موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الجمعة، ٦ مارس / آذار ٢٠٢٦
بين التاريخ والروحانية: سر ذكر بيلاطس البنطي في قانون الإيمان

أبونا :

 

في أيام الآحاد والاحتفالات، يتلو المؤمنون «قانون الإيمان»، والملاحظ أنّ الاسمين الوحيدين المذكورين صراحةً في نصّه هما العذراء مريم وبيلاطس البنطي. قد يبدو الأمر غريبًا: لماذا هذان الاسمان تحديدًا؟ ولماذا يُعطى اسم شخصيةٍ تُعدّ في نظر الكثيرين «شريرة» مكانةً بارزة في خلاصة إيمان الكنيسة؟

 

 

آلام المسيح وسياقها التاريخي

 

إن إدراج اسم بيلاطس يعود إلى بدايات الكنيسة الأولى، إذ يَرِد هذا المقطع من قانون الإيمان في كتابات ترتليانوس في أوائل القرن الثالث. وقد رأى المسيحيون الأوائل ضرورة ذكر اسمه تأكيدًا لصحة قصة آلام المسيح تاريخيًا، إذ يمكن التحقّق من وجود بيلاطس البنطي مصادر خارج الأناجيل، وذكرُه يرسّخ حقيقة أنّ موت يسوع جرى في ظلّ الحكم الروماني وفي لحظةٍ محدّدة من التاريخ.

 

كما أنّ صياغة قانون الإيمان تمت خلال القرون الأولى، حين كان المسيحيون ما يزالون يعيشون تحت سلطة الإمبراطورية الرومانية. فجاء ذكر بيلاطس ليضع حدث الخلاص ضمن التاريخ الروماني ذاته، وليخاطب بصورة خاصة المؤمنين من الأمم المرتبطين بذلك السياق الحضاري والسياسي.

 

 

بيلاطس رمزًا للاضطهاد عبر العصور

 

من جهةٍ أخرى، يُنظر إلى ذكر بيلاطس على أنه يحمل بُعدًا رمزيًا يتجاوز الحدث التاريخي، إذ يمثّل صورة الحكّام السياسيين الذين اضطهدوا المسيحيين عبر القرون. فهو يرمز إلى آلام واضطهاد الكنيسة، جسد المسيح السرّي، في مسيرتها عبر التاريخ.

 

وجّه اليهود إلى يسوع ثلاث تهم رئيسية: «وجدنا هذا الرجل يفتن أمتنا، وينهى عن دفع الجزية إلى قيصر، ويقول إنه المسيح الملك» (لوقا 23: 2). وكما نعلم، كانت جميع هذه الاتهامات مغرضة وذات ذات طابع سياسي، لكنها كانت كافية لدفع بيلاطس، بدافع الخوف والضعف، إلى الحكم بصلب يسوع. وهكذا تكرّر المشهد عبر التاريخ، إذ سُفك دم ملايين المؤمنين بشهادة أمانتهم للمخلّص، وغالبًا ما كان «بيلاطس» كلّ عصر أداةً في يد مضطهدي الكنيسة.

 

 

مسؤوليتنا نحن أيضًا

 

كذلك، بيلاطس يذكّرنا بمشاركتنا نحن في آلام المسيح وموته. فبمعنى روحي عميق، كنّا نحن أيضًا «بيلاطس» حين أدانت خطايانا يسوع. ويشدّد التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية على أنّ الخطأة كانوا سبب الآلام التي احتملها الفادي الإلهي وخدّامها في آنٍ واحد. وانطلاقًا من أنّ خطايانا تمسّ المسيح نفسه، لا تتردّد الكنيسة في تحميل المؤمنين مسؤولية جسيمة عمّا أُنزل به من عذابات.

 

 

الخلاصة

 

إنّ إدراج اسم بيلاطس في قانون الإيمان لا يهدف إلى إلقاء عبء موت يسوع كاملًا على شخصه، بل إلى إبراز حقائق تاريخية وروحية عميقة. فالمسيح مات بسبب خطايانا نحن أولًا، وقد بذل حياته طواعيةً من أجل الجميع، لكي نقوم معه إلى حياة القيامة ونختبر جمال الخلاص.