موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
في عائلة مؤلفة من اثني عشر ابنًا وابنة، اختار ستة من الأبناء طريق الكهنوت، ودخلت ابنتان الحياة الرهبانية، فيما تزوّج ثلاثة من الأبناء، وتوفيت ابنة في سن مبكرة. ومن قلب منزل أرجنتيني بسيط، وبفضل ثقة عميقة بالله وحياة عائلية متجذرة في الصلاة، تحولت قصة سونيا لياورو دي إيبارا وعائلتها إلى شهادة لافتة للإيمان والانفتاح على الدعوة.
أنجبت سونيا، خلال عشرين عامًا، اثني عشر ابنًا وابنة. وبالتعاون مع زوجها دييغو إيبارا، حرصت على تنشئة أبنائهما في أجواء من الصلاة والخدمة والانفتاح على نداء الله، لتثمر هذه البيئة العائلية مع مرور السنوات عددًا استثنائيًا من الدعوات لخدمة الكنيسة. وتقول سونيا، متحدثة بتأثر عن أبنائها وبناتها المكرسين لله: «لا أستطيع أن أشرح حجم ما نلناه عندما وثقنا بدعوة الله لأبنائنا وبما أراد أن يمنحهم إياه».
ولدت سونيا في بوينس آيرس بالأرجنتين، في عائلة كاثوليكية لم تكن ممارسة للإيمان. وفي الثامنة عشرة من عمرها تزوجت دييغو إيبارا، قبل أن تشهد في السنوات الأولى من زواجها تحولًا روحيًا عميقًا بعد مشاركتها في الرياضات الروحية للقديس إغناطيوس دي لويولا.
ومنذ ذلك الحين، واظبت على القيام بالرياضات الروحية سنويًا. وتقول: «لقد غيّرت حياتي، وأدركت أنها وسيلة مهمة جدًا لارتداد النفوس». وتضيف: «كانت وسيلة لأمتلئ من الله، لكي أستطيع أن أملأ أبنائي من الله. فإذا لم يكن الإنسان ممتلئًا من الله، فلن يستطيع أن يعطي شيئًا». وأصبحت الصلاة مع الأبناء جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية في منزل إيبارا؛ فكانت العائلة تصلي المسبحة الوردية معًا، وتشارك يوميًا في أوقات للسجود أمام القربان الأقدس.
وتقرّ سونيا بأن الأمر لم يكن سهلًا دائمًا، ولا سيما مع حركة الأطفال وعدم قدرتهم أحيانًا على البقاء بهدوء، إلا أنها تشدد على أهمية أن تعرّف الأمهات أبناءهن، منذ الصغر، إلى حضور السيد المسيح الحي والحقيقي في سر القربان الأقدس.
وتشجع سونيا الآباء والأمهات على مساندة أبنائهم بسخاء عندما يكتشفون في داخلهم دعوة خاصة من الله. وتقول: «إذا دعاهم الله إلى تكريس حياتهم له ككهنة أو رهبان وراهبات، فلأنهم سيكونون سعداء ويصبحون قديسين عظماء. الله لا يدعوهم لكي يجعلهم تعساء».
وتشبّه الدعوة بشعلة صغيرة تشتعل في شمعة، متوجهة إلى الأهل بالقول: «لا تطفئوا تلك الشعلة الصغيرة، أيها الآباء والأمهات. إذا أراد ابنكم دخول الإكليريكية، فلا تخافوا من أن توكلوه إلى الله. كونوا أقوياء وأسخياء، وامنحوا أبناءكم الوسائل اللازمة لاتباع دعوة الله».
وتضيف: «كأم، أفهم ما تمرون به. عندما تأتي النعمة، من المهم أن تعرفوا كيف تتعرفون إليها». وتلفت إلى أن بعض الأمهات قد يعترضن عندما يخبرهن أحد الأبناء برغبته في أن يصبح كاهنًا، بسبب اعتقادهن أنه كثير الحركة أو غير منظم، وبالتالي غير قادر على الالتزام بحياة منضبطة.
لكن سونيا تؤكد أن الله لا ينتظر أن يكون الأبناء كاملين قبل أن يدعوهم، مضيفة: «لو كان الأمر كذلك، لما دُعي أي واحد من أبنائنا». وتوضح أن الله يدعو كل إنسان بصفاته الخاصة، وأن دخول الشاب إلى الإكليريكية الصغرى يفتح أمامه مسيرة من التمييز والتنشئة تستطيع الدعوة خلالها أن تنمو وتنضج.
ويخدم أبناء عائلة إيبارا المكرسون اليوم في مناطق مختلفة من العالم. فأحد الكهنة يدرس في روما، واثنان يتوليان مسؤولية إدارة إكليريكيات في الولايات المتحدة، أحدهما في مينيسوتا والآخر في واشنطن، فيما يخدم الآخرون في بوليفيا وبولندا والفلبين.
أما الراهبتان، ماريا فيرخن بلانكا وماريا تمبلو دي لا سانتيسيما ترينيداد، فتنتميان إلى راهبات خادمات الرب وعذراء ماتارا، الفرع النسائي لمعهد الكلمة المتجسد. وتعيش إحدى ابنتي العائلة المكرستين حياة تأملية في مدينة جنوة الإيطالية.
واجتمعت العائلة أخيرًا في الأرجنتين بمناسبة زفاف أصغر بناتها غير المتزوجات، حيث عاد الأبناء من مختلف البلدان التي يعيشون ويخدمون فيها، باستثناء الابنة الراهبة التأملية في جنوة.
ولم تتوقف قصة سونيا عند دعوات أبنائها. فبعد أن تعرفت إلى «معجزة الدعوات» التي شهدتها بلدة لو مونفيراتو الإيطالية، قررت مع مجموعة من الأمهات اللواتي لديهن أبناء كهنة أو بنات راهبات الاتحاد في الصلاة من أجل الدعوات.
وبمساعدة عدد من الكهنة، بدأت تتبلور رسالة جديدة، وأُنشئت مبادرة «40 ساعة سجود» للصلاة بصورة خاصة من أجل قداسة الكهنة وازدياد الدعوات إلى الحياة المكرسة. وتعود الفكرة إلى تجربة بلدة لو مونفيراتو، حيث اتحدت مجموعة من النساء في الصلاة بنية واحدة: أن يرسل الله المزيد من الدعوات. وقد أثمرت بيئة الصلاة وتشجيع الدعوات في تلك البلدة 323 كاهنًا وراهبًا وراهبة.
واستلهمت سونيا ومجموعة من النساء هذه التجربة، وواصلن منذ اثني عشر عامًا إقامة أربعين ساعة من السجود بصورة متواصلة، قبل أن تنتشر المبادرة إلى بلدان مختلفة حول العالم.
وتقام ساعات السجود الأربعون شهريًا في أيام 14 و15 و16، تذكارًا للفترة التي مكث فيها يسوع في القبر. ويمكن للمشاركات تخصيص ساعة أو ساعتين أو أكثر للصلاة من أجل تقديس الكهنة وازدياد الدعوات إلى الحياة المكرسة.
وتقول سونيا إن الطريقة المثلى للمشاركة هي السجود أمام القربان الأقدس، لكن من الممكن أيضًا الصلاة من المنزل عبر تخصيص مكان للصلاة وإضاءة شمعة أمام أيقونة. كما يمكن للأمهات المنشغلات برعاية أطفالهن، أو النساء اللواتي يعتنين بالمرضى أو يقمن بالأعمال المنزلية، أن يقدمن هذه الأوقات للرب كجزء من صلاتهن.
وتقول سونيا: «ما نسعى إليه هو أن نحرّك قلب يسوع بصلواتنا، طالبين ازدياد الدعوات، وقداسة الكهنة والرهبان والراهبات وثباتهم». وتضيف: «نطلب البركة لجميع الكهنة الذين يواجهون الشكوك والهجمات والتجارب، لكي يبقوا ثابتين في دعوتهم». كما تصلي المشاركات من أجل الشباب الذين يشعرون بالدعوة إلى الحياة الكهنوتية أو المكرسة، لكي يتمكنوا من تجاوز العقبات واتخاذ خطوة دخول الإكليريكية أو الابتداء في الرهبانية.
وترى سونيا أن تنمية الدعوات تبدأ من الأسرة، لكنها تحتاج أيضًا إلى جماعة رعوية قادرة على احتضان العائلات. وتقول: «علينا أن نعود إلى التبشير»، معتبرة أن أحد تحديات العصر الراهن يتمثل في وجود رفض للإيمان، خلافًا للمرحلة التي وصل فيها المرسلون الأوائل إلى الشعوب التي لم تكن قد عرفت الإيمان بعد.
وتضيف سونيا: «من المهم أن تبني الرعايا جماعة حقيقية. يجب أن تقدم الرعية للعائلات كل ما تحتاج إليه لكي تعود إلى الجماعة، وأن تجد فيها الراعي الصالح الذي يحتضنها، وجماعة تُمارس فيها المحبة والسخاء».
وتشدد كذلك على دور المرأة داخل الأسرة، قائلة: «دور المرأة في العائلة مهم، ولديها موهبة خاصة في العلاقة القوية مع الله. أعتقد أن الطريق هو أن نمكّن النساء والعائلات من جديد لكي يستطعن رعاية تلك الشعلات الصغيرة». كما تدعو إلى تعريف الأطفال بحياة القديسين وتقديمهم إليهم كنماذج يمكن الاقتداء بها، معتبرة أن القراءات الروحية تستطيع أن تكون إحدى الوسائل التي يشعل الله من خلالها «شعلات صغيرة» في قلوبهم.
وتؤكد سونيا أن الصلاة تبقى الأساس إذا أراد الوالدان أن ينمو أبناؤهما في القداسة، مستشهدة بكلمات المسيح في إنجيل متى: «اطلبوا من رب الحصاد أن يرسل عملة إلى حصاده». كما تدعو العائلات إلى منح العذراء مريم مكانًا خاصًا في حياتها، قائلة: «كرّسوا أبناءكم للعذراء مريم. وعلى ركبكم قولوا لها: أوكلهم إليك لكي تجعليهم قديسين».
وتشير إلى أن القديسين فعلوا الأمر نفسه عندما كرّسوا أنفسهم وعائلاتهم للعذراء مريم، فيما توصي الكهنة بدورهم بتكريس جماعاتهم الرعوية ليسوع من خلال مريم. وبالنسبة إلى سونيا، فإن أمومتها لم تعد تقتصر على أبنائها الاثني عشر. وتقول مستذكرةً رسالة الأم التي تحدث عنها القديس يوحنا بولس الثاني: «أمومتنا لا تمتد إلى عائلتنا فحسب، بل إلى العالم كله».