موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأب جوزيف منير، كان قبطي كاثوليكي حاصل على الماجستير في اللاهوت العقائدي من الجامعة الغريغورية الحبرية
يقول القدّيس هيلاريوس خلال القرن الرّابع الميلاديّ: «إنَّ شرَّ الهراطقة يدفعنا إلى القول بالحرمانات، كأنَّنا نتسلق القمم الّتي لا تُطال، ونتكلّم في أمورٍ لا يُنطق بها، ونلجأ إلى تفاسير ممنوعة [...] إنَّ خطيئة الآخرين تُسقطنا نحن في خطيئة عرض الأسرار بلغةٍ بشريَّةٍ قاصرة، بينما هي وُجدت لنخدمها في سكون قلوبنا»[1]. سيظل يسوع المسيح سرًّا لا يدركه أحدٌ أو يحتويه بشرٌ، على مدار القرون يرافق الرّوح القدس كنيسته ليمنحها نعمةً في التّعبير عن هُوِّيَّة الابن المتجسّد، مهما بلغ فكرنا وتعبيرنا وصياغتنا لشخص يسوع المسيح سيظل ناقصًا ملتبسًا. نناقش معكم اليوم شخص يسوع المسيح ما بين الطبيعة والأقنوم، وما بين الطبيعة والطبيعتينِ.
أولاً: طبيعة المسيح كتابيًّا
+ «ليس أحدٌ صعدَ إلى السّماء إلاَّ الّذي نزلَ من السّماء، ابن الإنسان الّذي هو في السّماء» (يو٣: ١٣)
+ «الإنسان الأوّل من الأرض تُرابيٌّ. الإنسان الثّاني الرّبُّ من السّماء» (١كو١٥: ٤٧)
+ «أمَّا أنَّه صعدَ، فما هو إلاَّ أنَّه نزلَ أيضًا إلى أقسام الأرض السُّفلى. الّذي نزلَ هو الّذي صعدَ أيضًا فوق جميع السّماوات، لكي يملأ الكُلَّ» (أف٤: ٩-١٠).
س) هل معنى ذلك أنَّ للمسيح طبيعةٌ واحدةٌ فقط إلهيَّةٌ؟ ما موضع الطّبيعة البشريَّة من المسيح؟
. هناك آياتٌ كتابيَّةٌ تُظهر الطّبيعة الإلهيَّة للمسيح: «أنا والآب واحدٌ» (يو١٠: ٣٠)، «أبي يعمل حتّى الآن وأنا أعمل» (يو٥: ١٧)، «قبل أن يكونَ إبراهيم أنا كائنٌ» (يو٨: ٥٨).
. هناك أيضًا آياتٌ كتابيَّةٌ تُظهر الطّبيعة الإنسانيَّة للمسيح: حُبّل به من امرأةٍ، ينمو في القامة والحكمة، خاضعٌ للألم والجوع والعطش والتّعب، شابهنا في كُلِّ شيءٍ ماعدا الخطيَّة: «كان ينبغي أن يُشبه إخوته في كُلِّ شيءٍ» (عبر٢: ١٧)، «لأنَّي قد نزلتُ من السّماء، ليس لأعمل مشيئتي، بل مشيئة الّذي أرسلني» (يو٦: ٣٨).
. هناك آياتٌ كتابيَّةٌ تُظهر اتّحاد الطّبيعتينِ في المسيح يسوع: «هُوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا، ويدعون اسمه عمانوئيل، الّذي تفسيره: الله معنا» (مت١: ٢٣)، «الكلمة صار جسدًا» (يو١: ١٤)، «المسيح يسوع [...] الّذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسةً أن يكونَ مُعادلاً لله. لكنَّه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبدٍ» (في٢: ٦-٧)، «الابن نفسه أيضًا سيخضع للّذي أخضعَ له الكُلَّ» (١كو١٥: ٢٨).
ثانيًا: بدع الطّبيعة والطّبيعتينِ
(١) بدعٌ تنكر أو تقلل من إنسانيَّة يسوع: الأبوليناريَّة (أبوليناريوس اللاّذقاني: الكلمة في المسيح قامَ مقام النفس أو الرّوح)، المونفويزيَّة (أوطيخا: الطّبيعة الإلهيَّة وحدها في المسيح).
(٢) بدعٌ تنكر أو تقلل من أُلوهيَّة المسيح: التّبنويَّة (بولُس السّمساطي: يسوع ليس إلهًا، ولكنَّه تبناه الله - لو١: ٣٥)، الشّكلانيَّة (سابيليوس: إلهٌ واحدٌ يأخذ ثلاثة أشكال مختلفة)، الآريوسيَّة (يسوع أقل من الآب ووسيط بين الله والبشر).
(٣) بدعٌ لمست طريقة اتّحاد الطّبيعتينِ في المسيح: المظهريَّة (يسوع المسيح لم يكن له إلاَّ ظاهر الجسد، ولم يتألّم ولم يمت إلاَّ ظاهرًا)، النّسطوريَّة (الفصل بين يسوع الإله ويسوع الإنسان)، الأبوليناريَّة (اللّوغوس اتّحدَ بالجسد البشريِّ فقط دون النفس)، أصحاب الإرادة أو المشيئة الواحدة.
ثالثًا: مجمع أفسس ٤٣١م
. لاهوت مدرسة الإسكندريّة تنازلي، يُركّز على الله، لاهوت المسيح، الطّبيعة الإلهيَّة، «الكلمة صار بشرًا» (يو١: ١٤). في حين أنَّ لاهوت مدرسة أنطاكية تصاعدي، يُركّز على إنسانيَّة المسيح، الطّبيعتينِ، «حقًّا كان هذا ابن الله» (مت٢٧: ٥٤).
. نسطوريوس بطريرك القسطنطينيّة أعتقد ب:
(١) وجود طبيعتينِ (إلهيَّة، بشريَّة) في المسيح، وأيضًا أقنومينِ (إلهي، إنساني)، ولكُلِّ طبيعةٍ أقنومها. مشكلة نسطوريوس تكمن في طريقة فهم كيفيّة اتّحاد الطّبيعتينِ.
(٢) الكلمة اتّحدَ خارجيًّا وظاهريًّا بالجسد (قشرة الجسد) دون النفس، سكنَ في المسيح كهيكلٍ له.
(٣) رفض عبارة ق كيرلس الإسكندريّ "اتّحاد الطّبيعتينِ اتّحادًا شخصيًّا"؛ لأنَّ "شخص" في الفلسفة الأنطاكية تعني "طبيعة"، فهم يرّون أنَّ كُلَّ طبيعةٍ كاملةٍ هي شخصٌ. فعندما يقول ق كيرلس أنَّ الإله والإنسان اتّحدا في يسوع اتّحادًا شخصيًّا، يراها نسطوريوس وأتبّاعه أنَّهما أصبحا طبيعة واحدة، فيتهمون كيرلس بالسّقوط في بدعة أبوليناريوس.
(٤) رفض فكرة تبادل الخصائص أو تطبيقها على شخصٍ واحدٍ، حتّى لا ينقادوا للقول بأنَّ المسيح تألّمَ وماتَ بطبيعته الإلهيَّة[2].
(٥) رفض تلقيب العذراء ب"أم الله/والدة الإله"، مُعتبرًا إيَّاها أمّ يسوع الإنسان فقط (Cristotoxo)، فأمَّا أنَّ يسوع ليس إنسانًا كاملاً (بدعة أبوليناريوس)، أمَّا يسوع هو إلهٌ مخلوقٌ (آريوس).
. الفكر اللاّهوتيّ للقدّيس كيرلس الإسكندريّ يكمن في:
(١) مقولته الشّهيرة: «طبيعةٌ واحدةٌ للكلمة المُتجسّد»[3]، وكان يقصد بالطّبيعة الواحدة = الأقنوم الواحد = الشّخص الواحد، أي أنَّ يسوع المسيح هو طبيعةٌ واحدةٌ مُكوّنةٌ من عنصرينِ (إلهيّ وإنساني)، فقد كان يرّد بها على نسطوريوس، للتّأكيد على أنَّ المسيح أقنومٌ واحدٌ، فلا يمكن الفصل بين الإلهيَّ والبشريِّ. كان لهذه العبارة مفاهيمٌ خاطئةٌ: الميل لرفض ناسوت المسيح، رفض الخصائص الإنسانيَّة ليسوع المسيح، الاعتقاد بأنَّ ناسوت المسيح غير قابلٍ للفساد.
(٢) تشبيه القدّيس كيرلس عن اتَّحاد الطّبيعتينِ[4] في المسيح اتّحادًا شخصيًّا بين العنصرينِ الإلهيِّ والبشريِّ، كاتِّحاد النّار بالحديد أو الفحم، صفات النّار باقيةٌ وصفات الحديد/الفحم باقيةٌ، ولم يتبدل أي منهما إلى الآخر. إشعال الفحم بالنّار يشير إلى كمال اتّحاد اللاّهوت بالنّاسوت في شخص المسيح بغير اختلاطٍ ولا امتزاجٍ ولا تغييرٍ[5].
(٣) إنَّ رفض لقب "والدة الإله" هو رفض وحدة الشّخص في المسيح، فالمسيح شخصٌ واحدٌ له طبيعتانِ بينهما اتّصال (اتّصال الخصائص) Communication des Idiomes. ابن الله وُلد من مريم بحسب طبيعته البشريَّة، وابن مريم خلقَ الكون بحسب طبيعته الإلهيَّة: «نعترف بمسيحٍ واحدٍ هو الكلمة المولود من الآب وهو الّذي اتّخذَ جسدًا [...] بما أنَّ العذراء القدّيسة قد ولدت بالجسد الإله الّذي صارَ واحدًا مع الجسد بحسب الطّبيعة، فإنَّنا ندعوها والدة الإله» (رسالة كيرلس إلى نسطوريوس).
. قرّرَ مجمع أفسس حرمان نسطوريوس ونفاه، بتأكيد حُجة ق كيرلس الإسكندريّ والبابا سلستينوس.
رابعًا: قانون الوحدة ٤٣٣م
. وضع يُوحنّا بطريرك أنطاكية قانون الوحدة، وقد قبله ق كيرلس ووافقَ عليه، وهذا نصّه: «إنَّنا نعترف بأنَّ ربّنا يسوع المسيح، الابن الوحيد لله، هو إلهٌ حقٌّ، وإنسانٌ حقٌّ مُؤلفٌ من نفسٍ عاقلةٍ وجسدٍ؛ وإنَّه وُلد من الآب قبل كلّ الدّهور بحسب إلوهيّته؛ وإنَّه هو نفسه، في الأزمنة الأخيرة، وُلد، لأجلنا ولأجل خلاصنا، من مريم العذراء بحسب بشريّته؛ وأنَّه مُساوٍ للآب في الجوهر بحسب الأُلوهيَّة، وكذلك مساوٍ لنا بحسب البشريَّة. فقد صارَ اتّحاد من طبيعتينِ؛ لذلك لا نعترف إلاَّ بمسيحٍ واحدٍ، وابنٍ واحدٍ، وربٍّ واحدٍ. وبسبب هذا الاتّحاد المُنزّه عن أي اختلاطٍ، نعترف بأنَّ العذراء القدّيسة هي والدة الإله، لأنَّ الإله الكلمة قد صارَ جسدًا، قد صارَ إنسانًا، واتّحدَ، منذُ لحظة الحبّل به، بالهيكل الهذي أخذه منها»[6].
خامسًا: مجمع خليقدونيا ٤٥١م
. أوطيخا (بدعة الطّبيعة الواحدة Monophysisme): رئيس رُهبان/أرشمندريت أحد أديرة القسطنطينيَّة (يضم ٣٠٠ راهبًا) ٤٤٨م، نادى بأنَّ يسوع من طبيعتينِ (إلهيَّة، بشريَّة) قبل التّجسّد/الاتِّحاد، يسوع المسيح طبيعةٌ إلهيَّةٌ واحدةٌ بعد التّجسّد؛ لأنَّ الطّبيعة البشريَّة ذابت تمامًا في الطّبيعة الإلهيَّة[7] (النّاسوت غاصَ في بحر اللاّهوت) كذوبان قطرة خل في المحيط، بالتّالي تحمّل يسوع الآمه بطبيعته الإلهيَّة. استند أوطيخا في رأيه على قول ق كيرلس الإسكندريّ: «طبيعةٌ واحدةٌ للكلمة المُتجسّد»[8]. كما قال: «السّيد المسيح له المجد، لم يتّخذ من الحشا البتوليّ جسدًا مماثلاً لجسدنا، ولكنَّه مرَّ به مرورًا خياليًا».
. ديوسقورس البطريرك الإسكندريّ يرى أنَّ السّيّد المسيح من طبيعتينِ قبل الاتِّحاد، ولكنَّه يرفض التّحدّث عن طبيعتينِ بعد الاتّحاد.
س) هل المسيح هو طبيعةٌ واحدةٌ من طبيعتينِ مثل إيمان ق كيرلس الإسكندريّ أم هو في طبيعتينِ مثل إيمان البابا لاون؟
. تحدّث المجمع أنَّ المسيح أقنومٌ واحدٌ، من (en) طبيعتينِ قبل التّجسّد، وفي طبيعتينِ بعد التّجسّد؛ اتّحدتا اتِّحادًا سرّيًّا في الأقنوم الواحد، لكنَّما ظلتا متميزتينِ، وكُلُّ منهما احتفظت بخصائصها، فيما يُسمّى تبادل الصّفات (Communicatio Idiomatun)[9]. فالمجمع ينطلق من الوحدة (أقنومٌ واحدٌ، طبيعةٌ واحدةٌ للكلمة المُتجسّد) نحو التّمايز (طبيعتانِ كاملتانِ لأقنومٍ/شخصٍ واحدٍ يسوع المسيح): «المسيح الأحد نفسه ابن وحيدٍ، ابن، ربّ، مُعترفٌ به في طبيعتينِ اثنتينِ [...] هو نفسه تامٌّ في الأُلوهيّة وتامٌّ في البشريَّة، إلهٌ حقٌّ وإنسانٌ حقٌّ، وهو نفسه مُكوّنٌ من نفسٍ عاقلةٍ وجسدٍ. إنَّه مُساوٍ للآب في الألُوهيَّة ومُساوٍ لنا في البشريَّة [...] يجب الاعتراف به في طبيعتينِ متّحدتينِ دون اختلاطٍ ولا تحوّلٍ ولا انقسامٍ ولا انفصالٍ. إنَّ اتّحاد الطّبيعتينِ لم يُزل ولم يُلغ بأي شكلٍ من الأشكال ما فيهما من تباينٍ، بل على العكس من ذلك، قد حُفظت سالمةً جميع خصائص الطّبيعتينِ اللّتينِ اتّحدتا في شخصٍ واحدٍ وأقنومٍ واحدٍ. وهو لم ينقسم ولم ينفصل إلى شخصينِ، بل واحدٌ هو».
. لقدَ وضحَ مجمع خليقدونيّة نقطتينِ هامتينِ:
(١) وحدة الشّخص: يسوع المسيح شخصٌ واحدٌ.
(٢) حفاظ كُلّ طبيعةٍ على خصائصها في وحدة الشّخص.
. مقتطفات من رسالة البابا لاون إلى فلابيانوس بطريرك القسطنطينيّة ٤٤٩م تمَّ قرأتها أثناء المجمع: «إنَّ الّذي هو إلهٌ حقٌّ هو نفسه إنسانٌ حقٌّ. وليس في هذا الاتّحاد أي خداعٍ. فاتضاع الإنسان وسمو الله حاضرانِ معًا في علاقةٍ تبادلٍ. وكما أنَّ الإله لا يتغيّر عندما يتحنن على الجموع، كذلك الإنسان لا يذوب في الكرامة الإلهيَّة. فإنَّ كلّتا الطّبيعتينِ تعمل، بالاتّحاد مع الأخرى، ما هو خاصٌّ بها [...] كما أنَّ الكلمة لم ينفصل عن مُساواة مجد الآب، كذلك الجسد لم يفارق طبيعتنا البشريَّة. واحدٌ هو [...] حقًّا ابن الله وحقًّا ابن الإنسان [...] ولادة الجسد هي ظهور الطّبيعة البشريَّة، والولادة من عذراءٍ هي علامة القدرة الإلهيَّة [...] وبسبب وحدة الشّخص هذه الّتي تجمع بين الطّبيعتينِ نقول إنَّ ابن الإنسان نزلَ من السّماء، عندما نتكلّم عن اتّخاذ ابن الله جسدًا من العذراء الّتي وُلدَ منها [...] ابن الله صُلب ودُفن، بينما لم يتعذّب في أُلوهيّته نفسها [...] إنَّما في ضُعف الطّبيعة البشريَّة».
. من ثمار مجمع خليقدونيا: حرم ديوسقورس بطريرك الإسكندريّة بسبب تصرفه العنيف وفرض رأيه على آباء المجمع مع زمرة من رهبانه (١٣٥ راهبًا) في مجمع لصوصيَّة أفسس ٤٤٩م، حرم أوطيخا وبدعته، الانقسام بين الخليقدونيّين أصحاب الطّبيعتينِ (Diophysite) واللاّخليقدونيّين أصحاب الطّبيعة الواحدة (Monophysite).
. انقسمت الكنيسة المصريَّة عن باقي الكنائس في عصر ديوسقورس بطريرك الإسكندرية ولاون بابا روما. لم يكن الانقسام فقط على اختلاف فهم المصطلحات اليونانيَّة "طبيعة" و"شخص"[10]، بل كانت هناك أيضًا صراعات سياسيَّة حول ترتيب الكراسي؛ ما بين روما (كرسي ق بطرس) والقسطنطينيَّة (مقر إمبراطور الشّرق) والإسكندريَّة (تاريخ وعظمة بطاركتها ومدرسة الإسكندريّة). كذلك على ما حدثَ من استخدام العنف من قبل ديوسقورس بطريرك الإسكندريّة ورهبانه، في فرض رآيهم في مجمع لصوصيَّة أفسس ٤٤٩م.
سادسًا: ما بعد خليقدونيّا
. برسوم النّاسك ويعقوب البرادعي (أسقف رها سريان أرثوذكس ٥٥٠م) يعتقدانِ بوجود طبيعةٍ واحدةٍ في المسيح دون معنى أوطيخا، حيثُ يذكر الأنبا غريغوريوس المتنيح (أسقف البحث العلمي): «بينما يقول يوطيخا باندماج الطّبيعة النّاسوتيَّة وتلاشيها في الطّبيعة اللاّهوتيَّة، تقول كنيستنا بطبيعةٍ واحدةٍ لها صفات الطّبيعتينِ، وتنكر أن يكونَ قد حدثَ بين اللاّهوت والنّاسوت اختلاطٌ، أو امتزاجٌ، أو استحالةٌ، أو تغييرٌ»[11].
+ «لاهوته لم يُفارق ناسوته لحظةً واحدةً أو طرفة عينٍ [...] جعله واحدًا مع لاهوته بغير اختلاطٍ، ولا امتزاجٍ، ولا تغييرٍ» (الاعتراف الأخير، القدّاس الباسيليّ).
. هراكليوس ملك الرّوم ٦٢٢م: المسيح ذا طبيعتينِ متمايزتينِ ومشيئةٍ واحدةٍ.
. قاوم صفرونيوس بطريرك أُورشليم هذه البدعة، وتمَّ حرمانها في مجمع القسطنطينيَّة الثّالث ٦٨١م: «إنَّنا نعترف ونُعلن أنَّ في المسيح إرادتينِ وفعلينِ دون انقسامٍ ولا اختلاطٍ [...] الإرادتين لم تتضادا قط [...] إراداته الإنسانيَّة لم تُخالف قط إرادته الإلهيَّة، بل كانت دائمًا خاضعةً لها [...] أثناسيوس الرّسولي يقول: "كما أنَّ الجسد المأخوذ من مريم يُدعى جسد الكلمة وهو جسده بالحقيقة، كذلك إرادة الجسد تُدعى إرادة الكلمة وهي إرادته الحقيقيّة».
سابعًا: اختلاط المفاهيم
. على المستوى الفلسفيِّ، يشرح أرسطو معنى الأقنوم: جوهرٌ مُستقلٌ بذاته خاصٌّ بنفسه، ولا يمكن باعتبار كونه أقنومًا أن يكونَ لغيره. كما يُعرّف الطّبيعة: الجوهر باعتبار أنَّه المصدر البعيد للأعمال، وأمَّا القوى فهي المصدر القريب للأعمال.
. الطّبيعة خاصّة تختلف من كائنٍ لآخر، لا تقوم إلاَّ بوجود شخصٍ يحملها، فهي منفتحةٌ لتقبّل الأشخاص.
. هناك خلط في المفاهيم على المستوى اللاّهوتي خلال القرون الأولى حول معنى لفظتى "طبيعة"، "أقنوم":
(١) لفظ "شخص" (Ipostasi) مصطلحٌ كتابيٌّ، بينما لفظ "طبيعة" (Ousia) غير كتابي.
(٢) أتبّاع سابيليوس ومارقيون (حوالي ق٢-٣م): طبيعةٌ واحدةٌ لله، كلمة "أقنوم" (Hypostasis) مُرادفةٌ لكلمة "طبيعة" (Ousia). الآب والابن والرّوح القدّس هم ثلاثة أشخاص مختلفين.
(٣) العلاّمة أوريجانوس أدخلَ تعريف ثلاثة أقانيم، وتجاهل استخدام كلمة طبيعة، حيثُ يراها مصطلحًا غير جيّدًا للحديث عن الله.
(٤) في مجمع نيقيّا ٣٢٥م، تمَّ استخدام مصطلح فلسفي “Omoousios” مساوٍ للآب في الجوهر. أثار هذا المصطلح الفلسفي غير الكتابي العديد من الشّكوك والمتاعب للقدّيس أثناسيوس الرّسولي على مدار نصف قرنٍ. لم يكن الفرق بين المصطلحينِ (أقنوم، طبيعة) واضحًا تمامًا؛ فكثيرون لم يستطيعوا التّمييز بين الاختلاف بين الطّبيعة والأقنوم، فالبعض يُؤكد بوجود جوهر واحد داخل الثّالوث، والبعض الآخر يتحدّث عن أقنومٍ واحدٍ والعكس، والمشكلة ظهرت في مَنْ يؤمن بثلاثة أقانيم يؤمن بثلاث طبائع أو جواهر.
(٥) أساقفة أنطاكية في Atanasio De Synodis ٣٤١م استخدموا تعبير ثلاثة أقانيم، ثلاثة أصوات متناغمة، ولم يستخدموا لفظة "طبيعة".
(٦) اختلاف الثّقافتينِ اليونانيَّة واللاّتينيَّة: الآباء الكبادوكيّين اليونانيّون نادوا بالثّالوث هو ثلاثة أقانيم وطبيعة واحدة، وعندما تُرجمت كلمة "أقنوم" باللّغة اللاّتينيَّة كانت "طبيعة"، فظنَّ الآباء اللاّتين أنَّهم يؤمنون بوجود ثلاث طبائع في المسيح، وعلى النّقيض عندما استخدمَ اليونانيّون لفظة "شخص" (Prospono)، والّتي تعني القناع، ظنَّوا أنَّ اللاّتين سقطوا في بدعة الشّكلانيَّة لسابيليوس ٢١٥م: ثلاث طرق/أشكال مختلفة لأُلوهيَّةٍ واحدة.
(٧) استخدمَ القدّيس كيرلس الإسكندريّ تعبير "طبيعةٌ واحدةٌ للكلمة المُتجسّد"، حيثُ يعني بلفظة "طبيعة" شخص، فيسوع هو شخصٌ واحدٌ يتكوّن من عنصرينِ (إلهي، إنساني). في حين أنَّ لغة أنطاكية والقسطنطينيّة، تفهم لفظ "طبيعة" بأنَّها الخصائص الّتي تُحدّد الكائنات وتُميّزها بعضها بعضًا، فالطّبيعة البشريَّة تتميّز بخصائص مُحدّدة كالعقل والحُرِّيَّة، والطّبيعة الإلهيَّة تتميّز بالأزليَّة والقدرة والتّنزه عن الألم والفساد والموت. وهذا ما نعينه اليومَ بلفظة "طبيعة": المسيح شخصٌ/أقنومٌ واحدٌ له طبيعتانِ (إلهيَّة، بشريَّة).
(٨) لدّينا تساؤل: عندما نادى أوطيخا بطبيعةٍ واحدةٍ للمسيح، ماذا كان يقصد بلفظة "طبيعة": شخص (القدّيس كيرلس) أم خصائص الشّخص؟ فإذا كان يقصد شخص فإذًا تعاليمه صحيحةً، وإذا كان يقصد خصائص الشّخص، فإذن تعاليمه خاطئةً.
ثامنًا: حول فهم اتّحاد طبيعتي المسيح في شخصه الواحد
(١) لا يعني حدوث تغيير في الطبيعة الإلهيَّة، فلم يتبدل الله إلى إنسانٍ. فالفعل "صار" في «الكلمة صار جسدًا» (يو١: ١٤) يشير إلى إضافة حالة جديدة دون زوال الحالة الأوّلى، إضافة وليس تغييرًا.
(٢) لا يعني اتّحاد طبيعتينِ اتّحادًا زمنيًّا مؤقتًا محدودًا أثناء مدة التّجسُّد على الأرض، بل اتّحادًا أبديًّا.
(٣) لا يعني مزج الطبيعتينِ: لا رفع أو تقليل لطبيعةٍ على الأخرى. فلا الطّبيعة الإلهيَّة تفقد شيئًا من ألوهيتها باتحادها بالطبيعة البشريَّة، ولا أنَّ الطبيعة البشريَّة تأخذ مكانة أعلى وأرفع باتحادها بالطبيعة الإلهيَّة. الطبيعة الإلهيَّة تحافظ على كمالها، في حين أنَّ الطبيعة البشريَّة تحافظ على محدوديتها.
(٤) لا يعني وجود طبيعتينِ وجود شخصينِ، فيسوع المسيح شخصٌ واحدٌ: «لم يوحِّد ابن الله نفسه مع إنسانٍ، بل مع طبيعةٍ بشريَّةٍ»[12].
(٥) لا يعني استقلاليّة الطبيعتينِ: اتّحاد الطبيعتينِ دون انفصالٍ يضمن عصمة المسيح من أية خطيَّةٍ. هناك انسجامٌ وتناغمٌ بين الطبيعتينِ، فالواحدة لا تعمل دون الأخرى.
(٦) تداخّل الخصائص يعني أنَّ لاهوته لم يُفارق ناسوته لحظةً واحدةً ولا طرفة عين. اللاّهوت أشرك النّاسوت في المعجزات، والنّاسوت أشرك اللاّهوت في الآلام.
(٧) الطبيعة لا تصبح واقعيَّةً إلاَّ في الأقنوم وبالأقنوم، فمن خصائصها أن تكونَ ملكًا للأقنوم. فلا يوجد تناقضٌ إذا امتلكَ الأقنوم الواحد طبيعتينِ، مادامت الطبيعة ملكًا للأقنوم يحققها في الوجود. فكُلُّ الأفعال تصدر عن الطبيعة، ولكنَّها تُنسب إلى الأقنوم.
تاسعًا: تعليم الكنيسة الكاثوليكيَّة (٤٦٤-٤٦٩)
. المسيح المُتجسّد أقنومٌ واحدٌ إلهيٌّ/أقنوم الكلمة الأزليّ، له طبيعتانِ إلهيَّةٌ وبشريَّةٌ، له مشيئتانِ إلهيَّةٌ وبشريَّةٌ.
. بند ٤٦٤: يسوع المسيح هو إلهٌ حقٌّ وإنسانٌ حقٌّ.
. بند ٤٦٦: أعلن مجمع أفسس ٤٣١م أنَّ مريم أصبحت في الحقيقة والدة الإله بالحبّل البشريِّ بابن الله في أحشائها: «والدة الإله، لا لكون كلمة الله اتّخذ منها طبيعته الإلهيَّة، ولكن لكونه اتّخذ منها الجسد المُقدّس مقرونًا بنفسٍ عاقلةٍ، والّذي اتّحدَ به الكلمة شخصيًّا، فكان أنَّه وُلدَ بحسب الجسد»[13].
. بند ٤٦٧: أصحاب الطّبيعة الواحدة يذهبون إلى أنَّ الطّبيعة البشريَّة توقّف وجودها في المسيح كطبيعةٍ بشريَّةٍ عندما تلبّسَ بها شخصه الإلهيّ كابنٍ لله: «يجب أن نعترفَ به في طبيعتينِ، غير مختلطتينِ، وغير متغيّرتينِ ولا منقسمتينِ، ولا منفصلتينِ. إنَّ اختلاف الطّبيعتينِ لم يُلغه اتّحادهما، بل بالحرّي احتفظت كُلُّ واحدةٍ بميزاتها، واجتمعت كلّها في شخصٍ واحدٍ وأقنومٍ واحدٍ»[14].
عاشرًا: إرهاصات الوحدة
. يذكر الأنبا غريغوريوس - المتنيح أسقف البحث العلمي – أنَّه لدّينا نفس الإيمان، ولكن مع اختلاف الألفاظ: «نؤمن بطبيعةٍ واحدةٍ. هذه الطّبيعة ليست هي اللاّهوت وحده، وليست هي النّاسوت وحده. إنَّها طبيعةٌ واحدةٌ لها صفاتٌ وخصائص الطّبيعتينِ معًا، وبدون اختلاطٍ وبدون امتزاجٍ وبدون تغييرٍ»[15].
. من نصوص البيان المشترك بين البابا بولُس السّادس والبابا شنودة الثّالث في ١٠ مايو ١٩٧٣م بالفاتيكان: «نقرُّ بأنَّ ربّنا وإلهنا ومخلّصنا وملكنا كُلّنا، يسوع المسيح، إلهٌ كاملٌ من حيثُ لاهوته، إنسانٌ كاملٌ من حيثُ ناسوته، وأنَّ فيه قد اتِّحدَ اللاّهوت بالنّاسوت اتِّحادًا حقيقيًّا كاملاً بغير اختلاطٍ ولا امتزاجٍ ولا تشويشٍ ولا تغييرٍ، ولا تقسيمٍ، ولا افتراقٍ. فلاهوته لم يُفارق ناسوته لحظةً واحدةً أو طرفة عين، وأنَّه هو الإله الأزلي غير المنظور، صار منظورًا في الجسد، واتِّخذَ صورة عبد وفيه حُفظت كلّ خصائص اللاّهوت وكلّ خصائص النّاسوت جميعًا باتِّحادٍ حقيقيٍّ كاملٍ، اتّحاد لا يقبل التّجزئة أو الانقسام ولا يقبل الانفصال».
* الخُلاصة
. إنَّ إلغاء طبيعةٍ من طبائع المسيح يُحطّم عمل الفداء.
. وجود طبيعتينِ في المسيح لا يشترط وجود أقنومين كما أعتقدَ نسطوريوس، كذلك كما نادى أوطيخا بوجود أقنومٍ واحدٍ وطبيعةٍ واحدةٍ في المسيح. هذه كُلُّها بدعٌ وهرطقاتٌ.
. كثيرًا ما تُتهم الكنيسة الكاثوليكيَّة اليوم، بإنَّنا نقول إنَّ للمسيح طبيعتينِ، بأنَّنا نعبد مسيحيّنِ (شخصان للمسيح)، وهذا ليس صحيحًا.
. في المسيح، الطّبيعة البشريَّة يتقبّلها شخص ابن الله الكائن منذُ الأزل مع الآب، شخصٌ قائمٌ في الطّبيعة الإلهيَّة الواحدة مع الآب والرّوح القدّس. بعد التّجسّد يتّخذ طبيعةً بشريَّةً، فيصبح شخصًا واحدًا بطبيعتينِ.
المصادر والمراجع
- التّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيَّة، التّرجمة العربيّة، المكتبة البولسيَّة، لبنان، ١٩٩٩.
- بولس غريغوريوس-وليم لازاريث-نيكوس نيسيوتيس، مجمع خليقدونية أيفرّق أم يجمع؟ نحو تقارب في المسيحانية الأرثوذكسية، تعريب الأب ميشال نجم، منشورات النور، لبنان، ١٩٨٧.
- بيشوي (مطران)، يا أخوتنا الكاثوليك متّى يكون اللّقاء؟ ج١ بين الماضي والحاضر، مطبعة الأنبا رويس الأوفست، القاهرة، ٢٠٠١.
- جوزيف منير (أب)، مَنْ يقول النّاس إنَّي أنا؟!!!، دار لوغوس، القاهرة، ٢٠٢٤.
- رافائيل فريد (قس)، الكنيسة القبطيَّة والمجامع المسكونيَّة، دار الطباعة القوميَّة، القاهرة، ١٩٩١.
- سليم بسترس (أب)، اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر ج١، الفكر المسيحي بين الأمس واليوم =٢، منشورات المكتبة البولسية، لبنان، ١٩٨٤.
- عماد شحاده (د)، الله معنا ومن دوننا، دار منهل الحياة، لبنان، ٢٠٢٠.
- غريغوريوس (أنبا)، اللاّهوت المُقارن، منير عطيّة، موسوعة الأنبا غريغوريوس = ١، شركة الطباعة المصريَّة، القاهرة، ٢٠٠٣.
- فرنسيس قزمان (منسنينور)، ردّ الثّلاثة وأربعين سهم، المطبعة المصريَّة الأهليَّة، القاهرة، ١٩٢١.
- كارل راهنر – هربرت فورغريملر، معجم اللاّهوت الكاثوليكيّ، تعريب عبده خليفة (مطران)، دار المشرق، بيروت، ١٩٨٦.
[1] جوزيف منير (أب)، منَ يقول النّاس إنَّي أنا؟!!!، حاشية رقم (٢)، ص١٠.
[2] لذلك يرى بعض مؤرخي اللاّهوت اليومَ أنَّ أفكار نسطوريوس لم تكن خاطئةً، بل كان الخلاف على الألفاظ، وتفسير القدّيس كيرلس الخاطئ لنسطوريوس.
[3] في عصر القدّيس أثناسيوس الرّسوليّ والقدّيس كيرلس الكبير كانت ألفاظ (طبيعة، أقنوم، شخص) مُترادفةً ومُتماثلةً ومُتطابقةً. القدّيس كيرلس يذكر قائلاً: «طبيعة الكلمة أي الأقنوم الّذي هو الكلمة نفسه».
[4] هناك أربعة تشابيه عن حالة الطبيعة البشريَّة بعد اتّحادها بالمسيح:
(١) المملوك يُحدث تغييرًا في المالك دون أن يتغيّرَ: الحكمة التّي يكتسبها الجاهل، فالجاهل يتحوّل إلى حكيمٍ، أمَّا الحكمة تبقى دون تغييرٍ.
(٢) المملوك يُحدث تغييرًا في المالك ويتغيّر هو أيضًا: الطعام الّذي يتناوله الآكل، كلاهما يتحوّلان.
(٣) المملوك والمالك يتغيران: الخاتم الّذي يُوضع في الأصبع، لا الخاتم ولا الأصبع يتغيّرانِ.
(٤) المملوك لا يُحدث تغييرًا في المالك: الثّوب الّذي يتّخذ شكل الجسم دون أن يتغيّرَ الجسم.
. فقط التّشبيه الرّابع ينطبق على اتّحاد الطبيعة البشريَّة بالمسيح؛ فالمسيح لا يتغيّر، والطبيعة البشريَّة ظلّت كما هي في صميم جوهرها (لم تذب في الطبيعة الإلهيَّة كما نادى أوطيخا)، ولكنَّها اغتنت وامتلأت روحيًّا من نعمةٍ وعلمٍ وفضيلةٍ.
[5] را. جوزيف منير (أب)، منَ يقول النّاس إنَّي أنا؟!!!، حاشية رقم (١٥١)، ص١٥١. كذلك يمكننا تشبيه اتّحاد اللاّهوت بالنّاسوت باتّحاد الجسد بالنفس في شخصٍ واحدٍ: «إنَّ البعض يفهمون هذا الاتّحاد كاتّحاد النفس مع الجسد، ويُطابق التّشبيه لا من كُلِّ جهةٍ، لكن من جهةٍ فقط». من أوجه الشّبه: (١) اتّحاد النفس بالجسد يقرّب إمكانية فهم التّجسُّد الإلهيِّ: «كما أنَّ شيئًا ماديًّا وشيئًا غير مادي أعني بهما النفس والجسد اتّحدا معًا لتقويم الإنسان، هكذا الإنسان اتّحد بالله فصار المسيح» (القدّيس أغسطينوس، عظة ٣٧١). (٢) اتّحاد النفس بالجسد ليس اتّحادًا أدبيًّا أو ظاهريًّا، بل جوهريًّا/ذاتيًّا. كذلك اتّحاد الكلمة بالطبيعة البشريَّة هو اتّحادٌ حقيقيٌّ أقنوميٌّ. (٣) لا يقوم اتّحاد النفس بالجسد إلاَّ في شخصٍ واحدٍ وأقنومٍ واحدٍ، هكذا اتّحاد اللاّهوت بالنّاسوت لا يقوم إلاَّ في مسيحٍ واحدٍ وأقنومٍ واحدٍ: «هما (الرّوح والجسد) إنسانٌ واحدٌ أي شخص واحد وأقنوم واحد. كذلك من اللاّهوت والنّاسوت يقوم مسيحٌ واحدٌ لا مسيحانِ، وابنٌ واحدٌ لا ابنانِ» (القدّيس كيرلس الإسكندريّ، رسالته إلى سوقيسوس)، «هو إلهٌ وإنسانٌ المسيح الواحد، هو إنسانٌ وإلهٌ. مثلما هو إنسانٌ واحدٌ النفس والجسد. وليس الإله والإنسان أقنومينِ، فإنَّه في المسيح يوجد جوهرانِ أي الإله والإنسان لكن أقنوم واحد» (القدّيس أغسطينوس، ميمر ١٣٠). من أوجه الخلاف: (١) إنسانيّة يسوع ليس لها وجود خارج الكلمة، في حين أنَّ الكلمة موجودٌ بمعزل عن إنسانيّته قبل التّجسُّد. (٢) النفس في الإنسان هي الّتي تحيي الجسد، بدونها الجسد ميت، بينما اللاّهوت لا يعطي حياةً للنّاسوت، لأنَّ إنسانيّة يسوع كاملةٌ في سماتها وخصائصها وتشمل جسد حقيقي ونفس عاقلة. (٣) النفس والجسد متكاملانِ في الإنسان، يحتاج كُلُّ منهما للآخر. الجسد لا يتحرك ولا يحس ولا يحيا إلاَّ بالنفس، لكن الطبيعة البشريَّة للمسيح لا تحتاج للطبيعة الإلهيّة للقيام بأعمالها الجسديَّة والرّوحيَّة. (٤) يمكن فصل النفس عن الجسد بالموت، لكن في المسيح لاهوته لم يُفارق ناسوته لحظةً واحدةً ولا غمضة عين. لحظة موت يسوع انفصلتِ النفس البشريَّة عن الجسد المدفون في القبر، ولكن اللاّهوت ظلَّ متّحدًا بهما. (٥) اتّحاد النفس بالجسد في الإنسان يكونا طبيعةً واحدةً بشريَّةً في شخصٍ واحدٍ، أمَّا اتّحاد اللاّهوت بالنّاسوت في المسيح يكوّن طبيعةً إلهيَّةً وطبيعةً إنسانيَّةً في شخصٍ واحدٍ هو شخص "الكلمة المُتجسّد".
[6] سليم بسترس (أب)، اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر ج١، ١٩٨٤، ص١٧٢.
[7] اللّوغوس استوعبَ الطّبيعة النّاسوتيَّة وابتلعها وحوّلها وألهها معه، فجوهر النّاسوت قد توقفَ عن وجوده في الكلمة الّذي صار جسدًا.
[8] استخدمَ القدّيس كيرلس الإسكندريّ هذه العبارة ظنًّا منه أنَّها ترجع إلى القدّيس أثناسيوس الرّسوليّ، لكنَّها في الواقع تعود إلى أبوليناريوس.
[9] تبادل الصّفاتCommunicatio Idiomatum : في المسيح أقنوم واحد وطبيعتانِ، الطبيعتانِ اتحدتا بالحقيقة اتحادًا سرِّيًّا في أقنومٍ واحدٍ، لكن ظلتا متميزتينِ، احتفظتْ كلّ منهما بخصائصها، وخصائص كلّ طبيعةٍ منها تختصّ بذات الأقنوم الواحد وتُنسب بحقٍّ إليه. إنَّه يوجد في نفس الوقت في الطبيعة الإلهيَّة وفي الطبيعة الإنسانيَّة، إنَّه يحيا دائمًا في الدّائرتينِ معًا. فالخبرات الإلهيَّة على وجه الدّقة، والخبرات الإنسانيَّة على وجه الدّقة هي جميعًا خبراته، وهي خبراته بفضل طبيعته المختلفتينِ. مجموعة الخبرات الأوّلى هي خبراته لأنَّه أقنومٌ إلهيٌّ، ومجموعة الخبرات الثّانية هي كذلك خبراته لأنَّه أقنومٌ إنسانيٌّ. ثمَّ أنَّ الأقنوم الواحد بعينه له تسميات مختلفة تبعًا للطبيعتينِ المختلفتينِ. هو ابن الله بفضل الطبيعة الإلهيَّة، وهو ابن الإنسان بفضل الطبيعة البشريَّة، وليس مهمًا الاسم الّذي يُدعى، لأنَّه هو الأقنوم الواحد عينه الّذي يُشار إليه، لذلك فإنَّ الخبرات الّتي يتعرّض لها الأقنوم الواحد بفضل طبيعته الإلهيَّة يمكن أن تُنسبَ إلى ابن الإنسان، وبالمثل الخبرات الّتي يتعرّض لها بسبب طبيعته الإنسانيَّة يمكن أن تُنسبَ إلى ابن الله. وعلى ذلك، فالأقنوم الواحد بعينه يتصف بأسماء الطبيعتينِ وخصائصهما وخبراتهما. را. غريغوريوس (أنبا)، اللاّهوت المقارن ج١، ص٢٠٣-٢٠٤.
[10] الشّخص هو الذات المنفصل عن الآخر، كما في البشر، فهناك تمييزٌ وانفصالٌ بين كُلِّ شخصٍ وآخر. لكُلِّ شخصٍ جوهره الخاصّ المستقل عن الآخرين. استخدام كلمة "شخص" ضروريٌّ ومهمٌ؛ لأنَّها تعبّر عن حقيقةٍ أنَّ الله قائمٌ في علاقةٍ حقيقيَّةٍ وسرمديَّةٍ ما بين شخصياتٍ حقيقيَّةٍ، كما يشير إلى العلائقيَّة. ولكنَّها غير كافيةٍ وغير كاملةٍ؛ لأنَّها تنقص استخدامها وحدها للإشارة إلى الآب أو الابن أو الرّوح القدس دون توضيح تفرّد هذا الاستخدام. يرى ديكارت وجون لوك وليبنز أنَّ الشّخص هو إدراك الذّات. في الفلسفة الحديثة الشّخص هو كائنٌ عاقلٌ له حقوقٌ وعليه واجباتٌ، مسئولٌ عن كُلِّ أعماله، لا يستطيع أن ينصرف عنها أو يلقيها على عاتق آخر. بينما الأقنوم هو الفرد القائم في طبيعةٍ عاقلةٍ، وفي الثّالوث كُلُّ أقنومٍ هو ذاتٌ واحدةٌ هي ذات الله لا شريك ولا نظير له، يتميّز عن الآخر في الأقنوميّة، هم واحدٌ في الجوهر بكُلِّ خصائصه وصفاته ومميّزاته، لأنَّهم ذات الله الواحد. تمييزٌ دون انفصالٍ، جوهرٌ مشتركٌ للكُلِّ، وجود الواحد معتمدٌ تبادليًّا على وجود الآخرين. را. عماد شحاده (د)، الله معنا ومن دوننا، ص١٤٦-١٤٧.
[11] غريغوريوس (أنبا)، اللاّهوت المُقارن، منير عطيّة، موسوعة الأنبا غريغوريوس = ١، ٢٠٠٣، ص٢٠٩.
[12] Charles Hodge, Systematic Theology, 2:391.
[13] را. مجمع أفسس، رسالة كيرلس الإسكندريّ الثّانية إلى نسطوريوس، د. ٢٥١.
[14] را. مجمع خليقدونيّة، قانون الإيمان: د ٣٠١-٣٠٢.
[15] غريغوريوس (أنبا)، اللاّهوت المُقارن، منير عطيّة، موسوعة الأنبا غريغوريوس = ١، ٢٠٠٣، ص٢٣٢.