موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الخميس، ١٥ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٦
الذكاء الاصطناعي: استعادة الإنسانية المفقودة
بين التعليم الكنسي والمخاطر المعاصرة

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

تُمرّ البشرية اليوم في ظل الثورة المتسارعة لمنظومات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا التوليدية بأزمة وجودية وأخلاقية عميقة، لا تقتصر آثارها على التحولات الاقتصادية أو تحولات سوق العمل، بل تمتد لتصيب نسيج الكينونة البشرية في صميمه. إن المخاطر الراهنة لتقنيات الذكاء الاصطناعي تتمثل في ظاهرة "التشيؤ الرقمي"، حيث يُفرَغ الإنسان تدريجياً من فرادته الروحية والوجدانية، ويُختزل في مجرد بيانات إحصائية وحدات إنتاجية قابلة للتنبؤ والمفاضلة. وأمام هذا التحدي المتفاقم، تقدم النصوص الكتابية وتوثيقات المجمع الفاتيكاني الثاني وتعاليم الباباوات مرجعاً أخلاقياً ولاهوتياً حاسماً لتفكيك المخاطر المعاصرة وإعادة استعادة المعنى المفقود للإنسانية.

 

 

كرامة الإنسان في الكتاب المقدس

 

يتأسس مفهوم الإنسانية في الكتاب المقدس على حقيقة لاهوتية عميقة ومطلقة يعلنها سفر التكوين بقوله: «فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ» (تكوين 1: 27). وتشكل هذه الآية أساسًا جوهريًا لفهم قيمة الإنسان وكرامته في الفكر الكتابي، إذ إن كرامة الإنسان لا تنبع أولًا من قدراته أو إنجازاته أو مكانته الاجتماعية أو ما يمتلكه من ثروة وقوة، وإنما من كونه مخلوقًا على صورة الله. فالإنسان يحمل في كيانه قيمة أصيلة تسبقه على كل إنجاز، ولا يحتاج إلى أن يثبت استحقاقه للكرامة من خلال ما يحققه أو يقدمه للآخرين.

 

وعندما يتحدث الكتاب المقدس عن خلق الإنسان على صورة الله، فهذا لا يعني أن الإنسان يشبه الله في الشكل الجسدي، بل يشير إلى أن الإنسان قد مُنح طبيعة وخصائص تميزه، فهو كائن قادر على المعرفة والإرادة والمحبة وإقامة العلاقات وتحمل المسؤولية الأخلاقية، كما أنه مدعو إلى أن يمارس سلطانه على الخليقة بمسؤولية وأمانة. ومن هنا تظهر عظمة الإنسان في المنظور الكتابي؛ فهو ليس مجرد كائن حي بين سائر الكائنات، بل شخص له قيمة خاصة أمام الله، وقيمته مرتبطة بعلاقته بخالقه.

 

وتتأكد هذه الكرامة في أن صورة الله لم تُمنح لفئة معينة من البشر دون غيرها، فالكتاب المقدس يعلن: «ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ» (تكوين 1: 27). وبذلك يشترك الرجل والمرأة معًا في الكرامة الإنسانية نفسها، كما أن قيمة الإنسان لا تتوقف على عمره أو جنسه أو أصله أو قدراته أو وضعه الاجتماعي. فالإنسان الضعيف والمحتاج، كما الإنسان القوي والقادر، يمتلك الكرامة نفسها من حيث كونه إنسانًا مخلوقًا على صورة الله.

 

ومن هنا تصبح كرامة الإنسان كرامة أصيلة وغير قابلة للاختزال في المنفعة. فالإنسان لا يفقد قيمته عندما يمرض، ولا عندما يضعف، ولا عندما يفشل، ولا عندما يفقد قدرته على الإنتاج أو العمل. كما أن الفقر أو الإعاقة أو الشيخوخة أو الرفض الاجتماعي لا تلغي شيئًا من القيمة التي منحها الله للإنسان. فالكرامة ليست مكافأة يحصل عليها الإنسان نتيجة نجاحه، وليست امتيازًا تمنحه له الجماعة أو الدولة أو المجتمع، بل هي عطية مرتبطة بوجوده الإنساني نفسه.

 

وتحمل هذه الحقيقة نتائج أخلاقية عميقة؛ فإذا كان كل إنسان مخلوقًا على صورة الله، فإن احترام الإنسان ليس مجرد سلوك اجتماعي حسن، بل هو موقف يرتبط بالإيمان بالله نفسه. ولذلك لا يجوز النظر إلى الإنسان باعتباره وسيلة لتحقيق غاية، أو التعامل معه بحسب مقدار فائدته، أو اختزال قيمته في المال أو السلطة أو الإنتاج أو المكانة. إن الإنسان يستحق الاحترام لأنه إنسان، وكرامته تظل ثابتة حتى عندما يصبح ضعيفًا أو محتاجًا إلى الآخرين.

 

وفي هذا الإطار، ترتبط كرامة الإنسان أيضًا بمسؤوليته. فالإنسان الذي يحمل صورة الله ليس صاحب امتياز فحسب، بل هو صاحب رسالة ومسؤولية تجاه الآخرين وتجاه الخليقة. فالقيمة التي يمنحها الله للإنسان تدعوه إلى أن يعكس في حياته صفات المحبة والرحمة والعدل والأمانة، وأن يحترم كرامة الآخرين كما يحترم كرامته. ومن هنا لا تنفصل كرامة الإنسان عن مسؤوليته الأخلاقية، لأن من يعرف قيمة الإنسان لا يستطيع أن يتعامل مع الآخر باعتباره شيئًا أو رقمًا أو وسيلة، بل باعتباره شخصًا له قيمة أمام الله.

 

ومع أن الكتاب المقدس يتحدث عن دخول الخطية إلى حياة الإنسان وما أحدثته من تشويه لعلاقته بالله وبنفسه وبالآخرين، فإن ذلك لا يعني زوال قيمة الإنسان أو إلغاء كرامته. فالإنسان يبقى مخلوقًا على صورة الله، ولذلك تظل حياته ذات قيمة حتى في حالة سقوطه وضعفه. وفي هذا تكمن قوة التصور الكتابي للإنسان: فهو لا ينكر واقع الضعف والخطيئة، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح بأن تتحول أخطاء الإنسان أو محدوديته إلى سبب لإنكار كرامته.

 

وعليه، فإن كرامة الإنسان في الكتاب المقدس تقوم على أساس ثابت يتجاوز جميع المعايير البشرية المتغيرة. فالإنسان كريم لأنه مخلوق على صورة الله، ولهذا لا يمكن أن تكون قيمته مرتبطة بما يملك أو بما ينجز أو بما يستطيع أن يقدمه. إن هذه الكرامة تضع أساسًا لاحترام كل إنسان، والدفاع عن حياته، ورعاية الضعيف، ومساعدة المحتاج، ورفض كل أشكال الإهانة والاستغلال والتمييز. وهكذا يقدم الكتاب المقدس رؤية للإنسان تجعل كرامته متجذرة في الخلق نفسه: الله هو الذي منح الإنسان هذه الكرامة، ولذلك لا يستطيع إنسان أن يمنح إنسانًا آخر قيمته أو يسلبها منه. ومن هنا يصبح احترام الإنسان وتقدير حياته وحقوقه تعبيرًا عمليًا عن الإيمان بأن كل إنسان يحمل في كيانه أثرًا مميزًا من عمل الله، وأن كل إنسان، مهما اختلفت ظروفه، جدير بالكرامة والاحترام والمحبة.

 

وفي ضوء ذلك، يمكن فهم أحد الفروق الأساسية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. فالذكاء الاصطناعي يستطيع معالجة كميات هائلة من المعلومات، واكتشاف الأنماط، والتنبؤ بالنتائج، ومحاكاة اللغة وأساليب التفكير والتفاعل بدرجة متقدمة جدًا، لكنه لا يعني بذلك أنه يمتلك «قلبًا» بالمعنى الكتابي الذي يشير إلى الحياة الداخلية للإنسان. فالآلة تستطيع أن تتعرف إلى مفهوم الحب، وأن تصف مشاعر الإنسان، وأن تنتج كلامًا يبدو عاطفيًا ومتعاطفًا، لكنها لا يترتب على ذلك أنها تختبر الحب كخبرة داخلية أو تدخل في علاقة شخصية من النوع الذي يتحدث عنه الكتاب المقدس.

 

وهنا تظهر أهمية التمييز بين محاكاة السلوك وامتلاك الخبرة الإنسانية التي يقوم عليها هذا السلوك. يستطيع نظام الذكاء الاصطناعي أن ينتج استجابة تبدو رحيمة، وأن يشرح معنى التضحية، وأن يكتب كلمات عن الغفران والمحبة، لكنه يفعل ذلك من خلال معالجة الأنماط والمعلومات التي تعلمها، وليس من خلال حياة داخلية أو علاقة شخصية بالله أو بالإنسان. فالفرق ليس بالضرورة في القدرة على إنتاج كلمات أو أفعال تبدو إنسانية، بل في السؤال الأعمق المتعلق بمصدر هذه الأفعال ومعناها بالنسبة إلى الكائن الذي يقوم بها.

 

فالإنسان عندما يحب، لا يكتفي بإنتاج تعبير لغوي عن الحب، بل يدخل في علاقة قد تتطلب منه أن يبذل نفسه من أجل الآخر. وعندما يغفر، قد يكون الغفران قرارًا داخليًا يتضمن تجاوز الألم والمرارة واختيار المصالحة. وعندما يضحي، فإنه قد يتخلى عن مصلحة شخصية من أجل شخص آخر بدافع المحبة. هذه الأفعال ترتبط بالحرية والضمير والمسؤولية والعلاقة، وهي أبعاد عميقة من الوجود الشخصي للإنسان.

 

ومن هذا المنظور، لا تكمن خصوصية الإنسان في كونه أكثر قدرة من الآلة على الحساب أو معالجة المعلومات، لأن الذكاء الاصطناعي قد يتفوق على الإنسان في مجالات عديدة من السرعة والدقة ومعالجة البيانات. وإنما تكمن خصوصية الإنسان، في المنظور اللاهوتي، في كونه شخصًا ذا حياة داخلية وعلاقة ومسؤولية، ومخلوقًا على صورة الله ومدعوًا إلى المحبة. ولذلك فإن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تُقاس بمقدار ما يستطيع أن يحسبه أو ينتجه أو ينجزه، لأن هذه المعايير قد تجعل الإنسان في النهاية مجرد أداة إنتاج أو وحدة معلومات.

 

ويصبح هذا التمييز أكثر أهمية كلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة اللغة والعاطفة والتفاعل الإنساني. فكلما أصبحت الآلة قادرة على إنتاج خطاب يبدو محبًا أو متعاطفًا، ازدادت الحاجة إلى السؤال عن الفرق بين التعبير عن المحبة واختبار المحبة، وبين وصف التضحية والقدرة على التضحية، وبين محاكاة الغفران والدخول في فعل الغفران بوصفه قرارًا أخلاقيًا وعلاقة شخصية. وهذا لا يقلل من قيمة الذكاء الاصطناعي أو من إمكاناته، بل يضعه في موضعه الصحيح، ويدفعنا في المقابل إلى إعادة اكتشاف ما يجعل الإنسان إنسانًا.

 

وبذلك يكشف مفهوم «القلب» في الكتاب المقدس عن بُعد من الإنسانية لا يمكن اختزاله في الذكاء أو المعرفة أو القدرة على معالجة المعلومات. فالإنسان ليس عقلًا يحلل فقط، ولا جسدًا يعمل فقط، بل هو شخص قادر على أن يعرف ويختار ويحب ويتألم ويغفر ويضحي ويقيم علاقات ذات معنى. وفي هذا البعد الداخلي تكمن إحدى أبرز مظاهر كرامته الإنسانية؛ إذ إن الإنسان ليس مجرد كائن قادر على القيام بوظائف معينة، بل شخص له حياة داخلية ومسؤولية أخلاقية وعلاقة مع الله والآخر. ومن هنا، فإن التقدم في الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقودنا إلى إنكار خصوصية الإنسان، بل إلى تقديرها بصورة أعمق، وإلى إدراك أن أعظم ما في الإنسان ليس فقط ما يستطيع عقله أن يفعله، وإنما ما يستطيع قلبه أن يعيشه ويختاره ويمنحه للآخر.

 

 

الإنسان والتكنولوجيا في ضوء المجمع الفاتيكاني الثاني

 

عالج المجمع الفاتيكاني الثاني (1962–1965) مسألة التقدم العلمي والتقني من منظور يضع الإنسان وكرامته في مركز الاهتمام، ولا سيما في الدستور الرعائي «الفرح والرجاء» (Gaudium et Spes)، الذي قدّم رؤية متوازنة للعلاقة بين الإنسان والعالم الحديث. فالوثيقة لا تنظر إلى العلم والتكنولوجيا باعتبارهما خطرًا في ذاتهما، بل تعتبرهما من ثمار العقل البشري وقدرته على اكتشاف العالم وتطويره، غير أنها تؤكد في الوقت نفسه أن التقدم التقني لا يمكن أن يكون غاية في ذاته، وأن قيمته الحقيقية تُقاس بمدى خدمته للإنسان ولخير المجتمع وبمدى انسجامه مع دعوة الإنسان وكرامته.

 

وتؤكد الوثيقة، ولا سيما في الفقرتين 15 و16، أهمية العقل والضمير في تحديد طبيعة الإنسان ومسؤوليته الأخلاقية. فالعقل البشري يمتلك قدرة عظيمة على المعرفة والبحث واكتشاف القوانين التي تحكم العالم، ومن خلاله استطاع الإنسان أن يطوّر العلوم والتقنيات ويُخضع جانبًا كبيرًا من الطبيعة لخدمته. غير أن عظمة العقل لا تكمن في قدرته على المعرفة التقنية وحدها، بل في قدرته على البحث عن الحقيقة والخير، وفي توجيه المعرفة نحو ما يخدم الإنسان ويصون كرامته. ولذلك لا يكفي أن نسأل عما إذا كان أمر ما ممكنًا من الناحية التقنية، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: هل هو حق؟ وهل يخدم الإنسان؟ وهل يحفظ كرامته وحريته ومسؤوليته؟

 

وترتبط هذه المسألة ارتباطًا وثيقًا بالضمير، الذي تمنحه الوثيقة مكانة خاصة في الحياة الأخلاقية للإنسان، وتصفه بأنه «أكثر المخابئ سرية في الإنسان، حيث يخلو فيه بنفسه مع الله». فالضمير ليس مجرد آلية لاتخاذ القرارات، ولا مجرد مجموعة من القواعد المبرمجة مسبقًا، بل هو المجال الداخلي الذي يواجه فيه الإنسان مسؤولية أفعاله، ويميز فيه بين الخير والشر، ويستجيب فيه لدعوة الحقيقة والخير. ومن هنا تظهر إحدى الحدود الأساسية التي ينبغي مراعاتها عند مقارنة الإنسان بالأنظمة التقنية والذكاء الاصطناعي: فالآلة تستطيع أن تساعد الإنسان في جمع المعلومات وتحليلها واقتراح الخيارات، لكنها لا تحل محل الضمير الإنساني ولا تستطيع أن تتحمل المسؤولية الأخلاقية بدلًا من الشخص الذي يتخذ القرار.

 

ومن هذا المنطلق تبرز أهمية الفقرة 35 من «الفرح والرجاء»، التي تقدم مبدأً أساسيًا لفهم قيمة النشاط الإنساني والتقني، إذ تؤكد أن النشاط البشري يجب أن يتوافق مع خير الإنسان، وأن يسمح للإنسان، بوصفه فردًا وعضوًا في المجتمع، بأن يحقق دعوته الكاملة وينميها. وهذا المبدأ يحمل دلالة كبيرة في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فالتكنولوجيا لا تُقاس قيمتها بمجرد قوتها أو سرعتها أو قدرتها على معالجة البيانات، وإنما بمدى إسهامها في تحقيق الخير الإنساني والمحافظة على حرية الإنسان وكرامته وعلاقاته ومسؤوليته.

 

وبناءً على ذلك، يصبح التقدم التقني وسيلة في خدمة الإنسان وليس معيارًا لقيمة الإنسان. فالإنسان هو الذي يضع الغاية، بينما التكنولوجيا تقدم الوسائل لتحقيقها. وإذا انقلبت العلاقة بحيث أصبحت الوسيلة هي التي تحدد الغاية، أو أصبح الإنسان مضطرًا إلى الامتثال لنتائج النظام التقني دون قدرة حقيقية على الفهم أو السؤال أو الاعتراض، فإن التكنولوجيا تكون قد تجاوزت وظيفتها الأصلية. والخطر هنا لا يكمن في التقنية نفسها، وإنما في فقدان الإنسان قدرته على توجيهها وفق معايير الحقيقة والخير والكرامة.

 

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تستطيع الأنظمة الخوارزمية تحليل كميات ضخمة من البيانات، والتنبؤ بالسلوك، وتصنيف المعلومات، واقتراح القرارات في مجالات متعددة. وقد تكون هذه القدرات مفيدة جدًا للإنسان، لكنها لا تجعل الخوارزمية مرجعًا أخلاقيًا. فالقدرة على التنبؤ ليست هي القدرة على الحكم الأخلاقي، والدقة الحسابية ليست هي الحكمة، وتحليل البيانات ليس هو الضمير. ولذلك ينبغي ألا يتحول القرار الآلي إلى سلطة غير قابلة للمراجعة، ولا ينبغي أن يُعفى الإنسان من مسؤوليته الأخلاقية بحجة أن «الخوارزمية قررت».

 

ومن هنا يمكن فهم التحذير من خطر أن يتحول الإنسان إلى خادم لإبداعاته الخاصة. فالتقدم الذي كان يفترض أن يزيد من حرية الإنسان يمكن، إذا انفصل عن الغاية الأخلاقية، أن يتحول إلى مصدر جديد للتبعية. وكلما ازدادت الأنظمة التقنية تعقيدًا، ازدادت الحاجة إلى إبقاء الإنسان في مركز القرار، وإلى ضمان إمكانية مساءلة الأنظمة ومراجعة نتائجها وتصحيح أخطائها. فالإنسان لا ينبغي أن يفقد حريته أمام التقنية التي صنعها، ولا أن يتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية لصالح نظام آلي لمجرد أنه أسرع أو أكثر قدرة على معالجة المعلومات.

 

وفي هذا السياق، يقدم «الفرح والرجاء» مبدأً بالغ الأهمية لعصر الذكاء الاصطناعي: ليس السؤال الأساسي هو إلى أي مدى يمكن للتكنولوجيا أن تتقدم، وإنما إلى أي مدى يساعد هذا التقدم الإنسان على أن يصبح أكثر إنسانية، وأن يحيا بكرامة وحرية ومسؤولية، وأن ينمو في علاقته بالآخرين وبالله. فالتقدم التقني الحقيقي لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الوظائف التي تستطيع الآلة القيام بها أو بحجم البيانات التي تستطيع معالجتها، بل بمدى مساهمته في خدمة الإنسان وصون كرامته وتعزيز الخير العام.

 

وهكذا يضع المجمع الفاتيكاني الثاني إطارًا فكريًا يمكن تطبيقه بصورة واضحة على تحديات الذكاء الاصطناعي المعاصر: العلم والتكنولوجيا عطية من عطايا العقل البشري، ولهما قيمة حقيقية عندما يخدمان الإنسان، لكنهما لا يستطيعان أن يحلا محل الإنسان في تحديد معنى الخير أو تحمل المسؤولية الأخلاقية. فالإنسان يظل هو صاحب الدعوة والغاية، والعقل والضمير هما من أهم العناصر التي تجعله مسؤولًا عن توجيه قدراته وإبداعاته. ومن ثم فإن مستقبل العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقوم على استبدال الإنسان بالآلة، بل على استخدام التقنية بطريقة تجعلها أداة لخدمة الإنسان، وتحافظ في الوقت نفسه على ما يميزه: كرامته، وحريته، وضميره، وقدرته على البحث عن الحقيقة والخير، ومسؤوليته أمام الله والآخرين.

 

يشكل التعليم البابوي امتدادًا مهمًا للرؤية المسيحية التي تضع الإنسان وكرامته في مركز التفكير في العلم والتكنولوجيا. ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين، أخذت الكنيسة الكاثوليكية تتعامل بصورة متزايدة مع التقدم العلمي والتقني ليس بوصفه واقعًا محايدًا فحسب، بل بوصفه تحديًا أنثروبولوجيًا وأخلاقيًا يمس معنى الإنسان وحريته ومسؤوليته. ومن هذا المنظور، تطور الخطاب البابوي من التساؤل عن علاقة الإنسان بالتقنية إلى البحث في الشروط الأخلاقية التي تجعل التقدم التقني في خدمة الإنسان، بدلًا من أن يتحول الإنسان إلى تابع لمنظوماته وإبداعاته.

 

وقد عمّق القديس البابا يوحنا بولس الثاني هذا المنظور من خلال الفلسفة الشخصانية، التي تنظر إلى الإنسان بوصفه شخصًا لا يجوز اختزاله إلى وظيفة أو أداة أو موضوع للاستخدام. ففي رسالته العامة «فادي الإنسان» (Redemptor Hominis) الصادرة عام 1979، اعترف بما يحمله التقدم العلمي والتقني من علامات واضحة على عظمة الإنسان وقدرته الإبداعية، لكنه طرح في الوقت نفسه سؤالًا نقديًا جوهريًا: «هل هذا التقدم، الذي الإنسان هو مؤلفه ومحركه، يجعل الحياة البشرية على الأرض أكثر إنسانية في كل جانب من جوانبها؟ هل يجعلها أكثر جدارة بالإنسان؟». ثم يربط هذا السؤال بالسؤال الأعمق عن الإنسان نفسه: هل أصبح الإنسان، وسط هذا التقدم، أكثر نضجًا روحيًا، وأكثر وعيًا بكرامته، وأكثر مسؤولية وانفتاحًا على الآخرين، ولا سيما المحتاجين والضعفاء؟

 

وتكشف هذه الرؤية أن معيار التقدم لا يمكن أن يكون مجرد زيادة القدرة التقنية أو تراكم الثروة أو ارتفاع سرعة الإنجاز. فقد يكون المجتمع قادرًا على إنتاج أدوات أكثر تعقيدًا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الإنسان أصبح أكثر إنسانية. ومن هنا يميز المنظور الشخصاني بين «التقدم التقني» و«التقدم الإنساني»: الأول يتعلق بما يستطيع الإنسان أن يصنعه، أما الثاني فيتعلق بما يصير إليه الإنسان نفسه. ولهذا فإن التقنية، مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تكون معيارًا مكتفيًا بذاته للحكم على جودة الحياة؛ إذ ينبغي أن يُسأل دائمًا عما إذا كانت تخدم الشخص، وتحمي حريته، وتعزز مسؤوليته، وتفتح المجال أمام التضامن مع الآخرين، ولا سيما الفئات الأكثر ضعفًا.

 

ومن هذا المنطلق يمكن فهم مفهوم الاغتراب بصورة جديدة في العصر الرقمي. فالاغتراب لا يحدث فقط عندما يفقد الإنسان السيطرة على عمله أو إنتاجه، بل يمكن أن يظهر أيضًا عندما تصبح الوسائل التي صنعها الإنسان هي التي تحدد طريقة تفكيره وقراراته وعلاقاته. وكلما أصبحت الأنظمة التقنية أكثر حضورًا في الحياة اليومية، ازداد خطر أن يبدأ الإنسان في النظر إلى ذاته وإلى الآخرين من خلال معايير السرعة والكفاءة والإنتاجية والمنفعة. وهنا يصبح التحدي الحقيقي هو المحافظة على أولوية الشخص الإنساني في مواجهة منطق يجعل قيمة الأشياء والأشخاص مرتبطة بما يمكن قياسه أو حسابه أو تحويله إلى بيانات.

 

ويأتي تعليم البابا بنديكتوس السادس عشر ليعمق هذا النقد من خلال مفهوم «العقلية التكنوقراطية». ففي رسالته العامة «المحبة في الحقيقة» (Caritas in Veritate) لعام 2009، يوضح أن التكنولوجيا يمكن أن تتحول إلى نوع من القوة الأيديولوجية عندما يُنظر إليها باعتبارها مكتفية بذاتها، وعندما تتركز الأسئلة على «كيف» يمكن فعل الأشياء، بينما تُهمَل الأسئلة المتعلقة بـ«لماذا» ينبغي فعلها وما الغاية منها. ويحذر من أن الرؤية التقنية قد تؤدي إلى مساواة الحقيقة بما هو ممكن تقنيًا، بحيث يصبح ما يمكن إنجازه تقنيًا مقبولًا أو مشروعًا لمجرد إمكانية إنجازه. وفي هذه الحالة تتحول الكفاءة والمنفعة إلى معايير مهيمنة، بينما يتراجع السؤال عن المعنى الإنساني والأخلاقي للفعل.

 

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في زمن الذكاء الاصطناعي، لأن القدرة التقنية أصبحت قادرة على إنتاج نتائج لم تكن متاحة للإنسان من قبل، الأمر الذي يجعل السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحًا: ليس كل ما يمكن أن تفعله التكنولوجيا ينبغي بالضرورة أن يُفعل، وليس كل ما تستطيع الخوارزمية التنبؤ به يصلح أن يكون أساسًا وحيدًا لقرار يمس حياة الإنسان. فالمشكلة ليست في وجود التقنية، بل في تحول «الإمكان التقني» إلى معيار وحيد للحقيقة والقيمة. ولذلك يؤكد بنديكتوس السادس عشر أن التكنولوجيا ينبغي أن تبقى مرتبطة بالمسؤولية الأخلاقية، وأن الحرية الإنسانية الأصيلة لا تعني التحرر من كل حدود أخلاقية، بل القدرة على توجيه التقنية وفق الخير والمسؤولية والمعنى.

 

أما البابا فرنسيس فقد نقل هذا النقاش إلى مرحلة أكثر مباشرة مع ظهور الذكاء الاصطناعي، مركزًا بصورة خاصة على ضرورة أن يكون التطور التقني متمحورًا حول الإنسان. ففي رسالته بمناسبة اليوم العالمي للسلام لعام 2024، دعا إلى تطوير ما سماه «أخلاقيات الخوارزميات» (Algor-ethics)، مؤكدًا أن الاعتبارات الأخلاقية ينبغي ألا تأتي بعد اكتمال التكنولوجيا، بل ينبغي أن تدخل منذ المراحل الأولى للبحث والتجريب والتصميم والإنتاج والتوزيع والتسويق. وهذا يعني أن الأخلاق لا ينبغي أن تكون مجرد آلية لتصحيح الأضرار بعد حدوثها، وإنما جزءًا من عملية تصميم التكنولوجيا نفسها، بحيث تُراعى القيم الإنسانية منذ البداية.

 

وتتضح هذه الرؤية أكثر في التمييز بين الاختيار التقني والقرار الإنساني. فالآلة تستطيع، اعتمادًا على معايير محددة أو استدلالات إحصائية، أن تختار بين بدائل متعددة، لكن القرار الإنساني يتضمن تقييمًا عمليًا للظروف والعواقب والمسؤولية والقيم. وقد أوضح البابا فرنسيس في حديثه عن الذكاء الاصطناعي أن الإنسان لا يكتفي بالاختيار، بل يستطيع أن «يقرر» بفضل قدرته على التمييز والحكم العملي، وهي قدرة ترتبط بالحكمة والمسؤولية الأخلاقية. ولذلك لا ينبغي أن تتحول الخوارزمية إلى بديل عن الحكم الإنساني، خصوصًا في القرارات التي تترتب عليها آثار عميقة في حياة الأشخاص.

 

وفي هذا السياق، تبرز مسألة القرارات المصيرية التي يمكن أن تتدخل فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل القرارات المتعلقة بالصحة والقضاء والأمن والحرب والتوظيف والخدمات الاجتماعية. فكلما كان القرار أكثر تأثيرًا في كرامة الإنسان وحقوقه وحياته، ازدادت الحاجة إلى بقاء المسؤولية الإنسانية واضحة وقابلة للمساءلة. ولذلك فإن المشكلة ليست في استخدام الخوارزميات لمساعدة الإنسان على اتخاذ القرار، بل في أن تتحول المساعدة التقنية إلى إحلال كامل للحكم الإنساني، بحيث يصبح الإنسان منفذًا لنتيجة آلية لا يفهم منطقها أو لا يستطيع مراجعتها أو الاعتراض عليها.

 

ويترجم «نداء روما لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» هذا التوجه إلى مبادئ عملية. فقد أُطلق النداء في 28 شباط/فبراير 2020 بمبادرة من الأكاديمية الحبرية للحياة وبمشاركة جهات من بينها Microsoft وIBM ومنظمة الأغذية والزراعة والحكومة الإيطالية، بهدف تعزيز مقاربة أخلاقية للذكاء الاصطناعي ووضع الإنسان في مركز الابتكار التكنولوجي. ويقوم النداء على ستة مبادئ أساسية هي: الشفافية، والشمول، والمسؤولية، والحياد أو الإنصاف، والموثوقية، والأمن وحماية الخصوصية. كما يؤكد ضرورة حماية الفئات الضعيفة وضمان أن تخدم التكنولوجيا الإنسان بدل أن تتحول إلى أداة لإقصائه أو استبداله تدريجيًا. ومن ثم، فإن المسار الممتد من يوحنا بولس الثاني إلى بنديكتوس السادس عشر ثم فرنسيس يكشف تطورًا واضحًا في التفكير الكاثوليكي حول التكنولوجيا: من السؤال عن مدى جعل التقدم حياة الإنسان «أكثر إنسانية»، إلى نقد العقلية التكنوقراطية التي تساوي بين الممكن تقنيًا والمقبول أخلاقيًا، وصولًا إلى وضع مبادئ عملية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي. والقاسم المشترك بين هذه المراحل جميعًا هو التأكيد على أولوية الإنسان بوصفه شخصًا ذا كرامة وحرية وضمير ومسؤولية، وعلى أن التكنولوجيا ينبغي أن تبقى وسيلة في خدمة الإنسان لا معيارًا يحدد معنى الإنسان أو قيمة حياته.

 

وبذلك لا يقدم التعليم البابوي موقفًا رافضًا للتكنولوجيا، بل يدعو إلى قراءة نقدية لها. فالتكنولوجيا ثمرة من ثمار العقل البشري ويمكن أن تسهم بصورة كبيرة في تحسين الحياة وخدمة المجتمع، لكنها تحتاج إلى توجيه أخلاقي يحدد غاياتها وحدودها. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه الرؤية أكثر أهمية، لأن التحدي لم يعد يتعلق فقط بما تستطيع الآلات أن تفعله، بل بما ينبغي للإنسان أن يسمح لها بفعله، وبالمكان الذي يجب أن يبقى للضمير والحكمة والمسؤولية الإنسانية في عالم تتزايد فيه القرارات المدعومة بالخوارزميات. ومن هنا يمكن القول إن السؤال المسيحي الأساسي أمام الثورة الرقمية ليس: «إلى أي مدى نستطيع أن نجعل الآلة ذكية؟»، بل: «كيف نحافظ على الإنسان إنسانًا، وعلى كرامته وحريته ومسؤوليته، بينما تزداد الآلة قدرةً وتأثيرًا؟».

 

 

التحديات والمخاطر المعاصرة على حياة الناس اليوم

 

تترجم المبادئ اللاهوتية والكنسية المتعلقة بكرامة الإنسان وحرية الضمير وأولوية الشخص إلى مجموعة من المخاطر الواقعية التي يفرضها التطور التقني والذكاء الاصطناعي على حياة الأفراد والمجتمعات. فالتحدي لم يعد يتمثل في السؤال النظري عن إمكانات التكنولوجيا، وإنما في كيفية تأثيرها الفعلي في طريقة تفكير الإنسان، وعلاقاته، وعمله، وقراراته، وعلاقته بالحقيقة. وكلما ازدادت قدرة الأنظمة الذكية على محاكاة المعرفة والتواصل واتخاذ القرارات، ازدادت الحاجة إلى التأكد من أن هذه الأدوات تظل في خدمة الإنسان، ولا تتحول إلى قوة تعيد تشكيل الإنسان وفق منطقها الخاص.

 

ومن أبرز هذه المخاطر خطر ضمور الضمير والاتكال المعرفي. فالإنسان الذي يستطيع أن يحصل على إجابة فورية عن أي سؤال تقريبًا قد يفقد تدريجيًا الدافع إلى البحث والتأمل والتحقق والمقارنة، فيتحول من طالب للحقيقة إلى مستهلك لإجابات جاهزة. والمشكلة هنا لا تكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، وإنما في أن يحل الاعتماد عليه محل النشاط العقلي الشخصي. فإذا اعتاد الإنسان أن يترك للآلة مهمة التفكير والبحث والتحليل والحكم، فقد تتراجع قدرته على ممارسة التفكير النقدي وعلى تحمل مسؤولية ما يعتقده ويقرره. ومن المنظور المسيحي، يزداد الأمر أهمية لأن العقل والضمير ليسا مجرد أدوات لمعالجة المعلومات، بل هما جزء من مسؤولية الشخص أمام الحقيقة والخير وأمام الله. ولذلك ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي معينًا للإنسان في بحثه عن الحقيقة، لا بديلًا عن هذا البحث.

 

ويرتبط بذلك خطر آخر يتمثل في تفكيك العلاقات الإنسانية والعزلة الرقمية. فالإنسان كائن علائقي، ولا تتحقق إنسانيته من خلال تبادل المعلومات وحده، بل من خلال اللقاء والحضور والتعاطف والمشاركة والالتزام المتبادل. وقد تستطيع الأنظمة التوليدية إنتاج لغة تبدو حنونة ومتعاطفة، ومحاكاة أساليب التواصل الإنساني بدرجة متقدمة، إلا أن التشابه في التعبير لا يعني بالضرورة وجود علاقة شخصية متبادلة. فاللقاء الإنساني يتضمن حضور شخص أمام شخص آخر، وقدرة على الإصغاء والمشاركة وتحمل المسؤولية والمخاطرة بالعطاء والمحبة. ومن هنا يبرز خطر أن تحل التفاعلات الرقمية محل بعض أشكال العلاقة الإنسانية المباشرة، أو أن يتعامل الإنسان مع المحاكاة العاطفية باعتبارها بديلًا كاملًا عن العلاقات الواقعية. ولا يعني ذلك أن التكنولوجيا هي سبب كل أشكال الوحدة والعزلة، لكن انتشارها يفرض سؤالًا مهمًا حول كيفية استخدامها بحيث تعزز الروابط الإنسانية بدل أن تؤدي إلى إضعافها.

 

ويظهر خطر ثالث في التشديد المفرط على الكفاءة على حساب الكرامة. فقد أصبحت السرعة والإنتاجية والدقة مؤشرات أساسية في تقييم الأنظمة التقنية، وهناك خطر في أن تنتقل هذه المعايير نفسها إلى تقييم الإنسان. فإذا أصبح الإنسان يُقاس بقدرته على منافسة الآلة في السرعة والإنتاج، فقد يتحول الأشخاص الذين تقل قدرتهم الإنتاجية إلى فئات ينظر إليها باعتبارها أقل قيمة. وهنا تبرز أهمية التصور المسيحي للكرامة الإنسانية الذي لا يربط قيمة الإنسان بمقدار إنتاجه. فالطفل، والمسن، والمريض، والشخص ذو الإعاقة، ومن يمر بظروف تمنعه من الإنتاج، لا يفقد شيئًا من كرامته بسبب انخفاض قدرته على العمل أو المنافسة. إن قيمة الإنسان تسبق إنتاجيته، ولذلك يجب ألا تتحول التكنولوجيا إلى معيار جديد يحدد من يستحق الاهتمام ومن لا يستحقه.

 

ومن أخطر المجالات كذلك تغليب التحكم الآلي وتسليم القرارات المصيرية إلى الخوارزميات. فقد أصبحت الخوارزميات تدخل في مجالات تتعلق بالتوظيف، والائتمان، والتأمين، والرعاية الصحية، وتقييم المخاطر، وغيرها من القرارات التي يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في حياة الأشخاص. وتكمن المشكلة في أن القرار الخوارزمي قد يبدو موضوعيًا ومحايدًا لمجرد أنه قائم على البيانات، بينما قد تحمل البيانات نفسها تحيزات تاريخية أو اجتماعية، وقد لا تستطيع الخوارزمية إدراك الظروف الفردية والاستثنائية التي قد تكون ذات أهمية أخلاقية. فالعدالة ليست مجرد تطبيق آلي لمعيار موحد، لأن الحكم العادل يحتاج أحيانًا إلى فهم السياق والظروف والاستماع إلى الشخص المتأثر بالقرار. ومن هنا لا ينبغي أن تتحول الخوارزمية إلى سلطة نهائية في القرارات التي تمس حياة الإنسان وكرامته، بل ينبغي أن تظل أداة مساعدة تخضع للمراجعة البشرية والمساءلة.

 

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بمجالات مثل القضاء والصحة والحرب، حيث يمكن للقرار الخاطئ أن تكون له نتائج بالغة الخطورة. ففي هذه المجالات لا تكفي الكفاءة الحسابية وحدها، لأن القرار يتضمن مسؤولية أخلاقية وقانونية وإنسانية. ولذلك فإن استخدام الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون مصحوبًا بوضوح المسؤولية، وإمكان المراجعة والاعتراض، وحماية الحقوق الأساسية، وعدم تحويل الإنسان إلى مجرد مجموعة من البيانات والمؤشرات الاحتمالية.

 

أما الخطر الخامس فيتمثل في تزييف الحقيقة وتآكل الثقة المجتمعية. فقد جعلت تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي إنشاء الصور والأصوات ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، بما في ذلك ما يعرف بالتزييف العميق (Deepfakes). وهذا يخلق تحديًا جديدًا للتمييز بين الحقيقي والمصطنع، خصوصًا عندما تُستخدم المواد المزيفة لتشويه سمعة الأشخاص أو نشر معلومات مضللة أو التأثير في الرأي العام أو إثارة النزاعات. ولا يقتصر الضرر هنا على تصديق المعلومات الكاذبة؛ فانتشار التزييف يمكن أن يؤدي أيضًا إلى فقدان الثقة في المواد الحقيقية، بحيث يستطيع الشخص أن يرفض دليلًا صحيحًا بمجرد الادعاء بأنه مزيف. وهكذا لا يصبح الخطر مجرد انتشار الكذب، بل تآكل البيئة المشتركة التي يحتاج إليها المجتمع للوصول إلى الحقيقة وبناء الثقة.

 

وتتصل هذه المخاطر جميعًا بمبدأ واحد هو ضرورة إبقاء الإنسان في مركز العملية التقنية. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة عظيمة للمعرفة والتعليم والطب والبحث العلمي وتحسين الخدمات، لكن فائدته لا تُقاس بقدرته التقنية وحدها. ينبغي أن يُسأل دائمًا عن أثره في الإنسان: هل يعزز حريته أم يقللها؟ هل يساعده على البحث عن الحقيقة أم يجعله مستهلكًا لإجابات جاهزة؟ هل يقوي العلاقات الإنسانية أم يستبدل بها محاكاة رقمية؟ هل يحمي كرامة الضعفاء أم يزيد تهميشهم؟ هل يساعد على اتخاذ قرارات أكثر عدلًا أم ينقل السلطة إلى أنظمة يصعب مساءلتها؟ وهل يسهم في بناء الثقة أم يجعل الحقيقة أكثر هشاشة؟

 

ومن هذا المنظور، لا تتمثل الاستجابة المسيحية للتطور التقني في رفض التكنولوجيا أو الخوف منها، بل في إخضاعها للتمييز الأخلاقي والأنثروبولوجي. فالمشكلة الأساسية ليست أن الآلة أصبحت أكثر ذكاءً، وإنما أن الإنسان قد يسمح لقدرات الآلة بأن تعيد تعريف معنى الإنسان نفسه. ولذلك تبقى الأولوية للكرامة الإنسانية والضمير والحرية والعلاقة والحقيقة، وتظل التكنولوجيا وسيلة ينبغي أن تخدم هذه القيم لا أن تحل محلها. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، يصبح الدفاع عن كرامة الإنسان دفاعًا عن حقه في أن يبقى شخصًا مسؤولًا، لا مجرد مستخدم أو مستهلك أو رقم أو مجموعة بيانات، وأن تظل القرارات التي تمس جوهر حياته مرتبطة بالحكمة والضمير والمسؤولية الإنسانية.

 

 

خاتمة

 

في ختام هذه الدراسة، يتضح أن التطور التقني والذكاء الاصطناعي يضعان الإنسان أمام سؤال يتجاوز حدود التقنية ذاتها، ليصل إلى صميم السؤال عن معنى الإنسان وكرامته ومكانته في العالم. فالكتاب المقدس يؤسس قيمة الإنسان على كونه مخلوقًا على صورة الله، ومن ثم فإن كرامته ليست نتيجة لما يمتلكه من معرفة أو قدرة أو إنتاجية، ولا تتوقف على مقدار ما يستطيع أن ينجزه أو يقدمه، بل هي كرامة أصيلة متجذرة في وجوده الإنساني نفسه. ومن هنا لا يمكن أن يكون التقدم التقني معيارًا لقيمة الإنسان، بل يجب أن يبقى الإنسان هو المعيار الذي تُقاس به قيمة هذا التقدم وغاياته.

 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة نقدية للذكاء الاصطناعي لا تقوم على رفضه ولا على تمجيده، بل على التمييز بين ما يمكن للتكنولوجيا أن تفعله وما ينبغي لها أن تفعله. فالآلة يمكن أن تساعد الإنسان على المعرفة واتخاذ القرار، لكنها لا ينبغي أن تسلبه مسؤوليته أو تحل محل حكمه الأخلاقي، ولا ينبغي أن تتحول الكفاءة والسرعة والدقة إلى معايير تحدد قيمة الأشخاص. كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي يتطلب حماية الحقيقة والثقة والعلاقات الإنسانية، ومنع تحوله إلى وسيلة للتلاعب أو التمييز أو التهميش أو انتهاك الخصوصية والكرامة.

 

إن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يتحدد فقط بما ستصل إليه الآلات من قدرات، بل بالخيارات الأخلاقية التي يتخذها الإنسان في توجيه هذه القدرات. ولذلك فإن المهمة الأساسية ليست بناء آلات أكثر قدرة فحسب، وإنما بناء ثقافة إنسانية وأخلاقية قادرة على توجيه التقنية نحو الخير. وفي هذا السياق، تظل الرؤية المسيحية تذكّر بأن الإنسان لا يُختزل في عقله الحسابي، ولا في إنتاجيته، ولا في بياناته، ولا في قدرته على منافسة الآلة، بل هو شخص ذو كرامة، وضمير، وحرية، وعلاقة، ودعوة إلى المحبة.

 

وعليه، فإن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يبقى في مكانه الصحيح: أداة في يد الإنسان، لا بديلًا عن الإنسان؛ وسيلة لخدمة الحياة، لا معيارًا لقيمة الحياة؛ معينًا للعقل والضمير، لا سلطة عليهما. وكل تقدم تقني لا يحافظ على كرامة الإنسان وحريته ومسؤوليته وحقيقته الداخلية يبقى تقدمًا في القدرة، لكنه لا يرقى بالضرورة إلى أن يكون تقدمًا في الإنسانية. أما التحدي الأعمق أمام الإنسان المعاصر فهو أن يستثمر قوة التكنولوجيا دون أن يفقد ما يجعله إنسانًا، وأن يجعل من الذكاء الاصطناعي وسيلة لبناء عالم أكثر عدلًا وتضامنًا وكرامة، بدل أن يسمح له بأن يعيد تعريف الإنسان وفق مقاييس الآلة.