير التمييز الأصيل، و«قادرة على توجيه الخيارات الاقتصاديّة والسّياسيّة والثّقافيّة حتّى اليوم. [وهكذا] يظلّ الإنجيل معاصرًا لأنّه يوفّر المعايير اللازمة للتعرّف على ما يُؤنسن أو ما يُجرّد من الإنسانيّة، وما يُحرّر أو ما يقمع، في أوضاع جديدة دائمًا» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 36).

 

تكمن هذه الأُسس والمبادئ، كما تلخّصها البنود 14 و45-46 و59-89 من الرسالة العامّة، فيما يلي: كرامة الإنسان، وقيمة العمل البشريّ، والخيار التفضيليّ والإنجيليّ للفقراء، والعناية بالخليقة بيتنا المشترك، ومركزيّة السلام والأخوّة، والتنمية البشريّة المتكاملة، والخير العام، والغاية الشاملة المشتركة لخيرات الأرض، والتكافل أو المعاونة أو التكامل في اتّخاذ القرار، والتضامن، والعدالة الاجتماعيّة.

 

 

1. أُسسُ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ

 

إنّ "أُسس" تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، لهي متعدّدة الجوانب؛ ونذكر منها: كرامة الإنسان، وقيمة العمل البشريّ، والخيار التفضيليّ والإنجيليّ للفقراء، والعناية بالخليقة بيتنا المشترك، ومركزيّة السلام والأخوّة، والتنمية البشريّة المتكاملة.

 

· كرامةُ الإنسان

 

تنطلق أُسسُ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ برمّته من كون الإنسان صورةَ الله الثّالوث. فـ«في جوهر الرّؤية المسيحيّة للإنسان يكمن التّأكيد المهمّ على أنّ الرّجل والمرأة خُلِقا على صورة الله ومثاله (راجع تكوين 1، 26-27) الإله الثّالوث» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 50). ومن هُنا ينبع أصلُ وأبعاد "الكرامة الأنطولوجيّة" الخاصّة بكلّ إنسانٍ أيًّا كان. فـ«قيمة الإنسان لا تعتمد على ما يحقّقه أو ينتجه، وهناك حقوق تعود للجميع لمجرّد كونهم بشرًا. ولا يمكن لأيّة سُلطة بشريّة أن تنكرها أو تحدّ منها بشكل تعسّفي» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 51).

 

إنّها، إذًا، كرامةٌ أنطولوجيّة وأساسيّة، أي متجذِّرة في كينونة الإنسان ذاتها. وبهذا المعنى، هي مستوى أعمق ومهمّ مقارنةً بأيّةِ كرامةٍ أخرى (أخلاقيّة أو اجتماعيّة أو متعلّقة بالحياة). «إنّها الكرامة في كلّ إنسان لمجرّد وجوده، ولأنّ الله أراده وخلقه وأحبّه: لا يمكن لأيّة خطيئة، وأيّ فشل، وأيّة إهانة، وأيّ استبعاد أن يَنتقص من قيمة الحياة البشريّة العميقة التي أرادها الله ودعاها إلى الوجود» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 52). ومن ثمّ، فإنّها «لا تُشترَى، ولا تُستَحقّ ولا تحتاج إلى إثبات. [و] يمكن القول إنّ كرامة كلّ إنسان لا حدَّ لها، كما قال القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني لسبَبَين: لأنّ حبّ الله لا حدّ له، وهو الذي يدعوه إلى صداقته، ولأنّه حبّ مطلق بلا شرط أو قيد، أي أنّه يمكن البحث عنه إلى ما لا نهاية ولن يعثر على شيء يتيح بإنكاره أو تكذيبه» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 53).

 

وبناءً على هذا الأساس (كرامة الإنسان الأنطولوجيّة)، تنشأ مسألةُ "حقوق الإنسان" غير القابلة للنقض والتفاوض؛ فهي «ليست إضافة خارجيّة للإنسان، بل هي ترجمة تاريخيّة لكرامته الجوهريّة، التي يجب على المجتمع الدّولي حمايتها وتعزيزها» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 54). «ومن بين هذه الحقوق، الحقّ الأوّل للإنسان هو الحقّ في الحياة ، منذ لحظة تكوينه وحتّى نهايته الطّبيعية» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 55). «وجنبًا إلى جنب مع زيادة الوعي بقيمة كلّ إنسان وحقوقه، ازداد أيضًا الاعتراف بحقوق الأقلّيّات»، ولا سيّما النساء حول العالم ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 57).

 

· قيمةُ العمل البشريّ

 

منذ الرسالة العامّة للبابا لاوُن الثالث عشر «أمور-شؤون جديدة» (15 مايو/أيّار 1891)، قد أوضحت الكنيسةُ –بشكلٍ رسميّ– أنّ "كرامة العمل والعامل" هي أساسٌ محوريّ ومعياريّ لتعاليمها الاجتماعيّة. إنّ للعمل البشريّ –أيًّا كان نوعه– كرامةً رفيعة لا تقبل المساومة؛ ولا بدّ من الدفاع عنها باستمرار. وينبغي "حماية العمّال وضرورة مكافحة كلّ أشكال الاستغلال" أيضًا. ومن ثمّ، تأتي «أولويّة العمل البشريّ قبل أيّ منطق إنتاجي أو مالي محض» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 30). «فالعمل ليس مجرّد مشكلة يجب إدارتها أو وسيلة للحصول على الأجر، بل هو خير أساسيّ للإنسان، ومبدأ النّشاط الاقتصاديّ، ومفتاح المسألة الاجتماعيّة كلّها» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 37).

 

إنّ «العمل هو "المفتاح الأساسيّ" لفهم المسألة الاجتماعيّة كلّها، لأنّ الإنسان يطوّر من خلاله أبعادًا عديدة من حياته» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 148). و«العمل ليس مجرّد أداة، بل يعبّر عن كرامة حياتنا وينمّيها. إنّه حاجة متأصّلة في الطّبيعة البشريّة، ومسيرة عاديّة نحو النّضوج والتّطوّر وتحقيق الذّات» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 149). وهكذا، «يبقى العمل بعدًا أساسيًّا من أبعاد الخبرة الإنسانيّة: فهو ليس مجرّد وسيلة للعَيش، بل هو مكان للتعبير، ولإقامة العلاقات، وللمساهمة في الجماعة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 154).

 

بناءً على هذا كلّه، تنجم المخاوف الواقعيّة من مشكلة "البطالة القسريّة"، ولا سيّما في عصر "الثورة الرقميّة" والذكاء الاصطناعيّ. فـ«اليوم، يؤدّي التّداخل بين قوّة الآلة والرّوبوتات والذّكاء الاصطناعيّ إلى تغيير سريع في بنية العمل نفسها» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 150). وقد «ذكّر القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني بأنّ البطالة شرّ خطير، ويمكن أن تصير، خاصّة عندما تتّخذ أبعادًا كبيرة، كارثة اجتماعيّة حقيقيّة، تستدعي بشكل خاصّ مسؤوليّة الدّولة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 151). وأخيرًا، «بالنّسبة للشّباب، إنّ عدم استقرار العمل هو لهم مأساة بصورة خاصّة. وكما يذكّر أساقفة الولايات المتّحدة، فإنّ العمل ليس مجرّد مصدر دَخل، بل هو مجال حاسم تتكوَّن فيه الهويّة، وتتشابك فيه الصّداقات والعلاقات، وتُكتسب فيه المسؤوليّات العمليّة، ويتمّ فيه تمييز ومعرفة الدّعوة الشّخصيّة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 167).

 

· العنايةُ بالخليقة بيتنا المشترك

 

بوجهٍ عامّ، إنّه لمن المهمّ للغاية احترام "بيتنا المشترك" ورعايته والمحافظة عليه. وعلى نحوٍ خاصّ، لا بدّ من تقليل تأثير استخدام الذكاء الاصطناعيّ على البيئة للحفاظ على بيتنا المشترك، وكذلك تجنُّب مخاطره المتنوّعة على البيئة. «إنّ أنظمة الذّكاء الاصطناعيّ الحاليّة تتطلّب كمّيّات كبيرة من الطّاقة والمياه، وتؤثّر بشكل كبير على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتستهلك الموارد بشكل مكثّف» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 101). ولذا، فإنّ «الأمانة للحقيقة يتطلّب دمج الإمكانات التي توفّرها التّقنيّة في مسيرة من الحكمة، وقادرة على أن تحافظ معًا على كرامة كلّ إنسان وعلى مستقبل بيتنا المشترك» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 237).

 

· الخيار التفضيليّ والإنجيليّ للفقراء

 

لقد أوضح البابا فرنسيس، في رسالته العامّة «كُنْ مُسَبَّحًا» (24 مايو/أيّار 2015)، أنّ «الاعتراف بأن مقاربة إيكولوجيّة صحيحة تتحوّل دائمًا إلى مقاربة اجتماعية، تحتّم إدراجَ العدالة في النقاشات الخاصة بالبيئة، كي تُسمَع صرخة الأرض وصرخة الفقراء على حد السواء» ("كُنْ مُسَبَّحًا"، بند 49). لذا، فقد «جمع اقتراحه إلى بيئة متكاملة بين العناية بالبيت المشترك والخيار التّفضيليّ للفقراء، وأكّد بقوّة أنّ "صرخة الأرض وصرخة الفقراء لا يمكن فصلهما» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 43).

 

ومن ثمّ، «إنّ الاهتمام بالبيت المشترك والمسؤوليّة تجاه الفقراء والأجيال القادمة تتطلّبان أن يتّم تنظيم استخدام خيرات الخليقة والإمكانيّات الجديدة التي توفّرها التّكنولوجيا بطريقة تحترم البيئة، وتجنّب الإسراف وأشكال النّهب الجديدة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 67). وإزاء أشكال الفقر العديدة والجديدة، قد «أكّدت السُّلطة التّعليميّة الحديثة على أنّ العدل الاجتماعيّ يتطلّب نظرة تنطلق من الأخيرين. تكلّم القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني على "خيار تفضيليّ للفقراء" الذي يجب أن يحدّد الخيارات الشّخصيّة والاجتماعيّة، بينما ندّد البابا فرنسيس بـ"ثقافة الإقصاء" التي تولّد أشكالًا جديدة من الإقصاء بشكل متزايد» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 78).

 

· مركزيّةُ السلام والأخوّة

 

لا يُعَدُّ "السّلام" بأبعاده المتنوعّة، مجرّد محورٍ مهمّ في شخصيّة البابا لاوُن الرابع عشر وحَبريّته، وإنّما هو أساسٌ محوريّ ومعياريّ في تعليم الكنيسة الاجتماعيّ برمّته. إنّنا –أفرادًا وشعوبًا– بحاجةٍ إلى "منطق السلام" ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 212). وهو بدوره مرتبطٌ بالعمل المؤسّساتيّ والعدل والمحبّة والتنمية. إنّ «السّلام الدّائم يتطلّب مؤسّسات وعلاقات بين الشّعوب مستوحاة من كرامة كلّ إنسان» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 33). فلا بدّ من البحث «عن طُرق قابلة للتطبيق حتّى يكون السّلام أكثر من مجرّد كلمة، بل يكون مؤسّسات ذات مصداقيّة، وضمانات قابلة للتحقّق، ومفاوضات صبورة، ومنع النّزاعات، وحماية المدنيّين» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 218).

 

و«يمكننا جميعًا، على أيّ مستوى، أن نساهم في أساس السّلام، الذي هو العدل. فنحن لا نسعى في الواقع إلى أيّ سلام، أو غياب الصّراع بأيّ ثمن، بل إلى السّلام الحقيقيّ الذي يُولد من العدل. "هناك علاقة وثيقة بين عدل كلّ فرد وسلام الجميع"» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 215). «فإنّ السّلام ليس رجاءً ساذجًا ولا مجرّد غياب للحرب، بل إنّه ثمرة، ممكنة دائمًا، للعدل والمحبّة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 205).

 

إنّ «التّرابط بين السّلام والتّنمية، كما كتب القدّيس البابا بولس السّادس بشكل نبويّ سنة 1967، يمكن تحديثه اليوم: لا يمكن للازدهار أن يساهم في بناء السّلام وتعزيزه إلّا إذا كان واسع الانتشار وشاملًا ومستدامًا» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 163). و«في عالَم يتزايد فيه التّرابط، لا يُعدّ السّلام موضوعًا من بين مواضيع أخرى، بل هو شرط للخير العام العالميّ ومقياس لنضج الشّعوب الأخلاقيّ، لا سيّما أولئك المدعوّين إلى تحمّل مسؤوليّات الحكم» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 182).

 

ومن جهةٍ أخرى، ومن أجل البلوغ إلى "حضارة المحبّة"، من الضروريّ القيام بأعمال الإخلاص الصغيرة والمثابرة؛ ومنها «خمسة مسارات للمسؤوليّة اليوميّة والعامّة: أن ننزع السّلاح من الكلمات، وأن نبني السّلام في العدل، وأن ننظر نظرة الضّحايا، وأن نربِّي واقعيّة سليمة، وأن نعيد إطلاق الحوار والتّعدّديّة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 213). أجل، فـ«السّلام يبدأ من داخل كلّ واحد منّا: من الطّريقة التي ننظر بها إلى الآخرين، والتي نصغي بها إليهم، ونتكلّم عليهم» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 214).

 

وأخيرًا، إنّ «رسالة السّلام تقع في صميم المسارات الرّوحيّة الكبرى. ومن يستخدم اسم الله لتبرير الإرهاب أو العنف أو الحرب يخون صورة الله: فالقتال باسم الدِّين يعني، في الواقع، الإساءة إلى الدِّين نفسه» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 223). وأمّا السلام الحقيقيّ والعادل والشامل والدائم، والمجرَّد والمجرِّد من السّلاح، لهو عطيّةٌ إلهيّة ومسيحانيّة ("الإنسانيّة الرائعة"، بندان 228 و231).

 

وعلى صعيدٍ آخر مكمّلٍ لما سبق، إنّ تحقيق الأخوّة وتنميتها، و«الحلم في إنسانيّة تعرف أن تختار الصّداقة الاجتماعيّة والأخوّة العالميّ»، و"ثقافة اللقاء"، كلّها أمورٌ ممكنة. فـ«الأخوّة ليست مجرّد تطلُّع داخلي للمؤمن، بل هي شكل اجتماعيّ وسياسيّ يجب تجسيده في خيارات ومسارات مشتركة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 73). وهي بدورها تحتاج إلى «شهداء الأخوّة والعدل» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 125). 

 

· التنميةُ البشريّة المتكاملة أو الشاملة

 

منذ أن أصدر البابا بُولس السادس رسالتَه العامّة «تَرقّي-تقدُّم الشعوب» (26 مارس/آذار 1967)، مطالبًا بالتنمية "المتكاملة" أو "الشاملة"، بمعنى أنّ التنمية «تهدف إلى تقدُّم جميع البشر والإنسان بكامله»، بات هذا التعبيرُ مهمًّا للغاية في إطار "تعليم الكنيسة الاجتماعيّ" ومبادئه الرئيسيّة. ومن خلال التعمُّق في مفهوم هذا التعبير وأبعاده، يُشار إلى «الطّريقة الملموسة التي تتجسّد بها المبادئ الكبرى في التّاريخ: الكرامة، والخير العام، والغاية الشّاملة للخيرات، واللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار، والتّضامن، والعدل الاجتماعيّ». ويُقصَد بهذا «عمليّة يؤثّر فيها نمو الأفراد والشّعوب على جميع أبعاد الحياة ويفتح المستقبل أيضًا للأجيال القادمة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 82).

 

ينبغي أن تكون التنميةُ –كواجبٍ وحقٍّ للأفراد وللأمم– إنسانيةً ومتكاملةً وشاملة أيضًا. و«التّنمية تكون إنسانيّة عندما تضع الإنسان في المقام الأوّل من اهتماماتها، وليس في تراكم الخيرات، وعندما تشمل الشّعوب أيضًا، وليس فقط الأفراد [...] تكون التّنمية متكاملة عندما لا تقتصر على المجال الاقتصاديّ، بل تعزّز جودة الحياة في أبعادها الرّوحيّة والثّقافيّة والأخلاقيّة والعلائقيّة، مع احترام بيتنا المشترك، وتنوّع الشّعوب وأساليب عيشها» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 83).

 

ومن ثمّ، فإنّ «فكرة التّنمية البشريّة المتكاملة تجد اليوم معيارًا حاسمًا للتحقّق في الإيكولوجيّا المتكاملة، التي صارت بعدًا لا غنى عنه في تعليم الكنيسة الاجتماعيّ. فجودة التّنمية تُقاس بقدرتها على الجمع بين العدل تجاه الإنسان وحماية بيتنا المشترك، دون الفصل بينهما، ما يعزّز ظروف معيشيّة كريمة، والوصول إلى ضروريّات الحياة، وعلاقات اجتماعيّة صحيحة، والعناية بالخليقة، والاهتمام بالأجيال القادمة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 84). و«بهذا المعنى، فإنّ التّنمية البشريّة المتكاملة هي الأفق الذي نقرأ فيه تحوّلات عصرنا، بما في ذلك تحوّلات الثّورة الرّقميّة. الابتكارات التّكنولوجيّة، بما في ذلك الذّكاء الاصطناعيّ، ليست محايدة: يمكنها أن تزيد من المشاركة والعدل، أو أن تزيد عدم المساواة والسّيطرة والاستبعاد» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 85).

 

 

2. مبادئُ تعليم الكنيسة الاجتماعيّ

 

يتعلّق الأمر بـ"مبادئٍ خمسة" متكاملة: الخير العام؛ والغاية الشاملة المشتركة لخيرات الأرض؛ والتكافل أو المعاونة أو التكامل في اتّخاذ القرار؛ والتضامن؛ والعدالة الاجتماعيّة.

 

· مبدأُ الخير العامّ

 

إنّ "الخير العامّ" لهو "المبدأ الكبير الأوّل للتّعليم الاجتماعيّ". و«يمكننا أن نصفه بأنّه الصّورة الاجتماعيّة للكرامة المعترف بها للجميع» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 59). ويتحقّق هذا "الخير العام" المشترك، وَفقًا للمجمع الفاتيكانيّ الثاني عبر «مجموعة ظروف حياة اجتماعيّة تجعل من الممكن للتجمّعات ولكلّ واحد من أعضائها تحقيق الكمال الشّخصيّ بأكبر قدر ممكن وبأسهل الطّرق» (دستور رعويّ "فرح ورجاء"، بند 26).

 

ومن ثمّ، فـ«الخير العام هو قيمة مضافة، ونتيجة التّفاعل والتّأثير المتبادل الذي يربط بين مختلف الأعمال والمبادرات والجهود والقرارات. لو اقتصرنا على جمع الخيرات الفرديّة فقط، لما كان بالإمكان تفسير وجود هذه القيمة المضافة التي تتجاوز الجميع، وفي الوقت نفسه تُغني الجميع» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 61).

 

· مبدأُ "الغاية الشاملة المشتركة لخيرات الأرض"

 

بكلماتٍ موجزة، ومن دون إلغاءٍ أو إنكار لحقّ "الملكيّة الخاصّة"، «"من بين الأوجه المتعدّدة للخير العام، يظهر فورًا مبدأ الغاية الشّاملة لخيرات الأرض". هذا المبدأ يذكّرنا أوّلًا وقبل كلّ شيء بأنّ خيرات الأرض، التّربة والمياه والهواء والموارد الطّبيعيّة، هي عطيّة من الله لكلّ العائلة البشريّة لكي تسند حياة الجميع، اليوم وفي الأجيال القادمة، وكلّ إنسان له حقّ أصيل في استخدام هذه الخيرات [...] اليوم نحن مدعوّون إلى أن نعترف بأنّ الغاية الشّاملة هذه لا تقتصر فقط على الخيرات المادّيّة، بل تشمل أيضًا الخيرات غير المادّيّة والثّقافيّة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 65). ومن ثمّ، «يوجد حقّ في الملكيّة الخاصّة له معناه ووظيفته الخاصّة، لكن يبقى هذا المبدأ دائمًا خاضعًا لمبدأ الغاية الشّاملة لخيرات الأرض» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 66).

 

وفي عصر التكنولوجيا والثورة الرقميّة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعيّ، يمكن التأكيد، مع قداسة البابا، ما يلي: «اليوم، بين الخيرات المخصّصة للجميع عالميًّا، يجب علينا أن نُدرج أيضًا الأشكال الجديدة للملكيّة الخاصّة: براءات الاختراع، والخوارزميّات، والمنصّات الرّقميّة، والبُنى التّحتيّة التّكنولوجيّة، والبَيانات» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 67).

 

· مبدأُ "التكافل" أو "المعاونة" أو "التكامل في اتّخاذ القرار"

 

انطلاقًا من "الكرامة الأنطولوجيّة" الخاصّة بكلّ إنسانٍ، وكذلك مبدأ "الخير العامّ"، ينشأ ما يُطلَق عليه مبدأ "التفويض" أو "التكافل" أو "المعاونة" أو "اللامركزيّة والتكامل في اتّخاذ القرار". إنّ «تعليم الكنيسة الاجتماعيّ يسمّي "اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار" بالمبدأ الذي بموجبه يجب ألّا تستحوذ الجهات العليا على ما يمكن أن يقوم به الأشخاص، والعائلات، والمجتمعات المحلّيّة، والهيئات الوسيطة. يجب على المؤسّسات العليا أن تعترف بحرّيّة وإبداع المستويات الدّنيا وتحميها وتعزّزها، وتنسّق مساهماتها حتّى تتعاون بفعّاليّة من أجل الخير العام» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 68).

 

في الواقع، «هذا المبدأ يشجّع على تجاوز كلّ شكل من أشكال الإدارة الأبويّة أو رعاية الحياة الاجتماعيّة، بتعزيز أسلوب المسؤوليّة المشتركة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 70). ومن ثمّ، فإنّ «مبدأ اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار ينطبق بشكل خاصّ في سياق الثّورة الرّقميّة [...] اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار تتطلّب ألّا تُفرض هذه العمليّات من قبل المراكز العليا بطريقة غير شفّافة ومنحازة لجانب دون آخر، بل يجب أن تكون موجّهة نحو الخير العام بالشّفافيّة والمسؤوليّة وأشكال المشاركة الحقيقيّة (التّدقيق المستقلّ، والشّفافيّة بشأن الخوارزميّات، والتّساوي في الوصول إلى البيانات، وأدوات الاستئناف)» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 71). ولذا، «يجب بناء أشكال من التّعاون تحترم مستويات المجتمع العالميّ المختلفة وتجعلها شريكة في المسؤوليّة عن الخير العام» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 72).

 

· مبدأُ "التضامن"

 

بناءً على ما أوضحه البابا يوحنّا بولس الثاني، في رسالته العامّة «الاهتمام بالشّؤون الاجتماعيّة» (30 ديسمبر/كانون الأوّل 1987)، «يُفهم التّضامن على أنّه مسؤوليّة مشتركة ملموسة بين الأفراد والشّعوب والأمم، وشكل من أشكال الصّداقة الاجتماعيّة أو المحبّة السّياسيّة الموجّهة إلى "حضارة المحبّة" التي دعا إليها البابا بولس السّادس» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 38). و«هذا المبدأ يُولد من الرّؤية للإنسان التي تأتي من الإيمان: كلّ إنسان مخلوق على صورة الله ويدخل في شبكة من العلاقات تربطه بالآخرين، وبالشّعوب، وبالخليقة [...] التّضامن هو الاعتراف الحقيقيّ بأنّ مصير كلّ فرد مرتبط بمصير الجميع: حقًا "ما من أحد يَخلُص وحده» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 73).

 

يوجد، إذًا، رابطٌ وَثيق بين مبدأ "التفويض" أو "التكافل" أو "المعاونة" أو "اللامركزيّة والتكامل في اتّخاذ القرار" من ناحية، ومبدأ "التضامن" من ناحية أخرى. فـ«عندما لا يرافق التّضامن اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار، تنتهي الأخيرة بأن تتحوّل إلى مجرّد حماية لمصالح خاصّة، وعندما لا تعزّز اللامركزيّة والتّكامل في اتّخاذ القرار التّضامن، تتحوّل الأخيرة إلى مساعدات لا تشجّع على المسؤوليّة. هذا التّرابط يُشير أيضًا إلى مسؤوليّة المشاركة الحقيقيّة: يتمّ التّعبير عن التّضامن عندما يشارك كلّ فرد، شخصيًّا ومع الآخرين، في حياة المجتمع – يثقّف نفسه، وينضمّ إلى الآخرين، ويُسمع صوته، ويساهم في القرارات والخيارات العامّة – ويتحمّل مسؤوليّات حقيقيّة حتّى يتجسّد الخير العام في خيارات مشتركة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 73).

 

لذا، فقد «أكّدت سُلطة تعليم الكنيسة الاجتماعيّ على أنّ التّضامن هو مبدأ وفضيلة في آن واحد. هو مبدأ يعبّر عن النّظام الموضوعيّ للعلاقات بين الأشخاص، والمجموعات والشّعوب، ويشير إلى الوعي بالتّرابط المتبادل، بحيث يمرّ خير كلّ فرد عبر خير الآخرين. وهو فضيلة، ويتطلّب "تصميمًا راسخًا ومثابرًا". للعمل من أجل الخير العام، مع اهتمامٍ خاصّ للأضعفين» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 75). وعلى هذا النحو، «اليوم، هذه المسؤوليّة تمتدّ أيضًا إلى البنى التّحتيّة الرّقميّة والمعلوماتيّة: فمثل البيئة الطّبيعيّة، يمكن أيضًا حماية "النّظام البيئيّ الرّقمي" أو استغلاله، أو مشاركته أو احتكاره. التّضامن يتطلّب أن تأخذ الخيارات المتعلّقة بالبيانات، والخوارزميّات، والمنصّات، والذّكاء الاصطناعيّ في الاعتبار ليس فقط المصلحة الفوريّة للبعض، بل التّأثير على الشّعوب ككلّ وعلى الأجيال القادمة» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 76).

 

· مبدأُ "العدالة الاجتماعيّة"

 

لمبدأ "العدالة الاجتماعيّة" مستويان: مستوى سلوك الأخوّة الخاصّ بالأفراد، ومستوى هيكليّة المؤسّسات، ولا سيّما نحو الأخيرين والأشدّ ضعفًا (الفقراء، والمهاجرون، واللاجئون، والنّازحون داخليًّا، وضحايا العنف، والأشخاص الذين يعيشون في ضواحي المدن). فـ«بالنّسبة للجماعة المسيحيّة، العدل الاجتماعيّ هو شكل ملموس من أشكال اتّباع يسوع والأمانة لإنجيله [...] لكن العدل لا يتعلّق فقط بسلوك الأفراد، بل أيضًا بالطّريقة التي تمّ التّفكير فيها وتصميم الهيكليّات للعيش معًا. في هذا الصّدد، يذكّر المجمع الفاتيكانيّ الثّاني أنّ كلّ مؤسّسة مدعوّة إلى خدمة الإنسان وكرامته. يتجلّى العدل الاجتماعيّ، إذن، في قدرة النّظام الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسّياسيّ على السّماح للجميع، لا سيّما الأكثر ضعفًا، بأن يعيشوا بطريقة إنسانيّة حقًّا، دون أن يُترك أحد في الخلف» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 77).

 

من جهةٍ أخرى، إنّ «فكرة "العدل الاجتماعيّ" تساعدنا لندرك أنّ الظّلم لا ينشأ فقط عن خيارات خاطئة للأفراد، بل أيضًا عن الهيكليّات، والآليّات، والتّركيبات الاقتصاديّة والثّقافيّة التي تُنتج عدم المساواة بشكل شبه تلقائي» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 79). ومن ثمّ، «في هذا الوقت، يجب على العدل الاجتماعيّ أن يتعامل أيضًا مع البيئة التي أوجدتها التّكنولوجيّات الرّقميّة. فانتشار الشّبكات العالميّة والمنّصات وأنظمة الذّكاء الاصطناعيّ غيّر طريقة الحصول على المعلومات والتّواصل والوصول إلى الخدمات. العدل يتطلّب منع ظهور أشكال جديدة من الإقصاء والحرمان من الحرّيّة: الأشخاص والشّعوب الذين يُحرمون من الوصول إلى التّكنولوجيّات الأساسيّة أو يُعرقَل وصولهم إليها، والجماعات المعرّضة للمراقبة المتطفّلة، والمجموعات الاجتماعيّة التي تُعاقب بسبب خوارزميّات غامضة تعيد إنتاج التّحيّزات والتّمييز. النّظام الاجتماعيّ العادل في عصر الرّقميّة هو النّظام الذي يضمن للجميع وصولًا عادلًا إلى الفرص، ويحمي الصّغار والأكثر ضعفًا، ويكافح الكراهية والتّضليل، ويُخضع استخدام البيانات والتّكنولوجيّات للرقابة العامّة، بحيث لا يكون المعيار هو الرّبح فقط، بل كرامة كلّ إنسان وخير الشّعوب» ("الإنسانيّة الرائعة"، بند 80).

 

[يُتبَع]