موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١٤ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦
من بولس السادس إلى لاون الرابع عشر: كيف واجه البابوات المرض والمعاناة؟

أبونا :

 

أعاد إعلان البابا لاون الرابع عشر، الأحد 11 تشرين الأول 2026، عن خضوعه لعملية جراحية في الرئة، إلى الأذهان محطات من تاريخ الكنيسة المعاصر، تحدّث فيها البابوات بصراحة عن أوضاعهم الصحية، وطلبوا من المؤمنين مرافقتهم بالصلاة. فمن البابا بولس السادس إلى يوحنا بولس الثاني وبندكتس السادس عشر وفرنسيس، اختلفت الظروف الصحية، لكن بقيت الصلاة والرجاء والتضامن مع المتألمين قاسمًا مشتركًا بين هذه التجارب.

 

وكان البابا لاون الرابع عشر قد اختتم صلاة التبشير الملائكي، الأحد الماضي، بالقول: "أوكل نفسي إلى صلواتكم"، معلنًا عزمه الخضوع لعملية جراحية لاستئصال عقدة رئوية اكتُشفت خلال فحوص طبية دورية. وأوضح أن التغيّر المرضي كان محدودًا، واكتُشف في مرحلة مبكرة جدًا، وأنه قرر إجراء العملية بناءً على توصية الأطباء، شاكرًا المؤمنين على قربهم الروحي.

 

بولس السادس: كلمات شكر قبل الجراحة

 

في الأول من تشرين الثاني 1967، وخلال صلاة التبشير الملائكي في عيد جميع القديسين، توجّه البابا بولس السادس إلى المؤمنين شاكرًا اهتمامهم بصحته، قائلًا: "أحييكم، أيها الأبناء الأعزاء، وأشكركم على اهتمامكم بصحتنا".

 

وبعد ثلاثة أيام، في 4 تشرين الثاني، خضع لعملية جراحية في البروستات لعلاج حالة مرضية حميدة، أجراها فريق طبي بقيادة الجرّاح بيترو فالدوني، داخل غرفة عمليات أُعدّت خصيصًا في القصر الرسولي بالفاتيكان.

 

ولم يتطرّق البابا بولس السادس، الذي أعلنته الكنيسة قديسًا لاحقًا، إلى تفاصيل الجراحة المرتقبة، بل اكتفى بالتعبير عن امتنانه لكل من أبدى اهتمامًا بصحته، قبل أن ينتقل إلى التأمل في الحياة الأبدية والرجاء المسيحي والشركة الروحية مع الراقدين.

بندكتس السادس عشر: حين لا تعود القوى كافية للخدمة

 

أما البابا بندكتس السادس عشر، فقد اتخذ حديثه عن الضعف الجسدي منحى مختلفًا، عندما أعلن في 11 شباط 2013، خلال اجتماع للكرادلة، قراره التاريخي بالتخلّي عن ممارسة الخدمة البطرسية. وأوضح أن تقدّمه في السن وتراجع قواه الجسدية جعلاه غير قادر على مواصلة القيام بمهام الخدمة البطرسية كما تقتضيها مسؤولية قيادة الكنيسة.

 

ولم يكن إعلانه مرتبطًا بتشخيص مرض محدد أو عملية جراحية، بل بقرار توصّل إليه بعد تمييز روحي أمام الله، مدركًا أن خدمة الكنيسة تحتاج إلى قوى الجسد والروح معًا. وأكد بندكتس السادس عشر أنه سيواصل خدمة الكنيسة من خلال الصلاة، مشيرًا إلى أن الرسالة المسيحية لا تقتصر على العمل والنشاط، بل تشمل أيضًا الصلاة واحتمال الألم.

فرنسيس: من نافذة المستشفى إلى جميع المرضى

 

في 11 تموز 2021، وبعد أسبوع من خضوعه لعملية جراحية في القولون، أطلّ البابا فرنسيس من شرفة الطابق العاشر في مستشفى جيميلي في العاصمة الإيطالية روما ليتلو صلاة التبشير الملائكي، شاكرًا المؤمنين على محبتهم وصلواتهم.

 

ومن تجربته الشخصية في المستشفى، وجّه البابا رسالة دعا فيها إلى توفير "رعاية صحية جيدة ومتاحة للجميع"، مؤكدًا أن العناية بالمرضى لا تقتصر على العلاج الطبي، بل تشمل الإصغاء والاهتمام والحنان، وهي أمور تخفّف الألم وتمنح المرضى القوة والرجاء.

 

وكان إلى جانبه عدد من الأطفال الذين يتلقّون العلاج في المستشفى، فدعا إلى الصلاة من أجلهم ومن أجل جميع المرضى، ولا سيما الذين يعيشون ظروفًا صحية صعبة، حتى لا يشعر أحد بأنه متروك أو وحيد في معاناته.

لاون الرابع عشر: استمرار رابطة الصلاة بين البابا والمؤمنين

 

واليوم، مع خضوع البابا لاون الرابع عشر لعملية جراحية في الرئة، تتجدّد تلك الرابطة العميقة التي جمعت البابوات بالمؤمنين في أوقات المرض والمعاناة، حيث تصبح الصلاة تعبيرًا عن المحبة والتضامن، وتتحوّل لحظات الضعف الإنساني إلى شهادة حيّة على الإيمان والرجاء.

 

فعلى اختلاف التجارب، من الجراحة ومحاولة الاغتيال إلى التعافي وتراجع القوى الجسدية، لم تكن المعاناة بالنسبة إلى البابوات مجرد شأن صحي شخصي، بل مناسبة للتعبير عن الامتنان لمن يقدّمون الرعاية، والتضامن مع المرضى، والتذكير بقيمة الصلاة والرجاء المسيحي.

 

وهكذا، يبقى المرض، رغم ما يحمله من ألم وضعف إنساني، مناسبة تتجلّى فيها رابطة الإيمان والمحبة بين البابا والمؤمنين، من خلال الصلاة والتضامن والرجاء. وهي رابطة تتجاوز حدود المعاناة الشخصية، لتصبح دعوة إلى القرب من جميع المرضى والمتألمين، والتذكير بأن الإنسان، حتى في أشدّ لحظات ضعفه، لا يفقد قدرته على العطاء والشهادة للإيمان.