موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ١٢ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
يوحنا العاشر يازجي: مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط هو مستقبل المنطقة بأسرها

أبونا :

 

لا ينبغي اختزال قضية الوجود المسيحي في الشرق الأوسط في مسألة «حماية الأقليات». فالحماية مهمة، شأنها شأن الأمن والحرية الدينية، لكن «علينا أن نطمح إلى ما هو أبعد من ذلك»، أي إلى مواطنة متساوية.

 

إنها رؤية لمجتمع لا يكتفي فيه المسيحيون «بمجرد البقاء، بل يشاركون فيه مشاركة كاملة»، ويكون فيه «المسلمون والمسيحيون وأتباع جميع الأديان والمعتقدات متساوين أمام القانون»، مجتمع «لا تكون فيه الهوية سببًا للإقصاء، بل يُعترف بالتنوع باعتباره جزءًا من غنى الأمة».

 

هذه هي التطلعات والمبادئ المتعلقة بالحكم الرشيد والكرامة الإنسانية والاستقرار التي عبّر عنها، صباح الجمعة، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي، خلال مشاركته في دير بوزيه بمنطقة بييلا الإيطالية، حيث اختتم اليوم، 11 أيلول، المؤتمر المسكوني الدولي الثاني والثلاثون للروحانية الأرثوذكسية.

 

وأشار البطريرك إلى أن المجتمع الذي يحمي حقوق أقلياته إنما يعزز في الوقت نفسه حقوق جميع مواطنيه.

 

 

مستقبل المسيحيين هو مستقبل الشرق الأوسط

 

جاءت كلمة البطريرك بعنوان: «حضور حي ومستقبل مشترك: مسيحيو الشرق الأوسط.. من ناجين إلى بناة سلام». وانطلق فيها لا من الحديث عن اختفاء المسيحيين، بل من حضورهم الأصيل والمشروع في الشرق الأوسط، مؤكدًا أنهم ليسوا عنصرًا غريبًا عن المنطقة.

 

وقال: «لقد وُلدت المسيحية هناك. وهناك تأسست جماعاتها الأولى، وفي أنطاكية دُعي التلاميذ مسيحيين للمرة الأولى، كما يروي سفر أعمال الرسل. وعلى مدى قرون، شارك المسيحيون في تاريخ تلك المنطقة وثقافتها وحياتها الفكرية وتنميتها. وكنائسهم وأديرتهم ومدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم هي جزء من التراث الحي للشرق الأوسط».

 

وأضاف: «لذلك، عندما نتحدث عن مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط، فإننا لا نتحدث ببساطة عن الحفاظ على فصل من التاريخ، بل عن مستقبل الشرق الأوسط نفسه». ولفت إلى أن حضور المسيحيين «لا يتعلق فقط بما يحتاجون إليه من المجتمع، بل أيضًا بما يقدمونه للمجتمع».

 

 

وقف هجرة الشباب

 

ولم يُخفِ البطريرك الصعوبات التي تعيشها مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، من النزاعات وانعدام الأمن والصعوبات الاقتصادية والتمييز، إلى النزوح والهجرة.

 

وأشار إلى أن أعداد المسيحيين تراجعت بصورة حادة في بعض الأماكن، مضيفًا أن «لعل الجانب الأكثر إيلامًا في هذا التراجع هو هجرة الشباب: رجال ونساء يغادرون بحثًا عن الأمن والفرص والتعليم والعمل ومستقبل لعائلاتهم».

 

وطرح بطريرك أنطاكية سؤالًا قال إنه يعني الجميع، بمن فيهم المسلمون: «أي نوع من الشرق الأوسط سنبني إذا لم يعد شبابه يؤمنون بأن بإمكانهم بناء مستقبلهم فيه؟».

 

وشدد على أن الجواب لا يمكن أن يقتصر على مطالبة المسيحيين بالبقاء، قائلاً: «علينا أن نساهم في إيجاد الظروف التي تجعل البقاء خيارًا ذا معنى. وهذا يتطلب، قبل كل شيء، أن نقدم لهم الرجاء؛ الرجاء في أن يتمكن أبناؤهم من النمو بأمان، وأن يكون للعمل مستقبل، وأن يكون بإمكانهم ممارسة إيمانهم بحرية. والرجاء في أن يكون لجماعتهم مكان في البلد الذي يسمونه وطنًا».

 

 

ثقافة المواطنة

 

وأكد يوحنا العاشر أن القيادة السياسية تؤدي دورًا أساسيًا في تغذية هذا الرجاء، مشددًا على أنه لا يمكن الاستمرار إلى ما لا نهاية في الاعتماد على أشكال استثنائية من الحماية والرعاية، أو على الاهتمام الدولي الذي يظهر عقب كل أزمة.

 

وقال: «ما نحتاج إليه هو مؤسسات أكثر صلابة وثقافة للمواطنة؛ مؤسسات تحمي كل مواطن، وقوانين تُطبّق بالتساوي على الجميع، وتعليم يعلّم الاحترام بدلًا من الانقسام، وأنظمة سياسية تتيح للمواطنين المشاركة بصرف النظر عن هويتهم الدينية، ومجتمعات لا يُنظر فيها إلى التنوع الديني والثقافي باعتباره تهديدًا، بل مصدرًا للقوة».

 

وأضاف أن المطلوب أيضًا توفير ضمانات تتعلق بالأمن والعدالة والحرية والفرص الاقتصادية، وهي ضمانات يستفيد منها الجميع، وليس المسيحيون وحدهم. وختم في هذا السياق بالقول: «إن الدفاع عن الوجود المسيحي لا يعني خلق الانفصال»، بل يعني «حماية المبدأ القائل إن لكل إنسان الحق في الانتماء والمشاركة والرجاء».

 

وكان البطريرك يوحنا العاشر قد وصل إلى دير بوزيه قادمًا من بيروت، حيث كان في استقباله رئيس الدير الأخ سابينو كيالا والمشاركون في المؤتمر. ويرافق البطريرك في زيارته إلى إيطاليا عدد من رؤساء الأساقفة، وقد ترأس بعد وصوله صلاة الغروب في كنيسة الدير.