موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بين تلال دير الأحمر في البقاع اللبناني، يرتسم مشروع روحي فريد يحوّل مسبحة الوردية من أداة صلاة يحملها المؤمن بين يديه إلى مسار حج يمكن السير فيه والتأمل عبر خرزاته. ويُقدَّم المشروع، الذي يحمل اسم «مسبحة لبنان»، بوصفه أكبر مسبحة في العالم، في مبادرة تجمع بين الإيمان والهندسة الدينية، لتجعل من الوردية معلمًا روحيًا مفتوحًا في قلب الطبيعة اللبنانية.
وتعود فكرة المشروع إلى خبرة روحية عاشها شاب لبناني خلال زيارته مديغوريه عام 2006، حيث وُلدت لديه رغبة في إنشاء مكان مكرّس للعذراء مريم والصلاة. وبعد ذلك تبنّت الرهبانية اللبنانية المارونية هذه الرؤية، وانطلقت الأعمال الأولى للمشروع عام 2008 على أرض تابعة لها في دير الأحمر، ليتطور تدريجيًا إلى واحد من أبرز المشاريع الدينية في لبنان.
ويمتد مسار المسبحة لنحو 600 متر، ويتألف من 59 خرزة ضخمة تمثل مسبحة الوردية كاملة، بحيث يستطيع الحاج أن يسير بينها وهو يتلو الصلوات وأسرار الوردية. إلا أن المشروع لا يقتصر على حجمه اللافت، بل صُمم ليكون مزارًا حيًا للصلاة والتأمل، لا مجرد معلم معماري.
وفي إطار هذا التصوّر، ستتحول الخرزات التي تمثل صلاة «الأبانا» إلى أماكن مخصصة لسر الاعتراف، فيما ستُخصَّص خرزات «السلام عليك يا مريم» لتكون مزارات للقديسين، مع نبذة عن حياة كل منهم. وينتهي مسار الوردية عند صليب القيامة، فيما سيضم الموقع أيضًا ديرًا وكنيسة تُقام فيها القداديس بانتظام، ليشكّل مساحة متكاملة للحج والصلاة واللقاء الروحي.
ويأتي هذا المشروع من قلب منطقة شهدت، كما سائر لبنان، سنوات طويلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ليحمل رسالة رجاء وإيمان، ويؤكد أن الصلاة ما تزال قادرة على أن تترك بصمتها في الأرض كما في قلوب المؤمنين. وقد صُممت المسبحة لتكون مضاءة ومرئية من الجو ومن الأرض، فتتحول إلى علامة إيمان بارزة تستقبل الحجاج والزوار من لبنان وخارجه.
ولا تهدف «مسبحة لبنان» إلى تسجيل رقم قياسي فحسب، بل إلى إعادة اكتشاف صلاة الوردية بطريقة جديدة، حيث يصبح المؤمن جزءًا من المسبحة نفسها، يسير بين خرزاتها، ويتأمل في أسرار حياة المسيح، حتى يبلغ صليب القيامة، في رحلة تجمع بين الصلاة والحج والتأمل في آن واحد.