موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٤ أغسطس / آب ٢٠٢٦

الأحد الحادي عشر بعد العنصرة 2026

بقلم :
الأب بطرس جنحو - الأردن
الأحد الحادي عشر بعد العنصرة

الأحد الحادي عشر بعد العنصرة

 

الرِّسَالَة

 

قُوَّتِي وتَسْبِحَتِي الرَّبُّ

أَدَبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ وإلى الموتِ لم يُسْلِمْنِي

 

فصل من رسالة القديس بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس (1 كو 9: 2 – 12)

 

يا إخوةُ، إِنَّ خَاتَمَ رسالَتِي هوَ أنتمُ في الرَّبّ. وهذا هو احْتِجَاجِي عندَ الَّذينَ يَفْحَصُونَنِي. أَلَعَلَّنَا لا سُلْطَانَ لنا أنْ نَأْكُلَ ونَشْرَبَ. أَلَعَلَّنَا لا سُلْطَانَ لنا أنْ نَجُولَ بامرأةٍ أُخْتٍ كسائِرِ الرُّسُلِ وإخوةِ الرَّبِّ وصَفَا. أَمْ أنا وبَرنَابَا وَحْدَنَا لا سُلْطَانَ لنا أن لا نَشْتَغِل. مَن يَتَجَنَّدُ قَطُّ والنَّفَقَةُ على نَفْسِه؟ مَن يَغْرِسُ كَرْمًا ولا يأكُلُ من ثَمَرِهِ؟ أو مَن يَرْعَى قطيعًا ولا يأكُلُ من لَبَنِ القطيع؟ أَلَعَلِّي أَتَكَلَّمُ بهذا بحسبِ البشريَّة، أم ليسَ النَّامُوَس أيضًا يقولُ هذا. فإنَّهُ قد كُتِبَ في ناموسِ موسى: لا تَكُمَّ ثورًا دارِسًا. أَلَعَلَّ اللهَ تَهُمُّهُ الثِّيران، أم قالَ ذلك من أجلِنَا، لا مَحَالَة. بل إنَّما كُتِبَ من أجلِنَا. لأنَّه ينبغي للحَارِثِ أنْ يحرُثَ على الرَّجاءِ، وللدَّارِسِ على الرَّجاءِ أن يكونَ شريكًا في الرَّجاءِ. إنْ كُنَّا نحنُ قد زَرَعْنَا لَكُمُ الرُّوحِيَّاتِ أَفَيَكُونُ عَظيمًا أنْ نَحْصُدَ مِنْكُمُ الجَسَدِيَّات. إنْ كانَ آخَرُونَ يَشْتَرِكُونَ في السُّلْطَانِ عليكم أَفَلَسْنَا نحنُ أَوْلَى. لَكِنَّا لم نَسْتَعْمِلْ هذا السُّلطان، بل نَحْتَمِلُ كلَّ شيءٍ لِئَلَّا نُسَبِّبَ تَعْوِيقًا ما لِبِشَارَةِ المسيح.

 

 

الإنجيل

 

فصل من بشارة القديس متى (18: 23-35)

 

قالَ الرَّبُّ هذا المَثَل: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إنسانًا مَلِكًا أرادَ أن يُحَاسِبَ عبيدَهُ. فلمَّا بدأَ بالمحاسَبَةِ أُحْضِرَ إليهِ واحِدٌ عليهِ عَشَرَةُ آلافِ وَزْنَةٍ. وإذْ لم يَكُنْ لهُ ما يُوفي أَمَرَ سيِّدُهُ أن يُبَاعَ هو وامرأَتُهُ وأولادُهُ وكلُّ ما لهُ ويُوفَى عَنْهُ. فَخَرَّ ذلكَ العبدُ ساجِدًا لهُ قائِلًا: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيكَ كلَّ ما لَكَ. فَرَقَّ سَيِّدُ ذلك العَبْدِ وأَطْلَقَهُ وتَرَكَ لهُ الدَّيْن. وبعدما خرجَ ذلك العبدُ وَجَدَ عَبْدًا من رُفَقَائِهِ مَدْيُونًا لهُ بمئةِ دينارٍ، فَأَمْسَكَهُ وأَخَذَ يَخْنُقُه قائلًا: أَوْفِنِي ما لِي عَلَيْك. فَخَرَّ ذلك العبدُ على قَدَمَيْهِ وطَلَبَ إليهِ قائلًا: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيكَ كلَّ ما لَك. فَأَبَى ومَضَى وطرحَهُ في السِّجْنِ حتَّى يُوفِيَ الدَّيْن. فلمَّا رأى رُفَقَاؤُهُ ما كانَ حَزِنُوا جِدًّا وجَاؤُوا فَأَعْلَمُوا سَيِّدَهُم بكلِّ ما كان. حينَئِذٍ دعَاهُ سَيِّدُهُ وقالَ لهُ: أيُّها العبدُ الشِّرِّيرُ، كلُّ ما كانَ عليكَ تَرَكْتُهُ لكَ لأنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ، أَفَمَا كانَ ينبغِي لكَ أنْ ترحَمَ أنتَ أيضًا رفيقَك كما رَحَمْتُك أنا. وغَضِبَ سَيِّدُهُ ودَفَعَهُ إلى المُعَذِّبِينَ حتَّى يُوفِيَ جميعَ ما لَهُ عَلَيْهِ. فهكذا أبي السَّماوِيُّ يَصْنَعُ بِكُم إنْ لم تَتْرُكُوا من قُلُوبِكُم كلُّ واحِدٍ لأَخِيهِ زَلَّاتِهِ.

 

 

بسم الأب والأبن والروح القدس الإله الواحد أمين.

 

يُبيّن لنا المسيح اليوم، من خلال المثل الذي سمعناه اليوم من إنجيل متى، أهمية التسامح والمغفرة، وهما من أعظم الفضائل المسيحية. يقول لنا إن ملكوت السماوات يُشبه ملكًا أراد أن يُحاسب عبيده. فجاءه عبدٌ مدينٌ له بعشرة آلاف وزنة، وهو مبلغٌ ضخمٌ في ذلك الزمان. وبالطبع لم يكن لدى العبد هذا المبلغ، فأمر سيده ببيع زوجته وأولاده وكل ما يملك لسداد الدين. "ولأنه لم يكن عنده شيء، أعطى الفقير زوجته وأولاده وكل ما كان عنده، وسيُسدّد له" (متى ١٨: ٢٦).

 

أشفق عليه سيده وسامحه في دينه، ولكن بينما كان الخادم الشرير يهمّ بالرحيل، التقى بخادم آخر كان مدينًا له بمبلغ زهيد قدره مئة دينار. فأمسكه من عنقه وطالبه بسداد دينه فورًا. ورغم توسلات الخادم الآخر، زجّ به في السجن بسبب دينه. فأخبر الخدم الآخرون سيدهم بالحادثة، فلما مثل أمامه قال له: «ألم ترحم زميلك كما رحمتك؟» (متى ١٨: ٣٣). ثم أسلمه السيد إلى الجلادين حتى يسدد دينه. وهنا يختتم الرب المثل قائلًا: «هكذا يفعل بكم أبي السماوي إن لم تغفروا من قلوبكم زلات إخوتكم» (متى ١٨: ٣٥). هكذا سيعاني كل من لا يغفر من قلبه زلات إخوته يوم الدينونة. هذا المثل في البداية لا يترك مجالاً لسوء الفهم، خاصةً وأن الرب نفسه هو من يُعطي العبرة. فبدون رحمة، وبدون غفران، وبدون صبر وتسامح تجاه أخيه الإنسان، لن يواجه الإنسان من الله إلا غضبه. ما معنى الرحمة والغفران والتسامح؟ إنها الصبر والتسامح مع الشرور التي يُلحقها بنا إخواننا في الإنسانية. مع ذلك فهي نية صادقة وحقيقية، لا تقتصر على عدم الرغبة في الانتقام، بل تشمل أيضاً غفران من أساء إلينا وردّ الجميل لمن أساء إلينا. أمام ملك المثل نرى الله نفسه، الذي يُظهر الرحمة والغفران. أما أمام الخادم "الشرير"، فنرى القسوة والشر. فبينما يُغفر له يرفض أن يغفر لخادمه الآخر وأن يصبر عليه، حتى يتمكن زميله التعيس من ردّ دينه البسيط. لا شك أننا جميعًا أمام الله "عبيد" ومدينون، لأننا مخلوقاته، خُلقنا لنشارك محبته. نحن "مدينون" لأننا في كل يوم من حياتنا نقصر في أداء وصية المحبة، لأننا نرتكب الخطايا، وبالتالي نقصر في أداء واجباتنا تجاه الله وتجاه إخواننا في الإنسانية.

 

مع ذلك، فإن الله، بصفته مُحسنًا لا يُرهقنا. فهو ينتظر بصبر استجابتنا، ويستمع إلى دعائنا، وهو دائمًا على استعداد لمغفرة جميع ذنوبنا، كما فعل مع الخادم في المثل. لكنه لا يتسامح مع قسوة قلوبنا تجاه جارنا، بل يطالبنا بأن نكون مُحسنين، وأن لا ننظر إلى أخينا الإنسان كعدو وأن نغفر له. عند هذه النقطة دعونا نتذكر موعظة المسيح على الجبل، التي تُمثل خلاصة تعاليمه. قال الرب: «قد سمعتم أنه قيل: أحب قريبك وأبغض عدوك». أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم» (متى 5: 43-44). هذه الوصية من ربنا ليست قديمة، بل وضعها يسوع المسيح. وبها يطلب منا بوضوح تام أن نحب من يضمرون لنا الشر، ومن يبغضوننا، ومن يظلموننا. في قلب المسيحي من غير المعقول أن يكون هناك نفور وكراهية لأي سبب كان. ينبغي أن تكون المحبة هي السمة المميزة لكل مسيحي، وأن يتعلم التسامح. فعل الخير للناس أمر طبيعي، أما فعل الخير للشر فهو من الأخلاق المسيحية. يذكرنا متى بكلمات الرب: لأنه إن غفرتم للناس زلاتهم، تغفرون أنتم أيضاً زلاتكم لأبيكم السماوي. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم، لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم.

 

إن كلمات المسيح واضحة لا لبس فيها. فبقدر ما نغفر لأنفسنا وللآخرين، سيظهر الرب رحيمًا غفورًا لنا. عندما نصلي نتوق بشدة أن يسمع الله دعاءنا، والشرط الأساسي هو أن نتصالح مع إخواننا في الإنسانية، لأنه إذا سكنت فينا العداوة والاستياء والنفور، فلن يُستجاب دعاؤنا. وأود أن أذكر أمرًا أخيرًا، يجب أن نكون متسامحين ومحبين، لأننا جميعًا بشر. من المؤكد أننا نرتكب الأخطاء ونؤذي مشاعر الآخرين ونظلمهم. حقًا من منا لم ينتقد جاره ولو مرة واحدة؟ ننتقد ونتحدث بسوء ونغتاب، لكننا نريد من الآخرين أن يسامحونا، لا أن يحملوا علينا ضغينة. لذا، يجب أن نفعل الشيء نفسه تمامًا، فنحن أيضًا بحاجة إلى غفران الآخرين ورحمتهم. هذا ما نطلبه ونؤكده في صلاة الأحد، في "أبانا الذي في السماوات"، حين نقول: "واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن للمذنبين إلينا"، أي اغفر لنا يا رب. تمامًا كما نغفر نحن، بنفس الطريقة، بنفس المحبة والإحسان. في مَثَل العبد الشرير الذي سمعناه اليوم، تتخذ محبة الله، المتجسدة في شخص رب المثل (مسيحنا)، مضمونًا خاصًا. الله يحبنا ويرحمنا، متجاوزًا خطايانا وأخطاءنا، غير ناظرٍ على أيٍّ من ذنوبنا. بشرط أن نرغب نحن أيضًا في هذه المحبة منه. يطلب منا الرب أن نكون أهل محبة وغفران. يحثنا على اتباع طريق النزاهة دائمًا. إنه طريق يؤدي إلى الخلاص. وبهذه الطريقة سنخلص وننال ملكوت السماوات. إنه طريق العظمة والمجد. هذا هو طريقه، سلكه حتى وصل إلى الجلجثة، ومن على قمة الصليب فاجأنا بكلماته: "يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا ٢٣: ٢٤). ترك لنا مثالًا أبديًا لا يُمحى للعدل. هذا أيضًا هو طريق قديسي الله. فلنسلك هذا الطريق أيضًا، يا إخوتي، لأنه ضرورة ملحة لنكون أهلًا للخير. فلنتعلم من هذا المثل، ولنتعلم أن نغفر لإخوتنا، حتى ننال نحن أيضًا رحمة الله ونعمته، ونستحق ملكوته السماوي.

 

 

الطروباريات

 

طروباريَّة القيامة باللَّحن الثاني

عندما انحدرتَ إلى الموت، أيُّها الحياةُ الذي لا يموت، حينئذٍ أمتَّ الجحيمَ ببرقِ لاهوتِك. وعندما أقمتَ الأمواتَ من تحتِ الثَّرى صرخَ نحوكَ جميعُ القوَّاتِ السَّماويّين: أيُّها المسيحُ الإله، معطي الحياةِ، المجدُ لك.

 

قنداق التجلّي باللحن السابع

تجلّيت أيّها المسيحُ الإله على الجبل، فعاين تلاميذك مجدك حسبما استطاعوا. حتّى انهم لما أبصروك مصلوبًا أدركوا أنّ موتك طوعي باختيارك. وكرزوا للعالم بأنّك أنتَ شعاعُ الآب حقًا.