موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الخميس، ٩ ابريل / نيسان ٢٠٢٦
الأب علاء بعير: الكهنوت لا يقوم على كمال الإنسان بل على أمانة الله

الأب علاء بعير، كاهن رعية الكرك :

 

أيها الإخوة والأخوات الأحباء في يسوع المسيح،

 

في هذه الليلة المقدسة، أقف أمامكم ككاهن، أحمل بين يدي سرًا لا أمتلكه، بل أؤتمنت عليه، سر حضور الله بيننا، حيث يقترب من الإنسان بطريقة تفوق كل فهم، ويجعل ذاته معطاة لنا من جديد بين أيدينا. خميس الأسرار هو  اللحظة التي يختار فيها الله أن يسلّم نفسه بين أيدٍ بشرية، وأن يبقى حاضرًا من خلال كهنة ضعفاء.

 

في العلية، لم يكن هناك كاملون، بل خائفون ومترددون، وحتى خائن. ومع ذلك، لم يتراجع عن العطاء، ولم يؤجل السر، ولم يغير اختياره. كأنه أراد أن يقول منذ البداية: هذا الكهنوت لا يقوم على كمال الإنسان، بل على أمانة الله.

 

أمام هذا السر، أقف اليوم كإنسان مرسل في هذا الواقع الكبير، مدعو أن يحمل ما هو أكبر منه وأعمق منه وأقدس منه. إنسان يعرف أن ما يعيشه ليس استحقاقا، بل نعمة… نعمة تحمل رهبة بقدر ما تمنح تعزية.

 

في خميس الأسرار، لا أستطيع أن أمرّ مرور الكرام دون كلمة من القلب: أنا لا أحمل فقط جسد يسوع المسيح على المذبح، بل أحمل أيضًا تعبكم ووجوهكم وقصصكم وأوجاعكم وصلواتكم… وأحيانًا أحملها بضعف.

 

قد تكون هناك لحظات لم أكن فيها الصوت الذي يعزي كما يجب، أو الحضور الذي يطمئن، أو القلب الذي يتسع بما يكفي. قد تنشغل الخدمة بالتفاصيل، أو يتقدم التعب على المحبة، أو يأتي الصمت في وقت كانت فيه الكلمة مطلوبة.

 

لهذا، في هذه الليلة بالذات، حيث انحنى المعلم وغسل الأقدام، أشعر أنني مدعو أن أنحني أنا أيضًا، لا بالفعل فقط بل بالقلب، وأقول لكل واحد منكم: إن قصرت يومًا، سامحوني. لأن طلب المغفرة هو اعتراف بالحقيقة، وعلامة تواضع، وطريق يعيد القلب إلى الله.

 

الكاهن إنسان يتعلم كل يوم كيف يحب أكثر، وكيف يخدم أفضل. وأنتم أيضًا جزء من هذا السر، لأن الكاهن لا يعيش كهنوته وحده، بل مع شعبه. أنتم الذين تعطون المعنى للخدمة، وتحملون الكاهن عندما يضعف.

 

لهذا، في عيد تأسيس سر الكهنوت، لا أطلب تهنئة، بل أطلب صلاة. صلوا من أجلي ومن أجل كهنتكم، لكي نبقى أمناء، ولكي لا يتحوّل الكهنوت إلى وظيفة، بل يبقى نارًا حيّة، ولكي لا نعتاد على الأسرار، بل نرتجف أمام عظمتها كل يوم.

 

كل عام وأنتم بخير، وكل عام وكهنة البطريركية اللاتينية وجميع الكهنة بألف خير، وكل عام وهذه الكنيسة نابضة بالصلاة والإيمان. لتكن هذه الليلة دعوة لنا جميعًا، كهنة وشعبًا، أن نعود إلى البداية، إلى تلك العلية، حيث المحبة لم تكن كلامًا، بل حياة تُعطى.

 

ثلاثية فصحية مباركة، مليئة بالنعمة، وبقلب جديد يتعلم من المعلم يسوع المسيح كيف يحب حتى النهاية.