موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٨ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
البابا لاون في عشية ميلاد العذراء من جيناتسانو: مريم فجر يوم جديد
وطريق الله بسيط وصامت لكنه قادر على تغيير التاريخ

أبونا :

 

ترأس البابا لاون الرابع عشر، مساء الاثنين 7 أيلول 2026، قداس عشية عيد ميلاد مريم العذراء في مزار أمّ المشورة الصالحة في جيناتسانو، جنوب شرق روما، وهو المزار الأغسطيني الذي يرتبط به البابا بعلاقة روحية خاصة منذ سنوات طويلة.

 

وفي عظته، استعاد البابا زيارته إلى المزار في الأيام الأولى من حبريته، قائلاً إنه شعر آنذاك بـ"واجب ورغبة عميقة" في التوجه إلى جيناتسانو، إلى مزار العذراء التي رافقته طوال حياته "بحضورها الأمومي، وحكمتها، ومثال محبتها لابنها، الابن الذي يبقى دائمًا في مركز إيماني".

 

وأضاف الأب الأقدس أنه يعود اليوم بفرح إلى المزار للاحتفال بعشية ميلاد العذراء، وليوكل إلى مريم الطفلة كل ما لا يزال يولد في هذه الإنسانية الفقيرة والرائعة، هشًّا كبرعم صغير، لكنه في الوقت نفسه علامة على أمانة الله.

 

وقال البابا: "مريم هي فجر يوم مختلف، فجر عالمنا الذي سيتحرر أخيرًا من الشر"، داعيًا المؤمنين إلى طلب مشورتها الصالحة لكي يقبلوا كلمة الله ويحفظوها في داخلهم ويجسدوها من خلال قرارات شجاعة وحكيمة، وقرارات توبة حقيقية".

 

 

حضور صامت غيّر مجرى التاريخ

 

وتوقف لاون الرابع عشر عند ما وصفه بمفارقة صِغر مريم وموقعها الهامشي ظاهريًا، مقابل الدور المركزي الذي أدته في تدبير الخلاص. واستشهد بالقديس توما دي فيلانوفا، الراهب والأسقف الأغسطيني، الذي تساءل لماذا تحدث الإنجيليون بإسهاب عن يوحنا المعمدان والرسل، بينما لم يرووا إلا القليل جدًا عن ميلاد مريم ونشأتها وحياتها اليومية وعلاقتها بابنها والرسل.

 

وأشار البابا إلى أن هذا الصمت نفسه يحمل رسالة إيمانية، لأن المؤمن مدعو إلى أن يتعلم من مريم "الذكاء الذي يتحاور مع الله، ويطرح الأسئلة، ويفسر الأحداث من خلال حفظها وربطها في القلب". وقال إن إنجيل متى لا ينقل في المقطع الذي تلي في القداس أي كلمة لمريم، ومع ذلك فإن مجرد حضورها كان كافيًا لتغيير كل شيء.

 

وأضاف: "مجرد وجود مريم، والابن في داخلها، يحرك التاريخ كله". وأوضح أن حضورها غيّر توقعات يوسف وقراراته وتصرفاته، مؤكدًا أن الخلاص وجد في مريم مسكنًا، مضيفًا: "في مريم يجد الخلاص بيتًا: الله معنا".

 

 

طفلة ستصبح أمّ خالقها

 

وفي تأمله في سر ميلاد العذراء، قال البابا: "من المستحيل أن نعتاد على هذا السر".

 

وأضاف: "نحتفل بميلاد طفلة مدعوة لأن تصبح أمّ خالقها، أمّ الله الذي يخلّص". وأشار إلى أن مريم وُلدت ببساطة كأي طفلة مثل البنات والحفيدات اللواتي نحملهن بين أذرعنا، رغم أن الكنيسة تطلق عليها اليوم أسمى الألقاب من سيدة وملكة.

 

وقال: "طريق الله كان ولا يزال أبسط وأكثر صمتًا، لكنه ليس أقل قوة وقدرة على التغيير".

 

ولفت إلى أن هذا هو أيضًا طريق المسيح نفسه، إذ اختار الله في يسوع "أكثر الظروف التاريخية تواضعًا، وأكثر المخلوقات تواضعًا" ليعلن أصالة ملكوته، حيث "لا مكان للتسلط"، وحيث القدرة الإلهية تتحول إلى خلق وخدمة وعناية بالحياة.

 

 

ليست خيالًا بل نبوءة

 

ودعا البابا المؤمنين إلى التأمل في مريم العذراء بالصلاة، مستعيدًا كلمات القديس توما دي فيلانوفا الذي قال إن الروح القدس لم يصف العذراء بالتفصيل في الكتاب المقدس، بل "انتظر منك أن ترسمها في داخلك".

 

وأوضح أن الصلاة التأملية تسمح بأن يتشكل في داخل الإنسان ما لا يرويه العالم، وما يزال غير مرئي لكنه يحمل قوة جديدة. وقال: "ليست هذه خيالًا، بل نبوءة". وأضاف أن العالم يحتاج اليوم إلى هذه النظرة النبوية، «في أزمنة الدمار وعدم اليقين»، حتى يتمكن المؤمنون من رؤية عمل الله وخدمته.

 

 

لندع السلام ينمو في داخلنا

 

وفي ختام عظته، انتقل البابا إلى الحديث عن السلام، مستعيدًا نبوءة ميخا عن بيت لحم الصغيرة التي يخرج منها ملك السلام. وأشار إلى أن الكنيسة، في صلاة عيد ميلاد العذراء، تطلب أن "يزداد السلام في داخلنا" بفضل هذا العيد.

 

وقال: "نريد أن نتخيّل السلام، وأن نوسّع حدود فهمنا ونرسمه في نفوسنا، لكي ندرك أنه موجود بالفعل، فنقبله ونخدمه". ووصف السلام بأنه "عطية الله، ونَفَس القائم من بين الأموات، وعمل الروح القدس". وختم البابا قائلاً: "لندع السلام ينمو في داخلنا. سينبت في العالم. وأمّ المشورة الصالحة سترافقنا في هذه الرسالة".