موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الخميس، ١٤ مايو / أيار ٢٠٢٦
من السحابة إلى الرجاء: تأمل في عيد الصعود المجيد

اعداد وتأمل: د. عدلي قندح :

 

نحتفل اليوم بعيد الصعود المجيد، ذلك الحدث الإلهي العميق الذي لا يختصر في لحظة وداع، بل يُعلن اكتمال سرّ الخلاص وانفتاح السماء أمام الإنسان. إنه اليوم الذي ارتفع فيه المسيح عن أنظار تلاميذه محمولًا بالسحابة، لا ليغيب عن العالم، بل ليحوّل حضوره فيه إلى حضور أوسع وأعمق بالروح والنعمة، حضورٍ لا يُقاس بالمشاهدة بل يُدرك بالإيمان، ولا يُحصر في مكان بل يملأ الكنيسة والتاريخ والإنسان.

 

في عيد الصعود لا نقف أمام مشهد وداعٍ بالمعنى الإنساني الضيق، بل أمام اكتمال سرّ الخلاص وانفتاح أفق جديد لحضور المسيح في التاريخ والكنيسة والإنسان. فالصعود ليس انتقالًا مكانيًا ينقل المسيح من الأرض إلى السماء وكأنه يترك فراغًا خلفه، بل هو تحوّل في نمط الحضور: من حضور منظور محدود بالجسد، إلى حضور شامل بالروح، أعمق نفاذًا إلى قلب العالم والإنسان والتاريخ.

 

إن لحظة “السحابة” في مشهد الصعود ليست تفصيلًا بصريًا عابرًا، بل هي لغة لاهوتية كثيفة. فالسحابة في الكتاب المقدس ليست مجرد ظاهرة طبيعية، بل علامة الحضور الإلهي الذي يَحجب ليُعلن، ويُخفي ليكشف بطريقة أعمق. كما رافقت السحابة شعب إسرائيل في البرية، وكما ملأت هيكل العهد القديم علامة مجد الله، هكذا في الصعود تصبح السحابة هي العتبة التي ينتقل عبرها المسيح من منظور الحواس إلى أفق المجد. إنها لا تعني غيابًا، بل إعلانًا أن الحضور الإلهي لم يعد يُقاس بالعين، بل يُدرك بالإيمان.

 

ومن هنا، فإن سؤال التلاميذ الضمني أمام هذا المشهد يتكرر في كل جيل: هل غاب الرب؟ لكن الإجابة الإنجيلية العميقة تقول: لم يغِب، بل تغيّر حضوره. لقد كان معهم “بينهم”، وأصبح “فيهم ومعهم وإلى نهاية الدهر”. الانتقال من الحضور الجسدي المحدود إلى الحضور الروحي الشامل هو جوهر الصعود، وهو ما يجعل الكنيسة ليست ذكرى لحدث مضى، بل استمرارًا حيًا لعمل المسيح في العالم.

 

الصعود أيضًا يحمل معنى اكتمال الرسالة. فالمسيح الذي “نزل” في التجسد، و”عاش” بين الناس، و”تألم” ومات وقام، هو نفسه الذي “يصعد” ليُعلن أن طريق الإنسان إلى الله قد فُتح بالكامل. لم يعد الإنسان يبحث عن الله في السماء البعيدة، لأن السماء نفسها اقتربت وصارت مفتوحة في المسيح. لذلك فإن جلوسه عن يمين الآب ليس حركة مكانية، بل إعلان ملكي: أن التاريخ دخل مرحلة السيادة الإلهية الخفية التي تعمل في العمق لا في الشكل.

 

وفي هذا السياق، يتحول الصعود إلى حدث رجاء لا وداع. فالسحابة التي “أخفته عن أعينهم” لم تُغلق السماء، بل فتحت انتظارًا جديدًا، إذ جاء صوت الملائكة ليعلن: “إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقًا إلى السماء”. هنا يتحول الصعود إلى بداية ترقّب مقدّس للمجيء الثاني، وإلى ربط عميق بين الحدثين: فالصعود ليس نهاية المسار بل بدايته الممتدة نحو اكتماله.

 

إن الصعود والمجيء الثاني ليسا حدثين منفصلين، بل وجهان لسرّ واحد. فالمسيح الذي صعد هو نفسه الذي سيأتي، والذي احتجب عن العين لم يغِب عن التاريخ. لقد دخل في حضور جديد، خفي لكنه فاعل، يعمل في الكنيسة، وفي الروح القدس، وفي الضمير الإنساني، وفي كل فعل محبة وحق ورحمة. لذلك فإن المجيء الثاني ليس عودة بعد غياب، بل إعلان اكتمال حضور كان يعمل بصمت عبر الزمن.

 

ومن هنا نفهم أن الصعود يعلن أن التاريخ لم يُترك بلا غاية، بل يسير نحو اكتماله في المسيح. فالكنيسة تعيش بين الصعود والمجيء الثاني، بين الوعد والتحقق الكامل، بين الإيمان والرؤية. إنها تعيش زمن “الرب الآتي”، لا بالخوف من النهاية، بل برجاء اللقاء. ولهذا لم يرجع التلاميذ إلى أورشليم بالحزن، بل “بفرح عظيم”، لأنهم أدركوا أن الرب لم يتركهم أيتامًا، بل صار أقرب إليهم بالروح مما كان بالجسد.

 

وهنا تتجلى المفارقة العميقة: الصعود لا يطلب من الإنسان أن يبقى محدقًا في السماء، بل أن يعود إلى الأرض حاملًا رسالة السماء. لذلك كان جواب الملاكين بمثابة دعوة للخروج من الانتظار السلبي إلى الشهادة الحية. فالمسيح لا يريد كنيسة واقفة عند حدود التأمل بالمشهد، بل كنيسة تتحرك في العالم بقوة الروح القدس، شاهدةً للحق، وصانعةً للرجاء، ومؤمنةً أن كل تعب ومحبة وصبر يحمل بعدًا أبديًا.

 

إن عيد الصعود، في عمقه الروحي، هو إعلان أن المسيح لم يبتعد ليُفقد، بل ارتفع ليملأ الكل. لم يعد حضوره مرتبطًا بمكان، بل صار حاضرًا في كل قلب مفتوح للإيمان، وفي كل جماعة تصلي باسمه، وفي كل إنسان يحمل نور الإنجيل وسط ظلمات العالم. لذلك يصبح الصعود بداية زمن جديد: زمن الكنيسة، وزمن الروح القدس، وزمن الرجاء العامل في التاريخ.

 

وفي النهاية، يبقى سرّ الصعود دعوة لكي نرفع قلوبنا لا هربًا من الأرض، بل لنعيش على الأرض بعيون تتجه إلى السماء. فالمسيحي الحقيقي لا يعيش أسير اللحظة العابرة، بل إنسانًا يحمل في داخله شوق الملكوت. وبين سحابة الصعود ومجد المجيء الثاني، تسير الكنيسة في التاريخ وهي تردد بثقة ورجاء: “آمين. تعال أيها الرب يسوع”.