موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أكد البابا لاون الرابع عشر أن الحكمة الحقيقية لا تُقاس بمعايير العالم، بل تتجلى في تواضع المسيح الذي يدعو جميع المتعبين والمثقلين بالأحمال إلى الاتكال عليه، مشددًا على أن الرب لا يترك الإنسان وحده في حمل صليبه، بل يشاركه آلامه ويقوده إلى الخلاص. جاء ذلك في كلمة ألقاها البابا قبل تلاوة صلاة التبشير الملائكي، ظهر الأحد 5 تموز، في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان.
وقال البابا إن إنجيل هذا الأحد (متى 11: 25-30) يدعو المؤمنين إلى الاتحاد مع يسوع في صلاة الحمد التي رفعها إلى الآب، «رب السموات والأرض»، موضحًا أن ابن الله، الذي صار إنسانًا، يظهر محبته ويشمل كل الخليقة في فعل الشكر هذا.
وأضاف أن بساطة صلاة الحمد، العفوية والمفعمة بالفرح، تنجسم مع أسلوب الله، الذي يُحب أن يكشف نفسه للصغار، فيما يبقى مخفيًا عن «الحكماء والأذكياء»، لأنهم ينغلقون على أفكارهم الخاصة ولا يدركون حضور المسيح، المخلّص الذي جاء ليفتقد شعبه.
وأوضح الأب الأقدس أن الحكمة البشرية قد تتحوّل إلى كبرياء، وأن المعرفة قد تنحدر إلى الغرور، بينما تتجلى حكمة الله الحقيقية في تواضع الجسد. وقال إن يسوع يوجّه تعليمه إلى الذين يرزحون تحت أثقال الحياة أكثر من غيرهم، مستشهدًا بكلام الرب يسوع: «تعالوا إليّ جميعًا أيها المرهقون المثقلون، وأنا أريحكم».
وأضاف أن نذهب إلى يسوع يعني أن نجيب على محبته، ونشارك في حياته حتى الصليب، كما أوضح لنا هو نفسه بقوله: «من أراد أَن يتبعني، فليزهد في نفسه ويحمل صليبه ويتبعني». وأكد أن بذل الذات بدافع المحبة هو بالتحديد «نير» يسوع، أي خلاصة تعليمه، وجوهر حكمته، المتقدة بالمحبة تجاه الجميع.
وتساءل البابا: كيف يمكن لثقل الصليب أن يكون «هيّنًا وخفيفًا»؟
وأجاب بأن ذلك ممكن لسبب واحد فقط، وهو أن الرب نفسه حمله أولاً، ويحمله معنا جميعًا، بدون أن يتركنا أبدًا وحدنا أمام ما يثقل كاهلنا. وأوضح أن يسوع، بصفته المعلم الحقيقي، حمل على عاتقه البشرية المجروحة بالشر لكي يعتني بها، ولذلك فإن الحكمة التي يهبها لنا هي بشارة خلاص، ونيره ينهض بالإنسان بعد كل سقوط.
وأشار إلى أن السير وراء المسيح لا يقوم على نسك يميت الإنسان، بل هو «مدرسة للحرية» تأخذ مأساة التاريخ على محمل الجد، وتكشف معناها حتى في أحلك الظروف، لأن الشر لا يُغلب إلا بصليب المسيح، وفي آلامه يجد الإنسان المتعب التعزية والفداء.
وأضاف البابا: «في العبودية، المسيح هو التحرير. وفي ويلات الحرب، المسيح هو الرجاء. وفي ساعة الخطيئة، المسيح هو المغفرة». وأكد أن هذه هي الحكمة الحقيقية، والطريق الذي ترغب الكنيسة في السير فيه معًا كتلاميذ متحدين باسمه. وأشار إلى أن يسوع، بصفته الابن، صار أخًا للبشر، وبقوة الروح القدس يكشف للكنيسة حقيقة الله وحقيقة الإنسان، مستشهدًا بكلام الإنجيل: «لا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن شاء الابن أن يكشفه له».
وفي ختام كلمته، دعا البابا المؤمنين إلى شكر الرب على ثقته المحبة بهم، قائلًا: «لنشكر الرب يسوع على هذه الألفة المفعمة بالمحبة التي يغمرنا بها»، قبل أن يتضرع إلى العذراء مريم، ملكة السلام، كي تشفع «من أجل خير الكنيسة والعالم أجمع».