موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
عدل وسلام
نشر الأحد، ١٢ يوليو / تموز ٢٠٢٦
بين صرخة الضمير وصمت العالم

الأب إبراهيم فلتس :

 

بعد سنوات طويلة من العنف الذي لا يمكن تبريره، ما زالت تتكرر مآسٍ لا يمكن وصفها إلا بأنها لا إنسانية؛ لأنها لا تليق بالإنسان ولا بالإنسانية.

 

وهنا أتساءل: ماذا نعني حقاً بكلمة «الإنسانية»؟ هل هي مجرد ذلك العدد الهائل من البشر الذين يسكنون هذا الكوكب، أم أنها تعني أيضاً القيم الأخلاقية التي تتجسد في التضامن، والقرب من الآخر، واحترام الكرامة الإنسانية على المستويين المدني والثقافي؟ فهذه القيم هي التي تمنح الحضارة معناها الحقيقي، وتعبّر عن الرؤية الأصيلة للإنسان.

 

وفي هذه الساعات، تردّد وسائل الإعلام عبارةً قيلت بكل فخر ودون خجل: «الحرب لم تنتهِ بعد وهي عبارة لا تبعث على التفاؤل بمستقبل هذه الأرض.  ولكن، عن أي حرب يتحدثون؟ أهي الحرب مع إيران؟ أما ما يجري في غزة والضفة الغربية، أليس حرباً أيضاً؟ أم لأن العالم يرفض أن يراها حرباً لغياب الجيوش النظامية المتقابلة؟ إنها في الحقيقة أكثر من حرب، لأن شعباً أعزل يرزح تحت وطأة العنف والقهر والاضطهاد.

 

وبعد كل هذه الكلمات والخطابات، يجد العالم نفسه منشغلاً بإحصاء كوارث الحروب: عدد الضحايا، ونسبة الأراضي المدمرة، والتحالفات السياسية، والخلافات الدبلوماسية، وتكاليف الأسلحة، والخسائر الاقتصادية. إنها صورة عالم يكتفي بمراقبة نتائج العنف وتسجيلها بالأرقام، من دون أن تهتز ضمائره أمام المأساة الإنسانية، ومن دون أن يتحرك عملياً لوقفها، لأنه استسلم لمنطق مشوَّه يناقض جوهر الإنسانية.

 

أما من يعيشون في قلب الحروب، ويقفون إلى جانب الضحايا ويشاركونهم آلام الفقدان والظلم، فلديهم رؤية مختلفة تماماً؛ فهم يواجهون مشهداً تطغى عليه اللامبالاة، ويشهدون غياباً للاعتراف بكرامة الإنسان، ونكراناً لقيمة الحياة نفسها. والأدهى من ذلك أنهم يرون إشارات واضحة وقاسية تتجلى في قرارات تُتخذ حتى بعد اجتماعات ومؤتمرات دولية كان يُفترض بها أن تتحدث عن السلام وتختار طريقه، فإذا بها تنتهي إلى خيارات تتناقض مع الفطرة الإنسانية.

 

وربما تكشف كلمة «الإنسانية» اليوم عن معانٍ ملتبسة تخيّب آمال كل من يؤمن بأن القرارات ينبغي أن تُبنى على الضمير، والوفاء للإنسان، والنزاهة الفكرية والأخلاقية.

 

إن الإيمان هو أن نرجو وقف هذا المسار الذي يجرّد البشرية من إنسانيتها، حين يُصوَّر الآخر والمختلف بوصفه عدواً. وهذا لن يتحقق إلا إذا نهض أصحاب المسؤولية في العالم بواجبهم الحقيقي؛ فالسلطة، في جوهرها، ليست امتيازاً، بل خدمة.

 

وفي الأرض المقدسة، تمتلك الإنسانية المتألمة رؤية واضحة؛ فهي ترى مساراً لا يقود إلى السلام، وتشعر بلامبالاة كثيرين، لكنها تختبر في الوقت ذاته قرب ومحبة كثيرين آخرين. وهي تبقى راسخة في دفاعها عن الأرض والحياة، وتطلب التفهم والتضامن، وتتألم من خيانة أولئك الذين لا يعترفون بأننا جميعاً ننتمي إلى الأسرة البشرية الواحدة.

 

ومن موقعي هذا، وبكل ما أحمله من مشاعر إنسانية وروابط روحية، عرفت عن قرب آثار الجراح الجسدية والنفسية التي لا تُمحى، ورأيت في وجوه من يصرون على البقاء علامات صدمات ما زالت حيّة، كما رأيت مؤشرات مقلقة لخيارات تفتقر إلى الضمير والإنسانية.

 

لذلك أصلّي لكي تشهد الإنسانية خياراتٍ جديدة؛ خياراتٍ تكون أكثر عدلاً، وأشدَّ صدقاً، وأكثر وفاءً للإنسان.

 

سنبقى في الأرض المقدسة لنشهد للرجاء، ونواصل خدمة الإنسان، ونصلي لكي يفتح الله القلوب والعقول أمام طريق السلام. فالعالم اليوم بحاجة إلى ضمير حي، وإلى خيارات لا تخون الكرامة الإنسانية، وإلى سلام يعيد للإنسان إنسانيته.