موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أود أولاً أن أشكر السيد مجدي خليل على اهتمامه بالمسيحيين في الشرق الأوسط، وعلى متابعته لأوضاعهم المقلقة، من خلال كتاباته وتصريحاته، ومن خلال تنظيم هذا المنتدى السنوي من أجلهم.
كان المسيحيون في الشرق الأوسط هم السكان الأصليون للمنطقة عندما وصل المقاتلون المسلمون من شبه الجزيرة العربية. وكانت الغالبية السكانية من المسيحيين، في بلاد ما بين النهرين (العراق الحديث)، وكذلك في سوريا ولبنان ومصر وفلسطين. واليوم يواجه المسيحيون خطر الاندثار بسبب الأنظمة الطائفية، والميليشيات، وتصاعد العنف، والصراعات المسلحة، والحروب. فعلى سبيل المثال، كان المسيحيون في العراق يشكلون نحو 4٪ من السكان قبل سقوط النظام، أما اليوم فربما تقل نسبتهم عن 1٪. وفي سوريا كانوا يشكلون نحو 20٪، أما اليوم فقد أصبحوا قريبين من 1٪، وهكذا.
السبب الأول
لا تزال مجتمعات الشرق الأوسط بعيدة عن تبني نظام الدولة المدنية الذي يوحّد الجميع تحت مظلة المواطنة الشاملة. فمعظم الأنظمة تعلن الإسلام ديناً رسمياً للدولة، وغالباً ما يُستخدم ذلك غطاءً لتحقيق أهداف سياسية ومادية، الأمر الذي يشوّه صورة الإسلام ويضعف العيش المشترك.
وعندما تتحول العلاقة الدينية أو الطائفية من كونها علاقة إيمانية حرة مع الله ومعاملة حسنة للآخرين إلى أيديولوجيا مُسيّسة، فإنها تصبح ساحة للصراع السياسي والطائفي. وعندها تصبح الحكومات عاجزة عن حماية حقوق وممتلكات المسيحيين وغيرهم من الأقليات.
لا يزال العنف القائم على الدين أو الطائفية حاضراً في الخطاب السياسي والديني. وقد سمعنا تصريحات غريبة خلال الحروب الأخيرة، مثل القول: «لقد انتصرنا لأننا قدمنا شهداء...!
السبب الثاني
إن انتشار الجهل والأمية خلق بيئة مناسبة لظهور الجماعات المتطرفة ذات الأيديولوجيات الراديكالية، التي تسعى لإقامة دولة دينية تقوم على الشريعة الإسلامية، من دون إدراك أن أساليب التفكير قد تغيرت، وأن مواقف الناس قد تطورت، وكذلك الثقافة واللغة. كما ظهرت قضايا وقيم جديدة لم يتناولها الخطاب الديني التقليدي.
أما في الغرب -الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأوروبا- فإن الأنظمة المدنية العلمانية تشكل الأساس الذي تقوم عليه تلك المجتمعات. ولذلك تعيش هذه المجتمعات ضمن إطار من التنوع، وتقوم العلاقات فيها على العدالة والمساواة، لا على الإقصاء أو فرض المعتقدات بالقوة. وتسعى الحكومات هناك إلى توفير حياة كريمة لجميع المواطنين بالتساوي، بمن فيهم المهاجرون المسلمون، انطلاقاً من الإيمان بأن التنوع مصدر قوة وليس مشكلة.
الحلول
في ضوء هذه التحديات المقلقة والمخيفة إزاء حالة من الفوضى للنظام العالمي أقترح النقاط التالية:
1. قراءة واقعية ودقيقة للوضع الحالي، يتبعها الانخراط في عملية الإصلاح الداخلي المطلوب. ويجب وضع سياسة واضحة لحل المشكلات وبناء دولة وطنية مدنية. ومن غير المقبول التساهل مع وجود «دولة داخل الدولة». كما يجب مواجهة الفساد المستشري بحزم ومن دون محاباة، واستعادة أموال الدولة بقوة. ويتطلب الوضع تشريعات جديدة وإصلاح القوانين الموروثة القديمة التي لم تعد تتناسب مع واقع اليوم.
2. يحتاج المواطنون، بمن فيهم المسيحيون، إلى سلام عادل ودائم، وإلى الأمن، وفرص العمل والخدمات والحرية، وإلى حياة إنسانية تُعاش بكرامة وسعادة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال إقامة مشروع دولة حديثة يتمتع فيها جميع المواطنين بالمواطنة المتساوية ويتوحدون تحت هوية وطنية واحدة.
3. الدين مسألة خاصة وشخصية، ولكل فرد الحرية في أن يؤمن أو لا يؤمن. أما الشؤون العامة فيجب أن تعتمد على الكفاءة والقدرة. فجميع المواطنين متساوون، بمن فيهم المسيحيون، الذين لا يقلون كفاءة أو ولاءً عن غيرهم. ويجب أن يتمتع جميع المواطنين بحرية التعبير الديني.
4. يجب أن يبقى المسيحيون في أرضهم وأن يحافظوا على تراثهم الوطني والثقافي والديني. وعليهم أن يوحدوا خطابهم ومواقفهم في المطالبة بالأمن والطمأنينة والعدالة والمساواة، وألا ينظروا إلى أنفسهم فقط كأقلية دينية مهددة. فالخلاص يكمن في الوحدة، والمناصرة، والدعم الذي يساعدهم على البقاء، والحفاظ على الأمل، والعيش في بيئة آمنة، وتنمية مناطقهم، وخلق فرص عمل.
5. ينبغي على الغرب أن يدعم المسيحيين بوصفهم مواطنين أصليين، من خلال الإصرار على احترام حقوق الإنسان في هذه البلدان، والالتزام بالقانون الدولي الذي يدعم التنوع الديني والعرقي، ويعزز ويحمي حرية التعبير. يجب ألا تُفرغ هذه البلدان تدريجياً من المسيحيين الشرقيين الذين يمثلون جذور المسيحية الأولى.
إننا نحلم بوطن آمن، والاستقرار الدائم، يحتضن الحريات، والمواطنة الشاملة، والعدالة، والمساواة. نحن أبناء هذه الأرض ولسنا مهاجرين قدموا من بلدان أخرى.