موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
الأب ابراهيم فلتس، حراسة الأرضي المقدسة
ترتسم تواريخ الأحداث المأساوية في ذاكرة الشعوب، وتبقى راسخة في وجدان من عاشها، لكنها لا تنجح حقاً في تغيير مستقبل الإنسانية وحياة البشر بشكل إيجابي.
لقد مرّ ألف يوم على السابع من تشرين الأول 2023، ذلك اليوم الذي يصعب محوه من ذاكرة الفلسطينيين والإسرائيليين معاً. واليوم، تتجه أفكارنا وصلواتنا إلى كل من فقد حياته في ذلك اليوم، وإلى كل من عانى، ولا يزال يعاني منذ ذلك اليوم، كل أنواع الدمار وكل أشكال الظلم والألم.
سيبقى السابع من تشرين الأول 2023 فاصلاً في التاريخ والذاكرة؛ فما قبله ليس كما بعده. وليس لأن الصراعات لم تكن قائمة من قبل في الأرض المقدسة، ولا لأن ما حدث بعد ذلك التاريخ يمكن تصنيفه كمجرد حدث من الأحداث المؤلمة الكثيرة التي شهدتها هذه الأرض؛ بل لأن ذلك اليوم المأساوي بدا وكأنه جمع في سماء الأرض المقدسة مختلف الحروب المشتعلة في الشرق الأوسط، حتى تداخلت وتشابكت في مأساة واحدة.
وعلى مدى ما يقارب ثلاث سنوات، لم يكن من الممكن وقف دوامة العنف التي طالت، بصورة مباشرة ومؤلمة، شعوباً وأمماً بأكملها، والتي يبدو أنها أصبحت أداة لتحقيق مصالح اقتصادية وترسيخ نفوذ وسلطة من يحكمون شعوباً ودولاً، حتى تلك البعيدة جغرافياً عن هذه المنطقة.
ألف يوم من الألم، والموت، والخوف، والعجز؛ ألف يوم من الانتظار والرجاء، ومن خيبات الأمل التي يعقبها رجاء متجدد. أيام وأيام امتلأت بالمطالبة بالسلام، ونداءات إنسانية موجّهة إلى أولئك الذين نسوا أنهم في خدمة البشرية، وليسوا أسياداً على حيوات أشخاص بعيدين ومجهولين بالنسبة إليهم، لكنهم معروفون ومحبوبون في قلب الله.
لا تزال غزة تحت القصف على الرغم من هدنة لا يمكن اعتبارها حتى مجرد فترة توقف. وهي فترة كان يُفترض بها أن تُخمد النيران في حرب لا يمكن تسميتها حرباً بالمعنى الحقيقي؛ لأن النيران بعد السابع من تشرين الأول 2023 اتجهت في معظم الأحيان نحو جهة واحدة، وكان لها هدف واحد: سكان غزة المدنيون، العُزّل، الأبرياء، والضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة.
ولا يزال الشعب اللبناني يتألم، وقد اضطر كثيرون منه إلى النزوح داخل بلد مدمر ومثخن بالجراح، أنهكته الخلافات الداخلية والاعتداءات الخارجية. وتنقل إلينا نشرات الأخبار أعداد القتلى والجرحى، وحجم الدمار الذي طال البيوت والمرافق العامة، لكنها تعجز عن قياس حجم الجراح المعنوية التي أصابت شعباً بريئاً لا ذنب له، يتقاسم مع سائر ضحايا الحروب في العالم المعاناة ذاتها.
أما الضفة الغربية، فقد أصبحت مسرحًا يوميًا للانتهاكات والقيود التي يفرضها المستوطنون، وهم يدمّرون الأراضي والكرامة بلا رادع، ويستولون على أراضي الآخرين لمحو الذاكرة التاريخية والذكريات العائلية، زارعين الفقر ومقوضين الروابط بين أبناء الأرض الواحدة والشعب الواحد.
وهناك أيضاً ساحات حرب أخرى في دول ومناطق مختلفة من العالم، قد تكون معروفة للعالم بدرجات متفاوتة، لكنها جميعاً تشترك في أمر واحد: الإنسان هو محور هذه المآسي وضحيتها في آن واحد. أما الذين يكتبون فصول هذه المآسي، فهم لا يعرفون كيف يضعون نهاية لها، ويوقّعون على كل فصل جديد بدماء الأبرياء.
إن ألف يوم من العنف المتواصل والوحشي أكثر مما يمكن أن يحتمله حتى فصل واحد في كتاب التاريخ. وقد قرأتُ أنه في العصور القديمة كانوا يحسبون السنوات بدءاً من تاريخ تأسيس روما، وهو تاريخ ارتبط بجريمة قتل أخ لأخيه، ارتُكبت بسبب الصراع على السلطة ونزاع الحدود. بعد ذلك، وبحسابات رياضية قد تكون تقريبية، ولكنها قدمت مرجعاً زمنياً بالغ الأهمية، أصبحت السنوات تُحدد بـ«قبل المسيح» و«بعد المسيح» في إشارة واضحة ومباشرة إلى ذاك الذي هو مصدر الحياة والخلاص للبشرية جمعاء.
من يستطيع أن يوقف مجزرة الأبرياء في كل أنحاء العالم؟ ومن يستطيع أن يفتح الطريق أمام دخول المساعدات لإنقاذ الحياة في غزة؟ ومن يستطيع أن يحول قصة الأيام الألف الماضية إلى بداية لمصالحات حقيقية، تعيد إلى تاريخ البشرية الحق والعدالة، وتكتب صفحات جديدة، طال انتظارها، من تروي قصص الحياة.