موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لعبت مدينة نابلس دورًا مهمًا في العصور المسيحية المبكرة، إذ كانت جزءًا من جغرافيا روحية وحضارية نشطة في قلب الأرض المقدسة. فقد ازدهرت المدينة ومحيطها في الفترات البيزنطية بوصفها محطة عبور واستقرار، واحتضنت مواقع دينية مرتبطة بالذاكرة الإنجيلية والتقليد المسيحي، من أبرزها بئر يعقوب الذي ظل شاهدًا على هذا الامتداد التاريخي. كما ارتبطت المنطقة بمسارات الحج، مما منح نابلس حضورًا ضمن المشهد الروحي الأوسع للمنطقة، ورسّخ مكانتها كمدينة تحمل طبقات متراكمة من التاريخ الديني والإنساني.
يقع بئر يعقوب عند أطراف مدينة نابلس، حيث تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ، وتلتقي الذاكرة الدينية مع الحياة اليومية للإنسان الفلسطيني. ويُعد هذا البئر من أقدم المعالم المرتبطة بالكتاب المقدس في فلسطين، ومن أكثرها حضورًا في الوعي المسيحي والإنساني، لأنه يجمع بين معنى الماء كمصدر للحياة، ومعناه كرمز روحي يتجاوز حدود الجسد.
يرتبط بئر يعقوب بتقليد قديم ينسب حفره إلى النبي يعقوب بعد استقراره في أرض شكيم (نابلس)، حيث احتاج إلى مصدر ماء دائم له ولعائلته وقطعانه في منطقة تعتمد على الأمطار الموسمية والآبار. وكان حفر بئر في الصخور الكلسية لجبال فلسطين عملًا شاقًا يعكس عمق ارتباط الإنسان بالأرض وسعيه لتثبيت حياته فيها. وهكذا أصبح البئر علامة على الاستقرار والبقاء، ومصدرًا أساسيًا للحياة في بيئة جبلية محدودة الموارد.
وفي فلسطين عمومًا، شكّلت الآبار جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، لكنها في الوقت نفسه كانت انعكاسًا لوعي بيئي مبكر فرضته طبيعة المناخ شبه الجاف وتذبذب الهطول المطري بين المواسم والسنوات. فقد دفع هذا الواقع السكان منذ العصور القديمة إلى تطوير منظومة متكاملة لإدارة المياه تقوم على حصاد مياه الأمطار وتخزينها في الآبار والبرك والخزانات الصخرية، إضافة إلى استثمار المدرجات الزراعية لتقليل انجراف المياه وتعظيم الاستفادة منها. وبهذا المعنى لم يكن الماء مجرد مورد طبيعي متاح، بل عنصرًا محدودًا يستوجب إدارة دقيقة وحسن استخدام، ما جعل من ثقافة الماء جزءًا من نمط الحياة اليومي. كما ارتبطت هذه المنظومة بروح التعاون المجتمعي، إذ كانت صيانة الآبار وتنظيفها وتنظيم استخدامها تتم بصورة جماعية، تعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية الاستدامة وضمان استمرار المورد للأجيال.
وفي هذا الإطار الإنساني العميق، يرد في إنجيل يوحنا مشهد لقاء السيد المسيح له المجد بالمرأة السامرية عند بئر يعقوب. جاءت المرأة في وقت اعتيادي لتستقي الماء، لكن اللقاء تحوّل إلى حوار يكشف أبعادًا أعمق للعطش والارتواء. طلب منها المسيح ماءً ليشرب، ثم قادها إلى معنى "الماء الحي" الذي يشبع عطش الروح، متجاوزًا الحدود الاجتماعية والدينية، ومحوّلًا مشهدًا يوميًا بسيطًا إلى إعلان روحي عميق.وبهذا الحدث يتحول البئر من مكان لاستخراج الماء إلى رمز لمعنى الحياة نفسها، حيث يصبح الجسدي بابًا لفهم الروحي، واليومي مدخلًا لاكتشاف الأبدية.
وقد اكتسب هذا الموقع مكانة خاصة في التاريخ المسيحي، فشُيّدت فوقه كنيسة منذ القرن الرابع الميلادي ، ضمن حركة واسعة لتكريم الأماكن المرتبطة بحياة السيد المسيح. تعاقبت على الكنيسة مراحل دمار وإعادة إعمار عبر القرون، حتى وصلت إلى شكلها الحالي ككنيسة أرثوذكسية تُعرف بكنيسة القديسة فوتيني (المرأة السامرية)، التي تحتضن البئر داخلها، بحيث يمكن للزائر أن يرى فوهته المحفورة في الصخر وينزل إليه كما في العصور القديمة.
وتحمل الكنيسة أيضًا ذاكرة حديثة مؤثرة من خلال سيرة الشهيد فيلومينوس، الراهب الأرثوذكسي الذي خدم في كنيسة بئر يعقوب وتولى رعايتها في فترة من حياته. وقد عاش حياة بسيطة مكرسة للصلاة والخدمة، إلى أن تعرّض لاعتداء داخل الكنيسة نفسها أدى إلى استشهاده وأعلنت قداسته حديثًا. ومع مرور الوقت أصبحت سيرته جزءًا من ذاكرة المكان، يُنظر إليه كشاهد معاصر على قدسية هذا الموقع، ورمز للتفاني والصمود، واستمرار الحضور الإيماني في المكان ذاته الذي شهد عبر القرون لقاءات وصراعات وعبادة وصلاة.
إن اجتماع البئر والكنيسة والشهادة الإنسانية في مكان واحد يجعل من بئر يعقوب أكثر من موقع أثري أو ديني؛ إنه طبقات من التاريخ الحي. فالبئر يرمز إلى حاجة الإنسان للماء والحياة، والكنيسة تحفظ الذاكرة الروحية، والشهيد فيلومينوس يمثل امتدادًا حيًا لتلك الذاكرة في العصر الحديث.
وهكذا يغدو بئر يعقوب علامةً حية على أن الماء في فلسطين ليس مجرد مورد طبيعي، بل عنصرٌ جوهري في تشكيل هوية الإنسان وذاكرته الروحية والثقافية. فهو يجمع بين ضرورة البقاء المادي ومعنى الارتواء الداخلي، حيث يتداخل ما يحفظ الجسد بما يمنح الحياة معناها الأعمق، في انسجامٍ يكشف أن سرّ الحياة لا يكمن فقط في وفرة الماء، بل في عمق ما يرمز إليه من معنى ونعمة وحضور.
في الختام، يقف هذا البئر شاهدًا على لحظة التقاء فريدة بين الأرض والإيمان، وبين التاريخ والحاضر، في فضاء تتراكم فيه المعاني ولا تفقد حضورها. إنه مكان لا يزال يحتفظ بنبضه الرمزي والروحي، ويمنح الذاكرة قدرة دائمة على استحضار المعنى، وكأن الزمن لم يطفئ فيه شيئًا من دلالته الأولى. وتبقى نابلس مدينةً حاضنةً لذاكرةٍ روحية وتاريخية متجذّرة في قلب الأرض المقدسة.