موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ١٤ يوليو / تموز ٢٠٢٦
ماريو أبي نادر: غادر لبنان هربًا من الحرب وعاد ليخدمه بقلب طبيب وإيمان شماس

أبونا :

 

غادر ماريو أبي نادر لبنان وهو في الثامنة عشرة من عمره هربًا من الحرب الأهلية، معتقدًا أنه يطوي إلى الأبد صفحة من حياته. لكن بعد أكثر من أربعين عامًا، يقسم طبيب القلب المقيم في مدينة أولورون سانت ماري، جنوب غرب فرنسا، وقته بين مرضاه، وخدمته شماسًا في الكنيسة الأرثوذكسية، والعمل الإنساني الذي يقدمه للفقراء والمحتاجين في لبنان.

 

يقول أبي نادر لموقع أليتيا: «لطالما اعتبرت نفسي بذرةً لبنانية زُرعت في فرنسا». وهذه العبارة تختصر مسيرته كلها.

 

وُلد في عائلة مارونية في ضواحي بيروت، ونشأ في بيئة احتل فيها الإيمان مكانةً أساسية. درس في مدرسة يسوعية، وكان متفوقًا في مختلف المواد، لكنه لم يكن يعرف أي طريق يختار لمستقبله. ويستذكر تلك المرحلة قائلًا: «لم أكن أعرف ماذا أريد أن أفعل»، مضيفًا أنه كان يشعر في داخله منذ صغره بدعوة كهنوتية، لكنه لم يعرف كيف يستجيب لها في تلك المرحلة من حياته.

 

أما والده، الذي كان يشغل منصبًا رفيعًا في الإدارة اللبنانية، فكان يرى أن ابنه يحمل صفات الطبيب أكثر من أي مهنة أخرى، وكان يقول له: «بما تتمتع به من نزعة إنسانية، أراك طبيبًا». وفي عام 1982، بينما كانت الحرب الأهلية تمزق لبنان، قرر والداه أن يغادر البلاد وهو في الثامنة عشرة من عمره، فالتحق بكلية الطب في مدينة بوردو الفرنسية.

 

ويروي أبي نادر تلك المرحلة قائلًا: «كان والداي يرفضان أن ينضم أحد أبنائهما إلى أي ميليشيا. نحن خمسة إخوة، وأنا الرابع بينهم، وكان كل واحد منا يغادر المنزل عندما يبلغ الثامنة عشرة، بحثًا عن مستقبل أفضل في مكان آخر». وكانت الفكرة آنذاك أن تكون الغربة مؤقتة، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى إقامة دائمة.

 

 

القلب والإيمان... خط واحد في الحياة

 

ومع مرور السنوات، بنى ماريو حياته في فرنسا، بعيدًا عن الاضطرابات التي كانت لا تزال تعصف بلبنان. وبينما كان يتابع أخبار وطنه، كان يرى الانقسامات الطائفية والفساد والجراح العميقة التي أنهكت البلاد، حتى اقتنع بأن بإمكانه أن يكون أكثر فائدة من خلال عمله في فرنسا، حيث أسس مع زوجته شانتال، التي تعرّف إليها خلال سنوات الدراسة، حياةً مستقرة وأسرةً جديدة.

 

وعندما حان وقت اختيار اختصاصه الطبي، اتجه بصورة طبيعية إلى طب القلب، غير أن هذا القرار لم يكن مدفوعًا بالجانب العلمي وحده، بل أيضًا بقناعة إنسانية وروحية رافقته منذ شبابه. ويقول: «لطالما كانت لدي حساسية خاصة تجاه رمزية القلب. فإلى جانب اهتمامي بهذا الاختصاص، كنت أؤمن دائمًا بأن الذكاء الحقيقي يوجد في القلب، وليس في الدماغ فقط». ومنذ ذلك الحين، لم يعد القلب بالنسبة إليه مجرد عضو يعالجه الطبيب، بل أصبح مكانًا للقاء الإنسان بالإنسان، وللإصغاء والرحمة والشفقة، وهي النظرة التي ستكتسب مع مرور الزمن بُعدًا روحيًا أعمق.

 

 

دعوة انتظرت سنوات

 

ورغم انشغاله بمهنته، لم تختفِ الدعوة الروحية التي شعر بها منذ شبابه، بل بقيت ترافقه بصمت إلى أن فتح الله أمامه بابًا جديدًا. فبفضل شقيقه جوزف، تعرّف ماريو إلى الكنيسة الأرثوذكسية، ووجد فيها عمقًا روحيًا جذب قلبه. وهناك شعر من جديد بالدعوة التي كانت تسكنه منذ سنوات.

 

ويستذكر تلك اللحظة قائلًا: «جاءني كاهن الرعية واقترح عليّ أن أصبح شماسًا. تأثرت كثيرًا، لكنني كنت أتساءل: «هل أنا أهل لهذه الخدمة؟». حمل سؤاله إلى شقيقه جوزف، فجاءه الجواب في عبارة لم تغادر ذاكرته: إذا انتظرت أن تستحق، فلن تستحق أبدًا. أن تكون شماسًا يعني أن تخدم». كانت تلك الكلمات حاسمة.

 

فعاد، وقد تجاوز الأربعين من عمره، إلى مقاعد الدراسة، فالتحق بمعهد القديس سرجيوس للاهوت الأرثوذكسي في باريس، وكرّس سنوات لدراسة اللاهوت، قبل أن يُرسم شماسًا في مدينة تولوز عام 2018. ويقول عن تلك اللحظة: «شعرت بأن دائرة حياتي قد اكتملت».

 

ولم يقتصر عطاؤه على الخدمة الليتورجية، بل انصرف أيضًا إلى الكتابة والتأمل اللاهوتي، فنشر مقالات ونصوصًا روحية عبر مدونته manattitude.fr، كما نُشر عدد من كتاباته في صحيفة L'Orient-Le Jour اللبنانية الناطقة بالفرنسية، مساهمًا في الحوار الروحي ونقل الإيمان.

 

ولم يرَ في رسامته شماسًا انتقالًا من الطب إلى الكنيسة، بل وجد فيها انسجامًا بين رسالتين عاشهما دائمًا معًا. ويقول: «كطبيب قلب، أحاول أن أطبق تعليم المسيح: أن أصغي، وألا أُدين، وأن أبقى رحيمًا». ويضيف: «هدفي الدائم أن يكون ما أحمله في داخلي، في نفسي وقلبي، منسجمًا مع ما أفعله». هذا الانسجام بين المهنة والإيمان سيكتسب بعدًا جديدًا مع انفجار مرفأ بيروت عام 2020، الذي أعاد توجيه جزء كبير من حياته نحو خدمة وطنه الأم.

 

 

لبنان... التزام نابع من القلب

 

شكّل انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020، أحد أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ، نقطة تحول جديدة في حياة ماريو. فقد دمّر أحياءً كاملة من العاصمة اللبنانية، وأودى بحياة أكثر من 220 شخصًا، فيما أُصيب نحو 6500 آخرين.

 

ويقول إنه في تلك اللحظة شعر، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بنداء واضح في داخله: «أدركت أن بلدي يحتاج إليّ». ورغم ارتباطه الدائم بلبنان، كانت زياراته تقتصر في السابق على لقاء أفراد عائلته وقضاء العطل. لكن بعد الانفجار بدأ ينظر إلى معاناة الشعب اللبناني بطريقة مختلفة. ويقول: «الوضع الصحي في لبنان كارثي منذ سنوات، وقد ازداد سوءًا مع تصاعد النزاعات المسلحة. يعيش واحد من كل اثنين تحت خط الفقر، فيما يعجز عدد كبير من الناس عن شراء أدويتهم».

 

ومن هنا، أسس عام 2021 مع عدد من أصدقائه جمعية «بيروت في ذاكرتنا»، التي أصبحت لاحقًا تحمل اسم «الأخوّة الفرنسية–اللبنانية»، بهدف تقديم الدعم للمتضررين. ويشرح رسالتها قائلًا: «لدينا مهمتان أساسيتان: إرسال المعدات الطبية إلى لبنان، وجمع التبرعات لدعم الجمعيات الشريكة لنا». وتتعاون الجمعية مع عدد من المؤسسات الإنسانية، من بينها OffreJoie التي ساهمت في إعادة تأهيل عشرات المباني المتضررة بعد انفجار المرفأ، إضافة إلى جمعية Arcenciel التي تخدم الأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأكثر هشاشة.

 

ويضيف: «في فرنسا نحظى بشبكة حماية اجتماعية، أما في لبنان، فعندما لا يملك الإنسان شيئًا، فهو فعلًا لا يملك شيئًا». ومنذ تأسيس الجمعية، نجح أبي نادر ورفاقه في إرسال 26 حقيبة و30 منصة تحميل من المعدات الطبية وشبه الطبية إلى لبنان. وفي أيلول 2024، تمكنوا أيضًا من إرسال حاوية كاملة من المعدات والأثاث الطبي إلى مرفأ بيروت، حيث تولى مركز استقبال اللاجئين في مار مخايل توزيعها على المحتاجين.

 

 

يعالج القلوب... في فرنسا ولبنان

 

اليوم يشارك نحو خمسين متطوعًا في هذه المبادرة التضامنية التي تربط فرنسا بلبنان. لكن ماريو لا يكتفي بإدارة العمل الإنساني من بعيد، بل يسافر مرتين كل عام إلى لبنان، حيث يزور الجمعيات الشريكة، ويوزع الأدوية، ويجري معاينات طبية لمرضى القلب. ويكشف قائلًا: «هذا الصيف أحمل معي أربع ناظمات قلب تبرعت بها شركة Medtronic، وسأزرعها بنفسي لأربعة مرضى لا يستطيعون تحمّل تكاليف الأجهزة أو العمليات أو أتعاب الطبيب».

 

وبالنسبة إليه، لا يُعد هذا العمل واجبًا ثقيلًا ولا تضحية استثنائية، بل هو ثمرة طبيعية للإيمان عندما يتحول إلى أفعال ملموسة. ويقول: «هدفي الدائم أن يكون ما أحمله في داخلي، في نفسي وقلبي، منسجمًا مع ما أفعله».

 

وعند الإصغاء إلى ماريو، يصعب الفصل بين طبيب القلب، والشماس، والإنسان العامل في المجال الإنساني. فكأن حياته كلها اتجهت نحو رسالة واحدة: العناية بالقلوب، سواء تلك التي تنبض في صدور المرضى، أم تلك التي أرهقتها الحروب والفقر.

 

وعندما يُسأل اليوم عمّا يتمناه للبنان، يأتي جوابه بسيطًا وعميقًا في آنٍ واحد:

 

«لكي يخلص لبنان، فهو يحتاج إلى عون الله... وأنا أؤمن بالله».