موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بدأت القصة بدولار واحد داخل ظرف مجهول، لكنها تحوّلت بعد سنوات إلى رسالة ساعدت في بناء 219 كنيسة وكابيلا في مناطق نائية وفقيرة من إندونيسيا، فضلًا عن دعم تعليم الأطفال وتنشئة الإكليريكيين. إنها قصة مؤسسة «Vinea Dei» ومنصة التمويل الجماعي الرقمي «Jala Kasih»، اللتين أسسهما الإندونيسي ألبرتوس غريغوري تان انطلاقًا من قناعة بأن بناء الكنيسة يبدأ أولًا ببناء الإنسان.
قبل أكثر من عشر سنوات، كان غريغوري على وشك التخلي عن المبادرة التي أطلقها لخدمة الجماعات المحلية. فقد كانت الموارد محدودة، فيما توالت الصعوبات إلى درجة جعلته يتساءل إن كان عليه الاستمرار. وفي تلك اللحظة، وصل إليه ظرف مجهول يحتوي على دولار واحد فقط ورسالة قصيرة تحمل كلمات تشجيع.
ويستذكر غريغوري تلك اللحظة قائلًا: «شعرت أن الله يدعوني إلى الاستمرار». كان المبلغ ضئيلًا، لكن أثره لم يكن كذلك. فقد تحوّل ذلك التصرف البسيط مع مرور السنوات إلى مسيرة شملت آلاف الأشخاص، وساعدت المؤسسة والمنصة من خلالها في بناء 219 كنيسة وكابيلا للجماعات الكاثوليكية في المناطق النائية من إندونيسيا.
ورغم ضخامة الرقم، يؤكد غريغوري أن المباني ليست الهدف الحقيقي للمبادرة، بل الثمرة الظاهرة لرسالة أعمق. ويقول: «المباني ليست سوى النتيجة المرئية. الرسالة الحقيقية هي بناء الإنسان، ومنحه الرجاء، وتقوية إيمانه، وتذكير الذين يعيشون على الهامش بأنهم لم يُنسوا».
فعندما شعر للمرة الأولى بالدعوة إلى المساهمة في «إعادة بناء الكنيسة»، فهم الأمر بمعناه الحرفي، وظن أن المطلوب هو تشييد أماكن للعبادة في المناطق التي لا تملك فيها الجماعات الكاثوليكية كنيسة تجتمع فيها للصلاة والاحتفال بالليتورجيا.
لكن سنوات من السفر إلى القرى البعيدة غيّرت نظرته. ويقول: «تبدأ إعادة بناء الكنيسة قبل وقت طويل من وضع الحجر الأول. تبدأ عندما يرافق الناس بعضهم بعضًا، ويتقاسمون أعباءهم، ويصبحون علامات لمحبة الله».
ولهذا، لا تكون مشاريع البناء مجرد مساعدات تصل إلى القرى من الخارج، بل تشارك الجماعات المحلية نفسها فيها بما تستطيع تقديمه، سواء بالعمل أو المواد أو الطعام، أو حتى بكلمات التشجيع. ومن خلال ذلك يتعلم السكان التعاون وتجاوز الخلافات، ويعيدون اكتشاف قوة جماعتهم وانتمائهم إليها.
ومن بين التجارب الكثيرة التي عاشها غريغوري، بقي لقاء مع أطفال في أول كنيسة دعمتها المؤسسة، في أبرشية سيبولغا، محفورًا في ذاكرته. فقد شاهد أطفالًا يعيشون في فقر شديد وهم يرتلون بفرح، رغم أنهم لا يملكون إلا القليل.
ويقول: «كان لديهم القليل جدًا، ومع ذلك كان إيمانهم مملوءًا بالفرح»، مضيفًا: «علّموني أن محبة الله لا تعتمد على الغنى المادي. وأحيانًا، الذين يملكون أقلّ هم الذين يُظهرون الإيمان الأكبر».
ومن هذه الخبرات، ترسّخت لديه قناعة بأن البشارة لا تبدأ بالضرورة بالمشاريع الضخمة، بل بالحضور إلى جانب الإنسان، والإصغاء إليه، ومرافقته، وجعله يختبر قرب الله من خلال أعمال بسيطة من الرحمة والاهتمام.
وتحرص المؤسسة كذلك على ألا تكون الكنائس التي تساعد في بنائها نسخًا متشابهة، بل تشجع الجماعات المحلية على التعبير عن هويتها الثقافية من خلال العمارة المقدسة. ففي جزيرة فلوريس، على سبيل المثال، استُخدم في إحدى الكنائس التي أُنجزت مؤخرًا الطراز المعماري التقليدي Mbaru Niang، المرتبط بتراث شعب مانغاراي.
ويشرح غريغوري معنى ذلك قائلًا: «عندما يرى الناس ثقافتهم داخل الكنيسة، يدركون أيضًا أن المسيح حاضر أصلًا في تاريخهم وتقاليدهم وطريقة حياتهم». ويرى أن هذا التجذّر الثقافي يساعد الإنجيل على أن يتعمق في الواقع المحلي، من خلال رموز مألوفة وقريبة من حياة الناس.
ومع اتساع المبادرة، لم يعد نشاط المؤسسة مقتصرًا على بناء الكنائس والمصليات، بل امتد إلى تقديم المنح والمساعدة التعليمية للأطفال المنحدرين من عائلات كاثوليكية محدودة الدخل، انطلاقًا من أن الاستثمار في الأجيال الجديدة هو أيضًا استثمار في مستقبل الكنيسة.
وتحظى المبادرة بدعم يكاد يأتي بالكامل من العلمانيين الكاثوليك: رجال أعمال، ومعلمين، ومحاسبين، وطلاب، وموظفي بنوك، وشباب مهنيين ومتقاعدين، يضع كل واحد منهم إمكاناته ومواهبه في خدمة الرسالة.
ورغم أن كثيرين منهم لم يلتقوا بعضهم ببعض، تجمعهم الرغبة نفسها في الخدمة.
ويقول: «لكل شخص دعوته. ولكل شخص شيء يمكنه أن يقدمه. رسالة الكنيسة تخص جميع المعمّدين».
وتأمل المؤسسة مستقبلًا في الوصول إلى مزيد من الجماعات الواقعة في المناطق الأبعد والأكثر حاجة، إضافة إلى مساعدة الإكليريكيين الذين قد تهدد الصعوبات المالية استمرار تنشئتهم، فيما يحلم مؤسسها بأن تتجاوز المبادرة يومًا حدود إندونيسيا لخدمة الكنيسة في مناطق أخرى من العالم.
ومع ذلك، تبقى رسالته الأخيرة بسيطة، ولا تتمحور حول جمع الأموال بقدر ما تدعو كل شخص إلى البدء من المكان الذي يعيش فيه. ويقول: «لا نطلب من الجميع دعم المنصة. ادعموا رعيتكم، وساعدوا جماعتكم المحلية، وزوروا الذين يشعرون بالوحدة، وشجّعوا الذين يمرّون بالصعوبات. ابدأوا بشيء صغير».
ويختصر غريغوري قصة المبادرة كلها بالكلمات التي ربما تعيدنا إلى ذلك الدولار الواحد الذي وصل إليه قبل سنوات: «غالبًا ما يبدأ الله الرسالات الكبيرة بأفعال محبة صغيرة جدًا».