موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الجمعة، ١٥ مايو / أيار ٢٠٢٦
العرّاب والعرّابة: رفيقا درب لا غنى عنهما

أبونا :

 

تُعدّ مرافقة المعمَّدين والذين نالوا سرّ التثبيت مسؤولية كنسية أساسية في حياة الجماعات المسيحية، وهي تعي ذلك جيدًا. فالكنيسة لا تنظر إلى المعمودية والتثبيت باعتبارهما حدثين ينتهيا عند لحظتهما، بل بداية حياة إيمانية جديدة تحتاج إلى مرافقة واستمرارية.

 

ولهذا، فإن وجود الأشبين أو الأشبينة (العرّاب أو العرّابة) ليس تفصيلًا شكليًا، بل دور رعوي وروحي أساسي. وقد أعرب مؤلف كتاب «أن تكون عرّابًا أو عرّابة» للأب فرانسوا ديديو، عن أسفه لأن هذا الدور بوصفه «رفيق الطريق» لا يحظى دائمًا بالتقدير الكافي داخل حياة المؤمنين.

 

في الحياة الكنسية، يُمنح سرّ المعمودية عادة للأطفال، حيث يُدخلون إلى الإيمان داخل حضن العائلة والكنيسة معًا. وبعدها، يواصلون مسيرتهم الإيمانية ضمن حياتهم اليومية في البيت والمدرسة والمجتمع. ومن ثمّ يبرز سؤال أساسي: هل يُتركون وحدهم في هذه المسيرة الجديدة؟

 

والجواب عند الكنيسة هو: لا - ولم يكن كذلك يومًا. ويستند هذا الجواب، إلى حد كبير، إلى شخصية غالبًا ما تُفهم بشكل ناقص أو تُختار أحيانًا بخفة، رغم أنها تحمل مسؤولية حقيقية في مساندة الطفل بعد نيل سرّ المعمودية والتثبيت على النمو في الإيمان.

 

 

رسالة موكلة من الكنيسة

 

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن العرّاب هو مجرد اختيار عائلي أو اجتماعي. صحيح أن الأهل، أو حتى طالب السرّ المقدّس، يختارونه بحرية بحسب القرب أو الصداقة أو التقدير، لكن الكنيسة هي التي تُثبّت هذا الاختيار وتحوّله إلى رسالة روحية واضحة.

 

فالعرّاب ليس شاهدًا شكليًا على الاحتفال، ولا قريبًا يُكرَّم بدور ليوم واحد، بل هو شخص تطلب منه الكنيسة أن يرافق الطفل في حياته الإيمانية، ومساعدته على النمو في الإيمان المسيحي. وهذا البعد الكنسي أساسي: فالعرّاب هو عضو في الكنيسة، وسيكون بالنسبة لطالب السرّ رابطًا مميزًا بها، وهو مسؤول في ضميره عن ذلك أمام الله.

 

ومنذ القرون الأولى، رسّخت الكنيسة هذا الدور. فقد وصفت الحاجة الاسبانية إيجيريا في القرن الرابع كيف كان الأسقف يستجوب العرّاب علنًا حول سلوك الموعوظ قبل قبوله لسرّ المعمودية: إذ كان العرّاب ضامنًا، ومساعدًا، ومجيبًا، وأبًا روحيًا - وهذه الأبعاد الأربعة رافقت تاريخ التقليد المسيحي وتبقى حيّة اليوم.

 

 

اختيار يستحق التأمل

 

يظهر هذا الدور بوضوح في سرّ المعمودية، حيث يُختار الاشبين أو الاشبينه ليكونا حاضرين عند إدخال الطفل إلى الحياة المسيحية، ثم يُستدعى الدور من جديد في سرّ التثبيت (الميرون)، ليواصل مرافقة الشاب أو الفتاة في نضجهم الإيماني. وهكذا، فإن العرّاب لا ينتهي دوره مع انتهاء الاحتفال، بل يستمر كمرافق روحي لنمو الإيمان عبر مراحل الحياة المختلفة.

 

بالتالي، فإنّ اختيار العرّاب أو العرّابة ليس تفصيلًا بسيطًا، بل مسؤولية روحية تحتاج إلى وعي. فكما يحتاج الطفل في حياته إلى من يرشده ويهتم به، يحتاج أيضًا في حياته الإيمانية إلى من يرافقه ويشجعه. وهنا تقع مسؤولية كبيرة على العائلات والرعايا، في اختيار أشخاص قادرين على حمل هذه الرسالة، ليس فقط بالاسم، بل بالفعل والمرافقة الحقيقية.

 

 

شروط العرّاب: متطلبات المحبة

 

لا تضع الكنيسة شروطها بدافع تنظيمي أو بيروقراطي، بل من أجل خير الطفل. فيُشترط أن يكون العرّاب قد بلغ سنّ النضج المناسب، وأن يكون ملتزمًا كنسيًا، ومتممًا لأسرار التنشئة المسيحية، ومتناولًا للقربان الأقدس، وأن يعيش حياة منسجمة مع الإيمان. هذه الشروط ليست قيودًا، بل تعبير عن جوهر الرسالة: إذ لا يمكن للإنسان أن يقود آخر في طريق لا يسير فيه بنفسه.

 

ولتوضيح هذا الدور، تُستخدم صورتان: الأولى صورة منقذ السباحة، حيث يتعلم المبتدئ السباحة تدريجيًا تحت مراقبة يقظة مستعدة للتدخل عند الحاجة. وبالمثل يرافق العرّابُ الطفل في تعلّم أساسيات الإيمان. أما الصورة الثانية فهي مرشد الجبال العالية: فالصعود إلى القمة ممكن، لكنه يحتاج إلى دليل يعرف الطريق ويُحسن قراءة المخاطر ويرافق المتسلق حتى النهاية.