موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
روح وحياة
نشر الإثنين، ٧ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٦
الآليات والإجراءات التطبيقية للمرسوم البابوي MUTUA CONCORDIA

الأب د. ريمون جرجس الفرنسيسكاني :

 

شهدت الكنائس البطريركيّة الشرقيّة خلال العقد الأخير سلسلة من التوترات السِّينودُسيَّة التي أثّرت في انتظام الحكم الكنسيّ، سواء في ما يتعلّق بآليات الدعوة إلى السِّينودُس، أو في معالجة حالات الاستقالة والعزل، أو في ضمان استمرارية السُّلطة عند حدوث تعطيل في ممارسة الرئاسة البَطْرِيَرْكيَّة. وقد ظهرت في بعض الكَنائِسَ حالات تأخّر أو امتناع عن دعوة السِّينودُس في ظروف حرجة، أو غياب إجراءات واضحة تضمن سلامة معالجة الاستقالة أو الطلب الاستثنائي للتنحّي، ما أدّى إلى فراغات قانونيَّة عطّلت عمل السُّلطة السِّينودُسيَّة، وأثّرت في وحدة القرار الأُسْقُفُي.

 

وفي ضوء هذه التحدّيات، رأى الكُرْسِيّ الرسولي ضرورة وضع إطار قانوني موحّد يضبط بدقّة العلاقة بين الرئاسة البَطْرِيَرْكيَّة والسُّلطة السِّينودُسيَّة، ويمنع تعطيل البنية المؤسّساتيَّة للكَنائِسَ الشَّرقيّة. فجاء المَرْسومMutua Concordia  ليعالج هذه الثغرات عبر تحديد آليات واضحة للدعوة البديلة، وتثبيت إجراءات الاستقالة، وتنظيم الطلب الاستثنائي للتنحّي، ووضع قواعد دقيقة للعزل، مع تعزيز دور الحَبْر الرُّومانِيّ بوصفه الضامن الأعلى لسلامة الإجراءات دون أن يحلّ محلّ السِّينودُس في اتخاذ القرار.

 

وبهذا المعنى، يُعدّ المََرْسوم استجابة تشريعية مباشرة لحاجة الكَنائِسَ الشَّرقيّة إلى حماية بنيتها السِّينودُسيَّة من التعطيل، وضمان استمرارية السُّلطة، وصون وحدة الحكم الكنسي في إطار من الشَّركة الأُسْقُفُية الجامعة.

 

 

1- الشَّركة الأُسْقُفُيَّة في بنيتها القانونيّة وممارستها الرعويَّة

 

يقوم النِّظامُ القانونيّ في شرع الكَنائِسَ الشَّرقيّة على أساس الطبيعة السِينودُسيَّة للأَساقِفَةِ في الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة المتمتّعة بحكم ذاتي (sui iuris)، وإلى مبدأ الشَّركة التراتبيَّة التي تُعدّ الركن البنيوي لوحدة الكَنِيسَة رغم تعدّد تقاليدها. ويُظهر هذا النظام توازناً دقيقاً بين الاستقلاليَّة والشَّركة، وبين المسؤوليَّة الجماعيَّة والسُّلطة الرئاسيَّة، وبين الشَّرع الخاصّ والشَّرع العامّ، مقدّماً للكَنائِسَ البَطْرِيَرْكيَّة بنية قانونيَّة راسخة منسجمة مع هويَّة الكَنِيسَة ورسالتها.

 

ويبرز انتخاب البَطْرِيَرْك بوصفه التعبير الأسمى للشَّركة الأُسْقُفُيَّة، إذ يمارسه سِينودُس الأَساقِفَةِ الكامل باعتباره الجماعة التي تختار رأس الكَنِيسَة. وهذا الانتخاب ليس إجراءً تقنياً، بل فعل جماعي يعبّر عن وحدة الكَنِيسَة ومسؤوليَّة الأَساقِفَةِ المشتركة. ويوازيه في الأهميَّة انتخاب الأَساقِفَةِ، حيث تُمارَس السُّلطة الأُسْقُفُيَّة في تكوين البنية الهرميَّة عبر قرار جماعي يحمل الطابع الرسولي للسُّلطة.

 

والشَّركة الأُسْقُفُيَّة، في منطق القانُون الشَّرقيّ، ليست مبدأً نظرياً ولا صياغةً لاهوتيَّة مجرّدة، بل هي بنيَّة دستوريَّة متكاملة تُمارَس عبر مؤسسات محدّدة تُجسّد الطابع الجماعي للسُّلطة الكنسيَّة. فالسِينودُس الدائم، وسِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة، ومجلس البَطْرِيَرْك، والهيئات الاستشاريَّة الأُسْقُفُيَّة، ليست أجهزة إداريَّة، بل هي التعبير القانونيّ عن أنّ الحكم في الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة يقوم على المداولة المشتركة، والتصويت، والرقابة المتبادلة، والتعاون الرعوي، بحيث تُمارَس السُّلطة في إطار جماعي يضمن مشاركة جميع الأَساقِفَةِ في صنع القرار.

 

دورُ البَطْرِيَرْك كرئيسٍ للشَّركة الأُسْقُفُيَّة يمثّل حجر الزاويَّة في النِّظامُ القانونيّ للكَنائِسَ الشَّرقيّة المتمتّعة بحكم ذاتي، إذ يقوم هذا النظام على تلازمٍ بنيوي بين الرئاسة الشخصيَّة والشَّركة الجماعيَّة، بحيث لا يمارس البَطْرِيَرْك سُلْطَة فرديَّة منعزلة، ولا يمارس سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة سُلْطَة جماعيَّة بلا رئاسة، بل تُمارَس الخدمة الأُسْقُفُيَّة ضمن إطار من الوحدة والشَّرعيَّة يدمج القيادة الفرديَّة في الجماعة ويُخضع الجماعة لروح الرئاسة. فالبَطْرِيَرْك هو رئيس الشَّركة، يقود جماعة الأَساقِفَةِ، ويضمن وحدة الحكم، وينسّق العمل الرعوي، ويمثّل الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة أمام الكُرْسِيّ الرَّسُولِيّ، ويحفظ انسجام القرارات سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة يَّة، غير أنّ هذه الرئاسة ليست سُلْطَة فوق الجماعة، بل خدمة داخل الجماعة تُمارَس بروح الشَّركة لا بروح الانفراد.

 

والحَبْر الرُّومانِيّ، بوصفه رأس الشَّركة الأُسْقُفُيَّة الجامعة، يضمن وحدة الإيمان بين الكَنائِسَ الشَّرقيّة واللاتينيَّة، ويحفظ الشَّركة الكنسيَّة في وجه الانقسامات، ويمارس سُلْطَة عليا في الأمور التي تمسّ وحدة الكَنِيسَة الجامعة، لكنه يترك للكَنائِسَ الشَّرقيّة استقلالها القانونيّ والليتورجي والإداري، فلا يتدخّل في ما يختصّ به سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة، ولا يحلّ محلّ البَطْرِيَرْك في ممارسة السُّلطة الرعويَّة. فالحَبْر الرُّومانِيّ ليس سُلْطَة خارجيَّة تتدخّل في شؤون الكَنائِسَ الشَّرقيّة، ولا سُلْطَة موازيَّة للسُّلطة البَطْرِيَرْكيَّة، بل هو المرجع الأعلى لوحدة الإيمان، والضامن لسلامة الإِجْراءات. وتُمارَس هذه الوظيفة ضمن إطار قانوني دقيق يوازن بين استقلال الكَنائِسَ الشَّرقيّة وارتباطها بالكُرْسِيّ الرَّسُولِيّ، بحيث تبقى كلّ كنيسة بطريركيَّة صاحبة نظامها الخاصّ، وفي الوقت نفسه جزءاً من الشَّركة الجامعة التي يرأسها الحَبْر الرُّومانِيّ.

 

 

2- الدعوة إلى سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة

 

حسب الشَّرع الشَّرقيّ، دعوة سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة جزءاً من بنيَّة الحكم السِينودُسيّ، لأنّ سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة هو السُّلطة العليا في الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة.

 

 حدّد القانُون الشَّرقيّ 102 البنية القانونيّة لعضوية سِينودُس أَساقِفَةِ الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة وآليات المشاركة فيه. فهو يقرّر أولاً أنّ جميع الأَساقِفَةِ المََرْسومين والمنتمين إلى الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة يُدعون حكماً إلى السِينودُس، بغضّ النظر عن مكان إقامتهم، ما لم يكونوا ممّن تنطبق عليهم الحالات المستثناة في القانُون 953 البند 1، أو ممّن خضعوا للعقوبات الكنسية الواردة في القانونيّن 1433 و1434. وميّز القانُون بين الأَساقِفَةِ الإيبارشيين المقيمين خارج حدود منطقة الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة والأَساقِفَةِ الفخريين، فيجيز للشرع الخاصّ أن يحدّ من صوتهم التقريري في أعمال السِينودُس، مع الحفاظ على حقّهم الكامل في المشاركة في انتخاب البَطْرِيَرْك والأَساقِفَةِ والمرشحين للمناصب الكنسية وفق القانُون 149، وذلك تحقيقاً لتوازن بين الطابع المحليّ للسِينودُس ووحدة الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة في القرارات الانتخابية المصيرية.

 

لذلك، الدعوة شرطٌ جوهري لشرعيَّة انعقاد سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة، وتُسجَّل في محاضر رسميَّة وتخضع لتوثيق كامل، ولا يستطيع سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة الانعقاد دون دعوة صحيحة، وإلا كان القرار باطلاً. وهكذا تصبح الدعوة في القانُون الشَّرقيّ إجراءً مؤسسياً أساسياً يضمن انتظام الحكم ويُرسّخ الشَّركة الأُسْقُفُيَّة.

 

يُبرز التعديل الوارد على القانُون 106 المذكور في المَرْسوم Motu Proprio “Concordia”، بإضافة البند 3، بنيةً مؤسّساتيَّة دقيقة تضمن انتظام السُّلطة السِينودُسيَّة في الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة، إذ يقرّر انتقال صلاحية الدعوة إلى السِينودُس، عند امتناع البَطْرِيَرْك عن القيام بواجبه، إلى الأُسْقُفُ الأقدم في الرسامة من بين أصحاب الحقّ في التصويت، ثم إلى من يليه في الأقدمية عند الاقتضاء، بما يؤمّن استمرارية عمل الهيئة الأُسْقُفُيَّة العليّا ويحول دون وقوعها في تعطيل ناتج عن إهمال البَطْرِيَرْك، ويؤكّد في الوقت نفسه أنّ السِينودُس يمارس سلطته بوصفه جهازاً أُسْقُفُياً ذا سيادة لا يرتبط انعقاده بإرادة فردية.

 

وتبدأ هذه الآليَّة بمرحلة التثبّت الرسمي من الإهمال، وهي خطوة جوهريَّة تُسجَّل فيها واقعة عدم الدعوة في محضرٍ يبيّن الزمن والكيفيَّة والظروف المحيطة، أو تُثبت عبر شهادات أو غياب الردّ على الطلبات الرسميَّة. ويُعدّ هذا التثبّت الأساس القانونيّ الذي يمنع أيّ تفعيل اعتباطي للنيابة، ويُرسّخ شرعيَّة التدخّل المؤسّساتيّ، لأنّ النيابة لا تُفعَّل إلا بعد التأكّد من أنّ المسار العادي قد تعطّل فعلاً.

 

وبعد هذا التحقّق، تُفعَّل النيابة وفق مبدأ التدرّج في الأقدميَّة، فيُناط بالأُسْقُفُ الأقدم رسامةً بين أصحاب حقّ التصويت توجيه الدعوة البديلة، بوصفه الضامن الأول لاستمراريَّة العمل السِينودُسيّ. والذي يقوم بدور تُوجيه إشعارات رسميَّة إلى أعضاء سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة بوسائل تضمن اليقين القانونيّ وإمكانيَّة التتبّع والسرعة، بما يحفظ سلامة الإِجْراءات وشرعيَّة الاجتماع. وإذا امتنع الأُسْقُفُ الأقدم عن أداء واجبه، تنتقل الصلاحيَّة تلقائياً إلى الأُسْقُفُ التالي في الأقدميَّة ثم إلى الذي يليه، وفق تسلسل يضمن عدم وقوع أيّ فراغ في السُّلطة ويُبقي الهيئة سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة قادرة على الانعقاد.

 

وتُشترط مرافقة عمليَّة الدعوة بوثائق كاملة تشمل أسماء الداعين، وأدلة الإشعارات، وتعليل التدخّل البديل، لضمان سلامة الإِجْراءات وإمكانيَّة مراجعتها في أيّ وقت. وتُعدّ هذه الوثائق جزءاً من الذاكرة القانونيّة لسِينودُس، وتُظهر أنّ الدعوة البديلة لم تُفعَّل إلا بعد استنفاد المسار المألوف وتثبيت الإهمال بصورة رسميَّة.

 

 

3- استقالة البطريرك

 

تُعدّ الاستقالة البَطْرِيَرْكيَّة، كما يحدّدها القانُون 126 البندين 1و2 من أكثر الوقائع الكنسيَّة حساسيَّة لأنها تمسّ جوهر الخدمة البَطْرِيَرْكيَّة بوصفها خدمة رئاسيَّة تُمارَس في إطار الشَّركة الأُسْقُفُيَّة، وتستمدّ شرعيتها من وحدة الإيمان ومن الارتباط العضوي بالكُرْسِيّ الرَّسُولِيّ. ولذلك صاغ المشرّع الكنسي آليَّة دقيقة تضمن توازناً بين حريَّة البَطْرِيَرْك الشخصيَّة في إعلان إرادته، والمسؤوليَّة المؤسّساتيَّة للسِينودُس في صون الشَّرعيَّة. ويقوم هذا النظام على مبدأ لاهوتي محوري هو أنّ السُّلطة البَطْرِيَرْكيَّة ليست ملكاً شخصياً، بل خدمة تُمارَس ضمن جسد الكَنِيسَة، ما يجعل الاستقالة فعلاً ذا أبعاد روحيَّة وقانونيَّة في آنٍ واحد.

 

وعند تقديم الاستقالة، يلتزم سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة فوراً بتسجيل الإعلان وتوثيق ظروفه ودوافعه، لأنّ هذا التثبيت يشكّل الضمانة الأولى لسلامة المسار القانونيّ. وإذا اختار البَطْرِيَرْك رفع الاستقالة مباشرةً إلى الحَبْر الرُّومانِيّ، يصبح دور سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة محصوراً بالتثبيت دون أيّ سُلْطَة تقريريَّة، لأنّ الفعل ينتقل إلى السُّلطة العليا التي تتولّى التقييم. وبعد التثبيت، يفرض القانُون رفع استشارة إلزاميَّة إلى الكُرْسِيّ الرَّسُولِيّ، وهي خطوة ذات بُعد لاهوتي وقانوني عميق، إذ يتحقّق البابا من حريَّة القرار وخلوّه من أيّ ضغط، ومن انسجامه مع الخير العام للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة، بوصفه المرجع الأعلى للشرعيَّة ووحدة الشَّركة.

 

ولا يجوز للسِينودُس متابعة الإِجْراءات قبل الجواب البابويّ الذي يشكّل الشَّرط القانونيّ للمضيّ قدماً، لأنّ هذا الجواب يُعيد إدماج الفعل في إطار الشَّركة الكنسيَّة الجامعة. وبعد وصوله، يبدأ سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة تصويتاً سرّياً وفق القواعد المرعيَّة، ضماناً لحريَّة كلّ عضو واستقلاليَّة قراره، وتُدوَّن النتيجة في مَرْسوم رسمي يُرفع إلى الكُرْسِيّ الرَّسُولِيّ ويُحفظ في الأرشيف بوصفه الوثيقة النهائيَّة التي تُنهي الخدمة البَطْرِيَرْكيَّة وتُطلق آليَّة انتخاب الخلف، بما يضمن استمراريَّة السُّلطة الكنسيَّة في إطار من الشَّرعيَّة، والشَّركة، ووحدة الإيمان، ويُعيد تأكيد أنّ السُّلطة في الكَنِيسَة الشَّرقيّة تُمارَس دائماً ضمن منطق الخدمة، لا منطق الامتلاك.

 

لذلك، تُدرج الاستقالة ضمن بنيَّة الشَّركة الأُسْقُفُيَّة، إذ تُقدَّم إلى سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة أو إلى الحَبْر الرُّومانِيّ، لكنّ القرار النهائي هو قرار سِينودُسيّ، لا بابوي. فسِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة يمارس سُلْطَة استلام الاستقالة وتقييمها وقبولها، وتُناقَش الاستقالة وتُسجَّل وتُقبَل ضمن إطار جماعي، بينما يمارس الحَبْر الرُّومانِيّ دور الضامن للشرعيَّة عبر الاستشارة الإلزاميَّة، لا عبر اتخاذ القرار النهائي.

 

 

4- طلب استقالة البَطْرِيَرْك

 

يشكّل إجراء طلب استقالة البَطْرِيَرْك المنصوص عليه في القانُون 126 البند3 إحدى أكثر الآليات القانونيّة دقّةً في المََرْسوم البابويّ Motu Proprio “Mutua Concordia”، لأنه يفعّل صلاحيَّة استثنائيَّة للسِينودُس تجاه البَطْرِيَرْك، في إطار يوازن بين حمايَّة الخير العام، وصون الشَّركة الأُسْقُفُيَّة، وضمان الشَّرعيَّة القانونيّة. ويقوم هذا الإجراء على مسار واحد متكامل يخلو من أيّ آليَّة تلقائيَّة، ويستند إلى التقدير الجماعي الحكيم للسِينودُس، بحيث لا يُفعَّل إلا عند وجود سبب خطير يهدّد انتظام الحكم الكنسي. وتبدأ العمليَّة بوجوب أن يحدّد سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة هذا السبب عبر تقييم قانوني جماعيّ معلَّل يُصاغ في وثيقة رسميَّة تُبيّن العناصر الموضوعيَّة والظروف المحيطة والنتائج الكنسيَّة المحتملة، لأنّ هذا التحديد يمثّل الأساس القانونيّ لكلّ ما سيأتي لاحقاً. وبعد ذلك، تُوجَّه دعوة سِينودُسيَّة قانونيَّة وفق أحكام القانُون 106 §1 رقم 3 والقانُون 108 §3، مع إمكانيَّة اللجوء إلى الدعوة البديلة إذا امتنع البَطْرِيَرْك عن أداء واجبه، ضماناً لسلامة الهيئة القانونيّة وصحة القرار. وفي الجلسة سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة، يناقش الأَساقِفَةِ السبب الخطير ويفحصون الوثائق ويقيّمون التداعيات المحتملة، مع منح البَطْرِيَرْك حقّ الدفاع الكامل عبر سماع أقواله وتمكينه من تقديم المذكرات والحجج التي يراها مناسبة، بما يحفظ كرامة المنصب وحقوق الشخص ويضمن عدالة المداولة. وإذا توصّل سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة إلى قناعة بضرورة التدخّل، يصوغ الطلب الرسمي للاستقالة ويبلّغه إلى البَطْرِيَرْك مع بيان الأسباب والمهلة المحدّدة للردّ، وهي لحظة قانونيَّة حاسمة يمارس فيها سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة صلاحياته الاستثنائيَّة طالباً من البَطْرِيَرْك أن يتنحّى لخير الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة. ويجب أن يكون الطلب واضحاً، معلَّلاً، ومتوافقاً مع القانُون، بحيث يستطيع البَطْرِيَرْك الردّ بحريَّة ووعي كامل، وتُحفظ الوثيقة في الأرشيف السِينودُسيّ بوصفها المرجع القانونيّ الذي يضبط هذا التدخّل الاستثنائي في حياة الكَنِيسَة.

 

 

5- عزل البَطْرِيَرْك

 

يُعدّ العزل في الشَّرع الشَّرقيّ إجراءً استثنائياً بالغ الخطورة، نظراً لارتباطه المباشر ببنية السُّلطة الأُسْقُفُيَّة وبحماية النظام الكنسيّ من أي تعطيل أو إساءة استعمال للسُّلطة. فالشَّرع الشَّرقيّ ينظر إلى منصب البَطْرِيَرْك أو الأُسْقُفُ بوصفه خدمة كنسيَّة، لا مجرّد وظيفة إداريَّة، ولذلك فإنّ إزاحة صاحب المنصب لا تتمّ إلا وفق شروط دقيقة تضمن احترام الكرامة الأُسْقُفُيَّة وصون الخير العام للكَنِيسَة. ويقوم هذا النظام على مبدأ أساسي هو أنّ السُّلطة العليا في الكَنائِسَ البَطْرِيَرْكيَّة تُمارَس جماعياً من قبل سِينودُس الأَساقِفَةِ، الذي يملك صلاحية تقييم الحالات التي تستوجب التدخّل، سواء تعلّقت بعجز البَطْرِيَرْك عن القيام بواجباته أو بوجود أسباب خطيرة تُهدّد انتظام الحياة الكنسية.

 

يُظهر الشَّرع الكنسي الشَّرقيّ دقّة عالية في تنظيم إجراءات العزل، إذ يضع آليات متكاملة تضمن شرعية المداولة واستقلالية القرار، فتبدأ العملية بطلب التنحّي الذي يوجّهه السِينودُس إلى البَطْرِيَرْك بعد التثبّت من وجود سبب خطير يبرّر هذا التدخّل، وتُعقد الجلسة وفق قواعد الدعوة التي تكفل صحة الانعقاد. ثم يُنتخب رئيس للجلسة من بين الأَساقِفَةِ ذوي الحقّ في التصويت، وهو إجراء جوهري لضمان حياد الهيئة، لأنّ البَطْرِيَرْك، بوصفه طرفاً في القضيّة، لا يمكنه أن يترأس المداولات أو يؤثّر في مسارها. ويُناط بالرئيس المنتخب إدارة الجلسة بسُلْطَة محايدة، وضبط النقاش، وتطبيق القواعد السِينودُسية بدقّة، مع ضمان حقّ الدفاع الكامل للبَطْرِيَرْك، بحيث يُسمع كلامه وتُقبل وثائقه ومذكّراته وحججه، صوناً لكرامة المنصب واحتراماً لحقوق الشخص. وهكذا يتّضح أنّ العزل في الشَّرع الشَّرقيّ ليس عقوبة تأديبية بل إجراء مؤسّساتيّ لحماية الجماعة الكنسية، ومنع أي شلل مؤسسي قد يهدّد انتظام الحكم الكنسي.

 

وبعد استكمال مراحل الدفاع والمناقشة، يدعو الرئيس إلى اقتراع سرّي يتمّ وفق القواعد السِينودُسية التي تضمن حرية كلّ عضو، ولا يُعتدّ بالنتيجة إلا إذا حصل القرار على موافقة ثلثي أعضاء السِينودُس ذوي الحقّ في التصويت، وهي نسبة عالية تعكس خطورة الإجراء وضرورة توافق جماعي واسع. وتُدوّن نتيجة الاقتراع في محضر مفصّل يُرفق بالوثائق التي تثبت سلامة العملية الانتخابيَّة، وحرية التصويت، وخلوّ الإِجْراءات من أي ضغط غير مشروع، بما يضمن أن يكون القرار صادراً عن هيئة أُسْقُفُية تمارس سلطتها وفق القانُون وبما يحقق الخير العام للكَنِيسَة.

 

بخصوص السِّرّ في التصويت، كما يورده Mutua Concordia، هو ليس مجرّد تقنية إجرائيَّة، بل هو ضمانة جوهريَّة لحرية أعضاء السِينودُس في التعبير عن حكمهم القانونيّ دون خوف من ضغط أو تأثير أو تبعات شخصيَّة أو كنسيَّة. إنّ التصويت السّري، في هذا المستوى من الخطورة، يهدف إلى حمايّة الضمير الكنسيّ للآباء، بحيث يستطيع كلّ منهم أن يقدّم رأياً نزيهاً حول صلاحية استمرار البَطْرِيَرْك في الخدمة، دون أن يتحوّل هذا الرأي إلى مادة للانقسام أو للاتهامات المتبادلة أو للقراءات السياسيَّة داخل الجماعة الكنسيَّة. ومن هنا، فإنّ السِّرّ ليس موجّهاً ضدّ البَطْرِيَرْك، ولا هو أداة لإخفاء إجراءات غير شفافة، بل هو عنصر بنيوي في ممارسة السُّلطة الكنسيَّة، يضمن أن يكون القرار نابعاً من تمييز روحيّ وقانونيّ حرّ، لا من توازنات بشريّة أو تحالفات ظرفيّة.

 

 

6- التواصلُ مع الحَبْر الرُّومانِيّ

 

يشكّل التواصل مع الحَبْر الرُّومانِيّ في سياق إجراءات عزل البَطْرِيَرْك المرحلة التي تنتقل فيها مداولات سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة، وقد استوفت شروطها الداخلية وفق أحكام القانُون 126 البند 4، إلى مستوى التثبّت من الشَّرعية في إطار الشَّرع العام للكَنِيسَة الجامعة، بحيث لا يُفهم هذا التواصل بوصفه مراجعة لمضمون القرار أو استئنافاً عليه، بل باعتباره عملاً رسمياً يتيح للبابا، بصفته الضامن الأعلى لوحدة النِّظامُ القانونيّ الكنسي، التأكّد من سلامة الإِجْراءات، وصون حقوق الدفاع، وضمان حرية الاقتراع السِينودُسيّ. وبهذا المعنى، يُعدّ تدخل الحَبْر الرُّومانِيّ خطوة نهائية في مسار قانوني متكامل، هدفه التحقّق من أنّ السِينودُس مارس سلطته وفق القواعد المقرّرة، وأنّ القرار الصادر عنه يستوفي الشروط الجوهرية التي تضمن شرعيته واندراجه في البنية القانونيّة للكَنِيسَة بأسرها.

 

ويتولّى رئيس الجلسة، المنتخب لضمان الحياد والدقّة، مسؤوليَّة إعداد هذه المراسلة وإرسالها، ويجب أن تتضمّن ثلاثة عناصر أساسيَّة: أوّلاً المحضر الكامل للاقتراع موثّقاً بدقّة، شاملاً مجريات الجلسة وكيفيَّة إجراء الاقتراع السِّرّي وعدد المصوّتين والتحقّق من بلوغ نصاب الثلثين والنتيجة النهائيَّة؛ وثانياً وثائق حريَّة التصويت لإثبات غياب الضغوط أو التدخّلات أو التأثيرات غير المشروعة وضمان أنّ كلّ أُسْقُفُ عبّر عن حكمه بحريَّة ومسؤوليَّة؛ وثالثاً طلب الموافقة البابويّة مصاغاً بوضوح وموافقاً للقانون، يشير إلى أنّ سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة اتّخذ قرار العزل وفق القانُون 126 البند4 طالباً من البابا تثبيت شرعيَّة الإجراء.

 

تُرفع هذه الوثائق إلى الحَبْر الرُّومانِيّ مع طلب رسمي لنيل الموافقة، لكي يمارس دوره كضامن للشرعيَّة في النِّظامُ القانونيّ الكنسي العام. ولا يُُعدّ هذا الاجراء استئنافاً ولا مراجعةً لمضمون القرار، بل خطوة ضروريَّة للتحقّق من صحة الإِجْراءات، ومن حمايَّة حقوق الدفاع، ومن حريَّة التصويت. ولا يكتسب القرار فعاليته القانونيّة إلا بعد صدور الموافقة البابويّة التي لا تُنشئ العزل بل تثبّت شرعيته وتدمج القرار السِينودُسيّ في النِّظام الكَنَسِيّ العَامّ، وعندئذٍ تُصبح الكُرْسِيّ البَطْرِيَرْكيَّة شاغرة وتبدأ فوراً إجراءات انتخاب البَطْرِيَرْك الجديد وفق أحكام قانون الكَنائِسَ الشَّرقيّة، بما يضمن وحدة الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة في إطار من الشَّرعيَّة القانونيّة الكاملة.

 

 

7- تطبيقُ القانُون 62

 

يشكّل تطبيقُ القانُون 62، كما يحدّده القانُون 126 البند 5، المرحلةَ النهائيَّة والأكثر حساسيَّة في نظام المسؤوليَّة المؤسّساتيَّة المتعلّق بالبَطْرِيَرْك، إذ لا يُفعَّل إلا بعد صدور قرار العزل بصورة صحيحة من سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة ونيله الموافقة البابويّة التي تُثبّت شرعيته وتدمجه في النِّظامُ القانونيّ العام. ويتميّز هذا القانُون بطابعه التنظيميّ لا العقابيّ، فهو يحدّد الوضع القانونيّ للبَطْرِيَرْك الذي انتهت خدمته في ظروف استثنائيَّة، ويمنح سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة أداةً لضمان الاستقرار الكنسيّ ومنع التوترات وتأمين انتقالٍ منضبط نحو الحكم البَطْرِيَرْكي الجديد، بما يحفظ كرامة الشخص ويصون الشَّركة الأُسْقُفُيَّة.

 

ويبدأ تطبيق القانُون 62 بمرحلة تثبيت الاختصاص السِينودُسيّ عبر تقييم جماعي حكيم للظروف التي أدّت إلى العزل وللانعكاسات الرعويَّة المحتملة، للتحقّق من أنّ الوضع القائم يستدعي تدابير إضافيَّة تتجاوز مجرّد انتهاء الخدمة. ويُعدّ هذا التقييم المعلَّل شرطاً جوهرياً، لأنه يضمن أن تكون التدابير المتّخذة تعبيراً عن مسؤوليَّة سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة تجاه النظام العام والشَّركة الكنسيَّة، لا عن رغبة في العقاب أو الانتقاص من المنصب البَطْرِيَرْكي. ولا تمسّ هذه التدابير سرّ الكهنوت ولا كرامة الأُسْقُفُيَّة، بل تنظّم ممارسة الخدمة بصورة واقعيَّة لخير الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة، وتُعدّ امتداداً طبيعياً لمسؤوليَّة سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة في إدارة تبعات العزل بحكمة.

 

وتُختتم الإِجْراءات بمرحلة الأرشفة القانونيّة التي تتطلّب حفظ جميع الوثائق المرتبطة بالإجراء، من محاضر سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة والإشعارات الرسميَّة ونتائج التصويت إلى المراسلات مع الحَبْر الرُّومانِيّ والردّ البابويّ، لتشكّل هذه الوثائق الذاكرة القانونيّة للعمليَّة وتتيح التحقّق من سلامة الإِجْراءات وتحفظ الاستمراريَّة المؤسّساتيَّة للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة.

 

 

9- حمايَّة حقوق البَطْرِيَرْك في الإِجْراءات الاستثنائيَّة

 

يشكّل موضوع حمايَّة حقوق البَطْرِيَرْك في الإِجْراءات الاستثنائيَّة أحد أكثر الجوانب حساسيَّة في بنيَّة القانُون الشَّرقيّ، لأنّ هذه الإِجْراءات -مثل طلب الاستقالة، والعزل، وتقييم القانُون 62- تمسّ أعلى منصب في الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة، وتُمارَس في ظروف دقيقة قد تحمل مخاطر على وحدة الكَنِيسَة واستقرارها. لذلك صاغ المشرّع الشَّرقيّ منظومة ضمانات دقيقة تضمن أن تُمارَس السُّلطة سِينودُس الأَساقِفَةِ للكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة دون انحراف، وأن تُحترَم كرامة البَطْرِيَرْك وحقوقه الطبيعيَّة والقانونيّة، بحيث يبقى الإجراء الاستثنائي عملاً قانونياً منضبطاً لا وسيلة للصراع أو الانتقام.

 

وتقوم حمايَّة حقوق البَطْرِيَرْك على ثلاثة مبادئ أساسيَّة تُشكّل الإطار العام للضمانات التفصيليَّة: كرامة المنصب، لأنّ البَطْرِيَرْك ليس موظفاً إدارياً بل رأس الكَنِيسَة البَطْرِيَرْكيَّة ويجب أن تُصان كرامته في كلّ إجراء؛ والحقّ الطبيعي في الدفاع، إذ لا يجوز اتخاذ أيّ قرار استثنائي دون منح البَطْرِيَرْك فرصة كاملة لعرض موقفه وتقديم حججه؛ والشَّرعيَّة الإجرائيَّة، التي تفرض أن تتمّ كلّ خطوة وفق القانُون وبمحاضر رسميَّة وبإشراف محايد، منعاً لأيّ انحراف أو ضغط غير مشروع.

 

 

10- أثر المَرْسوم على الشَّرع الخاصّ للكَنائِسَ البَطْرِيَرْكيَّة الشَّرقيّة

 

يمثّل المَرْسوم Mutua Concordia نقطة تحوّل تشريعية في حياة الكَنائِسَ البَطْرِيَرْكيَّة الشَّرقيّة، إذ لا يقتصر على تفسير القوانين القائمة أو توضيحها، بل يُنشئ منظومة جديدة من الإجراءات الأساسيَّة التي تعيد تنظيم ممارسة السُّلطة السِّينودُسيَّة في الظروف االاعتياديَّة والاستثنائيَّة. وبذلك يصبح المََرْسوم مرجعاً ملزماً للشرع الخاصّ، يفرض على كلّ كنيسة بطريركية إدخال تعديلات جوهرية تضمن انسجام تشريعها الداخلي مع الشَّرع العام للكَنِيسَة الجامعة، وتؤمّن انتظام الحكم الكنسي واستمراريته.

 

أولاً: يفرض المََرْسوم إدراج آلية الدعوة البديلة في الشَّرع الخاصّ، بحيث يُحدَّد بدقّة دور الأُسْقُفُ الأقدم رسامةً في توجيه الدعوة عند امتناع البَطْرِيَرْك، مع وضع قواعد واضحة للتثبّت من الإهمال، وتوثيق الدعوة، والمهل الزمنية، ووسائل الإشعار الرسمية. ويهدف هذا التعديل إلى منع تعطيل السُّلطة السِّينودُسيَّة، خصوصاً في الكَنائِسَ التي شهدت سابقاً فراغاً أو تأخيراً في الدعوة، وإلى ضمان استمرارية عمل الهيئة الأُسْقُفُية العليا دون ارتباطها بإرادة فردية.

 

ثانياً: يتوجّب على الشَّرع الخاصّ أن ينسجم مع القواعد الجديدة التي تنظّم الاستقالة، سواء في ما يتعلّق بتوثيق إعلانها، أو برفع الاستشارة الإلزامية إلى الكُرْسِيّ الرسولي، أو بإجراءات التصويت السِّينودُسيّ بعد وصول الجواب البابويّ. كما يفرض المََرْسوم إدراج قواعد دقيقة لحفظ الوثائق في الأرشيف السِّينودُسيّ، بما يضمن سلامة المسار القانونيّ وشفافيته، ويمنع أيّ التباس في تفسير دوافع الاستقالة أو نتائجها.

 

ثالثاً: يُلزم المَرْسوم الشَّرع الخاصّ بإدراج موادّ تفصيلية تنظّم:

· كيفية تحديد “السبب الخطير” الذي يبرّر التدخّل السِّينودُسيّ،

· آليات سماع دفاع البَطْرِيَرْك،

· انتخاب رئيس للجلسة لضمان الحياد،

· شروط الاقتراع السري،

· نسبة الثلثين المطلوبة لاتخاذ القرار،

· وكيفية رفع الوثائق إلى الكُرْسِيّ الرسولي للتثبّت من الشَّرعية.

 

وتُعدّ هذه المواد ضرورية لضمان عدالة الإجراءات ومنع إساءة استعمال السُّلطة السِّينودُسيَّة، ولتأمين توازن دقيق بين حماية الخير العام وصون حقوق البَطْرِيَرْك.

 

وبذلك، يُعدّMutua Concordia  نصّاً تشريعياً ذا أثر مباشر وعميق على الشَّرع الخاصّ للكَنائِسَ البَطْرِيَرْكيَّة الشَّرقيّة، إذ يفرض تعديلات بنيوية تضمن انتظام الحكم السِّينودُسيّ، وتحمي البنية المؤسّساتيَّة من التعطيل أو الانفراد، وتُرسّخ وحدة النِّظامُ القانونيّ في إطار الشَّركة الأُسْقُفُية الجامعة.

 

 

11-الخاتمة

 

يشدّد المَرْسومMutua Concordia  على أنّ السُّلطة السِّينودُسيَّة، وإن كانت التعبير الأسمى عن الشركة الأُسْقُفُية في الكَنائِسَ البَطْرِيَرْكيَّة، تبقى بطبيعتها سلطة تحتاج إلى إحاطة دقيقة بضوابط قانونيَّة وروحية تضمن سلامة ممارستها. فالسِّينودُس، بوصفه هيئة جماعية ذات سيادة، يمكن نظرياً أن يتعرّض لسوء الاستخدام إذا غابت الضمانات التي تحفظ طبيعته الكنسية وتمنع تحوّله إلى أداة ضغط أو إلى سلطة جماعية تفتقر إلى المعايير التي يفرضها الشَّرع العام. ومن هنا، يقدّم المََرْسوم منظومة متكاملة من الضمانات البنيوية التي تهدف إلى صون السِّينودُس من الانحراف، وتثبيت ممارسته في إطار من الشَّركة والشَّرعية وخدمة الخير العام، ويمكن تلخيصها في ثلاثة محاور رئيسية:

 

أولاً: يؤكّد المَرْسوم أنّ السِّينودُس ليس فضاءً للصراع أو لتشكيل التحالفات الظرفية، بل هو هيئة روحية–قانونيَّة تُمارس التمييز الجماعي لخدمة الكَنِيسَة. ولذلك يفرض أن تُبنى القرارات السِّينودُسيَّة على أسباب قانونيَّة موضوعية، لا على اعتبارات شخصية أو ضغوط جماعية، وأن تُصاغ المداولات في وثائق رسمية معلَّلة تُظهر الأساس القانونيّ والراعوي لكلّ قرار. إنّ هذا التعليل الإلزامي لا يهدف فقط إلى توضيح الدوافع، بل إلى منع أيّ توظيف سياسي أو فئوي للسُّلطة السِّينودُسيَّة، وإلى ضمان أن يبقى السِّينودُس أداة تمييز كنسيّ لا أداة نفوذ بشري.

 

ثانياً: يشدّد المَرْسوم على أنّ كلّ مرحلة من مراحل الدعوة، والمداولة، والتصويت، يجب أن تُوثَّق في محاضر رسمية قابلة للمراجعة، وأن يُجرى التصويت بسرّية تامة، حمايةً لحرية الضمير الأُسْقُفُي ومنعاً لأيّ ضغط أو تأثير غير مشروع. فالسرّية، في منطق الشَّرع الشَّرقيّ، ليست تقنية إجرائية، بل ضمانة بنيوية تهدف إلى حماية حرية التمييز الروحي والقانونيّ للأَساقِفَةِ، وتمنع تحوّل السِّينودُس إلى ساحة نفوذ أو ترهيب. وهي بذلك تُعيد القرار إلى أصله: حكمٌ كنسيّ حرّ يصدر عن ضمير مسؤول، لا عن توازنات بشرية أو تحالفات ظرفية.

 

ثالثاً: يُبرز المَرْسوم دور الحَبْر الرُّومانِيّ بوصفه المرجع الأعلى لوحدة النِّظامُ القانونيّ في الكَنِيسَة، لا بوصفه سلطة تتدخّل في مضمون القرارات السِّينودُسيَّة.  فالتواصل مع البابا في حالات الاستقالة أو العزل لا يهدف إلى مراجعة القرار أو إعادة تقييمه، بل إلى التثبّت من سلامة الإجراءات، وصون حقوق الدفاع، وضمان حرية الاقتراع. وهكذا يبقى القرار السِّينودُسيّ قراراً أُسْقُفُياً خالصاً، بينما يمارس البابا دور الحارس الذي يمنع إساءة استعمال السُّلطة أو انحرافها عن مسارها القانونيّ، ويضمن اندراج القرار في إطار الشَّركة الكنسية الجامعة.

 

في الواقع، تُعيد الإجراءات كلّها التأكيد أنّ السُّلطة في الكَنِيسَة تُمارَس بمنطق الخدمة لا الامتلاك، وأنّ الشركة الأُسْقُفُية هي التعبير القانونيّ عن وحدة جسد المسيح، وأنّ كلّ تدخّل استثنائي يهدف إلى حماية الجماعة الكنسية وصون الخير العام.