موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
منذ 13 تشرين الأول 2026، يرقد البابا لاون الرابع عشر على سرير الشفاء في مستشفى جيميلي بالعاصمة الإيطالية روما، حيث خضع لعملية جراحية لاستئصال الفص السفلي من رئته اليمنى بسبب ورم سرطاني.
وقبله، أمضى البابا فرنسيس والبابا القديس يوحنا بولس الثاني فترات متفاوتة في هذا المستشفى، الواقع على بُعد بضعة كيلومترات إلى الشمال الغربي من الفاتيكان. وفي تقرير أعدّه موقع أليتيا، نستعيد أبرز المحطات الصحية التي شهدها المستشفى في حياة البابوات، بالأرقام والتواريخ.
قبل البابا القديس يوحنا بولس الثاني، لم يسبق لأي بابا أن أقام في مستشفى جيميلي لتلقّي العلاج. ففي 29 أيلول 1978، عُثر على سلفه المباشر، الطوباوي يوحنا بولس الأول، متوفّى في غرفته بالقصر الرسولي، من دون أن يكون قد دخل المستشفى خلال حبريته القصيرة. وقد شكّلت وفاته المفاجئة صدمة عميقة للكنيسة الكاثوليكية.
لاحقًا، دخل البابا البولندي مستشفى جيميلي ثماني مرات على الأقل، وأطلق عليه بروح الدعابة لقب "الفاتيكان الثالث"، في إشارة إلى مقر البابا في الفاتيكان، وإلى كاستل غاندولفو، المقر الصيفي للبابوات، الذي كان يسميه "الفاتيكان الثاني".
وجاء دخوله الأول إلى المستشفى في ظروف مأساوية، إثر محاولة اغتياله في 13 أيار 1981، عندما أطلق المسلح التركي محمد علي آغجا النار عليه مرتين من مسافة قريبة، بينما كان يحيّي المؤمنين في ساحة القديس بطرس.
ونُقل البابا على الفور إلى مستشفى جيميلي، بعدما فقد وعيه قبل وصوله، وخضع لعملية جراحية استمرت ست ساعات، استأصل خلالها الأطباء نحو 56 سنتيمترًا من أمعائه الغليظة. وكان قريبًا جدًا من الموت، وظلّت آثار تلك التجربة الجسدية والنفسية ترافقه طوال حياته.
وبسبب عدوى يُحتمل أنه أصيب بها خلال نقل الدم، عاد يوحنا بولس الثاني إلى المستشفى بعد أسابيع قليلة من خروجه. وأمضى فيه 56 يومًا، وهي أطول إقامة متواصلة له في جيميلي، قبل أن ينتقل إلى كاستل غاندولفو لاستكمال فترة التعافي.
محطات صحية متكررة حتى عام 2005
في السنوات التالية، خضع يوحنا بولس الثاني لعملية جراحية مقررة عام 1992 لاستئصال ورم حميد من القولون، ثم احتاج إلى تدخلين جراحيين إثر سقوطه في حادثين منفصلين عامَي 1993 و1994. وفي عام 1996، عاد إلى المستشفى بسبب التهاب الزائدة الدودية، بعدما كان قد أجّل علاجها.
أما آخر إقامتين له في جيميلي فكانتا عام 2005. فقد أُدخل المستشفى في الأول من شباط بسبب صعوبات تنفسية ناجمة عن تشنجات في الحنجرة والتهاب حاد في الحنجرة والقصبة الهوائية، نتيجة إصابته بالإنفلونزا.
وغادر المستشفى بعد عشرة أيام، لكنه اضطر إلى العودة بعد أسبوعين بسبب انتكاسة صحية أدّت إلى مشكلات تنفسية جديدة، ما استدعى إجراء عملية لفتح القصبة الهوائية. وفي 13 آذار، غادر البابا المستشفى للمرة الأخيرة، قبل أن يرقد في الرب بعد عشرين يومًا، في الثاني من نيسان 2005، داخل الفاتيكان.
وكان يوحنا بولس الثاني قد زار جيميلي لبضع ساعات عام 1993 لإجراء صورة بالأشعة. ويذكر الصحفي والطبيب نيلسون كاسترو، في كتابه "صحة البابوات"، أن البابا البولندي دخل المستشفى أيضًا عام 1997 بسبب التهاب الحنجرة والقصبة الهوائية، من دون تقديم تفاصيل إضافية. وبحسب التقرير، بلغ مجموع الأيام التي أمضاها يوحنا بولس الثاني في المستشفى 159 يومًا، أي أكثر من خمسة أشهر.
على خلاف سلفه، لم يدخل البابا بندكتس السادس عشر مستشفى جيميلي لتلقّي العلاج خلال حبريته.
لكنه زار المستشفى عام 2012 بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس كلية الطب التابعة له، كما عاد إليه عام 2014، بعد استقالته من السدة البطرسية، لزيارة أخيه المونسنيور جورج راتسينغر، الذي كان يتلقّى العلاج هناك.
وكان قرار بندكتس السادس عشر الاستقالة عام 2013 قد شكّل حدثًا استثنائيًا في تاريخ الكنيسة المعاصر.
بعد انتخابه عام 2013، دخل البابا فرنسيس مستشفى جيميلي أربع مرات خلال السنوات الأربع الأخيرة من حبريته. وكانت إقامتان منهما مرتبطتين بمشكلات في الجهاز الهضمي، في تموز 2021 وحزيران 2023، فيما جاءت الإقامتان الأخريان بسبب مشكلات تنفسية، في آذار ونيسان 2023، ثم في شباط وآذار 2025. كما أمضى بضع ساعات لإجراء فحوصات طبية، مرة واحدة على الأقل في شباط 2024، داخل المركز الطبي التابع لجيميلي في جزيرة التيبر، وسط روما.
وكانت إقامته الأخيرة في المستشفى عام 2025 الأكثر خطورة. فقد أُدخل في 14 شباط لإجراء فحوصات وتلقّي العلاج من التهاب الشعب الهوائية، لكن حالته الصحية تبيّن لاحقًا أنها أشد خطورة مما كان متوقعًا. وكشف أطباؤه لاحقًا أنه اقترب من الموت مرتين على الأقل خلال إقامته التي استمرت 38 يومًا، وانتهت في 23 آذار.
ورغم البيانات التي أصدرها الفاتيكان لطمأنة المؤمنين بشأن حالته الصحية، والبرنامج المخفف الذي اعتمده بعد خروجه، رقد البابا فرنسيس في الرب بعد أقل من شهر، صباح إثنين الفصح، الموافق 21 نيسان 2025.
ومع دخول البابا لاون الرابع عشر مستشفى جيميلي في 13 تشرين الأول 2026، لإجراء جراحة لاستئصال الفص السفلي من رئته اليمنى بسبب ورم سرطاني، تتواصل العلاقة التاريخية بين هذا الصرح الطبي والكرسي الرسولي.
فمن محاولة اغتيال يوحنا بولس الثاني عام 1981، مرورًا بالإقامات العلاجية المتكررة للبابا فرنسيس، وصولًا إلى الجراحة التي خضع لها البابا لاون الرابع عشر، أصبح مستشفى جيميلي شاهدًا على محطات صحية وإنسانية بارزة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية المعاصر.