موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ٧ يونيو / حزيران ٢٠٢٦
البطريرك ميناسيان يوجه رسالة رعوية في العيد الأول للقديس مالويان

رافي سايغ :

 

بمناسبة العيد الأول للقديس الشهيد إغناطيوس مالويان بعد إعلان قداسته، وجّه صاحب الغبطة البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان، كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك، رسالة رعوية إلى أصحاب السيادة المطارنة أعضاء السينودس المقدّس، والآباء الكهنة والرهبان والراهبات، وأبناء الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في مختلف أنحاء العالم، دعا فيها إلى استلهام شهادة القديس مالويان والاقتداء بأمانته وثباته في الإيمان.

 

واستهلّ صاحب الغبطة رسالته بالآية الإنجيلية: «إِنْ سَقَطَتْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الْأَرْضِ وَمَاتَتْ أَتَتْ بِثَمَرٍ كَثِير» (يوحنا 12: 24)، معربًا عن مشاعر الفرح الروحي والامتنان لله بمناسبة الاحتفال بهذا العيد التاريخي، الذي يأتي للمرة الأولى بعد إعلان قداسة المطران الشهيد إغناطيوس مالويان، مؤكدًا أن الكنيسة لا تستذكر شهيدًا من الماضي فحسب، بل تحتفل بعلامة حيّة لحضور الله العامل في تاريخ شعبه وكنيسته.

 

 

الشهادة التي أثمرت قداسة

 

وأشار غبطته إلى أن إعلان قداسة القديس إغناطيوس مالويان لا يقتصر على تكريم ذكرى رجل عظيم، بل يشكّل اعترافًا كنسيًا بأن نعمة الله تجلّت في حياته بأبهى صورها، وأن الشهادة التي خُتمت بالدم أثمرت قداسة تجاوزت حدود الزمن والأمكنة.

 

وأوضح أن الكنيسة رأت في استشهاده انتصارًا للإيمان، إذ حيث رأى العالم نهايةً مأساوية، أبصرت الكنيسة شهادةً حيّة للحقيقة، وحيث ظنّ الظالمون أنهم يطفئون صوت الحق، شاء الله أن يتحوّل ذلك الصوت إلى ترنيمة تتردّد عبر الأجيال.

 

 

الراعي الذي لم يترك شعبه

 

وتوقّف البطريرك ميناسيان عند شخصية القديس مالويان بوصفه مثالًا للراعي الصالح الذي لم يتخلَّ عن قطيعه في ساعة المحنة، بل أحبّ كنيسته وشعبه حتى النهاية، وحمل صليب الدعوة الأسقفية بأمانة وشجاعة نادرتين. وأكد أن حياته تشكّل نموذجًا للأسقف والكاهن والمؤمن، وصورةً مشرقة للإنسان الذي جعل من حياته تقدمة كاملة لله، فصار شاهدًا حيًا على قوة الإيمان والرجاء وسط الألم والاضطهاد.

 

ولفت غبطته إلى أن عالم اليوم يواجه تحديات روحية وأخلاقية متزايدة، حيث تتعرض القيم الإنسانية والدينية لامتحانات قاسية، ويجد الإنسان نفسه أمام إغراءات تدفعه إلى المساومة على الحقيقة والهوية والإيمان. وفي هذا السياق، اعتبر أن القديس مالويان يقدّم شهادة معاصرة تؤكد أن الثبات ممكن، وأن الأمانة ليست ضعفًا بل قوة، وأن الرجاء المسيحي يبقى قادرًا على الانتصار مهما اشتدت العواصف.

 

 

رسالة خاصة إلى أبناء الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية

 

وشدّد صاحب الغبطة على أن الاحتفال بهذه المناسبة المباركة يجب ألا يبقى في إطار التذكر والإعجاب، بل أن يتحوّل إلى دعوة حقيقية للاقتداء، لأن القديسين ليسوا شخصيات تاريخية نكرّمها من بعيد، بل رفاق درب يقودون المؤمنين إلى المسيح. وأضاف أن سيرة القديس إغناطيوس مالويان تذكّر المؤمنين بأن القداسة تبدأ من الأمانة في الواجبات اليومية، ومن محبة الكنيسة، ومن الاستعداد لوضع إرادة الله فوق كل اعتبار.

 

كما حملت الرسالة الرعوية دعوة خاصة إلى أبناء الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية المنتشرين في مختلف أنحاء العالم، للتمسك بإرثهم الروحي والكنسي ونقله إلى الأجيال الجديدة. وأشار البطريرك ميناسيان إلى أن القديس مالويان حافظ على إيمانه وهويته وانتمائه الكنسي وسط المحن والاضطهادات، ولذلك فإن المؤمنين مدعوون اليوم إلى المحافظة على هذا الإرث الثمين، لكي تبقى الكنيسة حيّة ومثمرة وشاهدة للإنجيل في كل مكان.

 

 

زمن نعمة وتجدد روحي

 

ودعا غبطته إلى جعل هذا العيد المبارك مناسبة للنعمة والتجدد الروحي، رافعًا الصلاة بشفاعة القديس إغناطيوس مالويان من أجل العائلات والشباب والمرضى والمتألمين، ومن أجل السلام والعدالة والاستقرار في الأوطان. كما ابتهل إلى الله أن تبقى الكنيسة ثابتة في الرجاء، عاملة بالمحبة، وسائرة بثقة على دروب القداسة، وأن يرافق القديس مالويان مسيرة المؤمنين ويشفع فيهم أمام عرش الله.

 

وأكد في ختام رسالته أن حياة القديس الشهيد تبقى منارة تضيء الطريق أمام الأجيال، وأن شهادته تشكّل نداءً دائمًا إلى الأمانة والشجاعة والرجاء، مشددًا على أن تقديسه هو رسالة حيّة تدعو المؤمنين إلى المثابرة في طريق القداسة والاتحاد بالمسيح.

 

ويُذكر أن الكنيسة الجامعة أعلنت قداسة المطران الشهيد إغناطيوس مالويان، رئيس أساقفة ماردين وتوابعها للأرمن الكاثوليك، خلال احتفال رسمي  في ساحة  القديس بطرس بالفاتيكان في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2025، بعد أكثر من قرن على استشهاده عام 1915، ليُدرج اسمه في سجل قديسي الكنيسة الكاثوليكية شاهدًا للإيمان والأمانة حتى بذل الحياة.

 

وتكتسب احتفالات هذا العام أهمية خاصة، إذ تشكّل المناسبة الأولى التي تحتفل فيها الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية بعيد القديس إغناطيوس مالويان بعد إعلان البابا لاون الرابع عشر قداسته، في محطة تاريخية وروحية تستعيد شهادة راعٍ بقي أمينًا للمسيح وكنيسته وشعبه حتى النهاية، فتحوّلت شهادته بمرور الزمن إلى قداسة، وصار اسمه منارة رجاء للأجيال الجديدة في الكنيسة الجامعة.