موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يتواصل في مدينة غوادالاخارا المكسيكية العمل على تشييد مزار شهداء المكسيك، الذي يُراد له أن يكون معلمًا روحيًا وتاريخيًا يخلّد ذكرى الرجال والنساء الذين بذلوا حياتهم دفاعًا عن إيمانهم بالمسيح الملك، خلال موجة الاضطهاد الديني التي شهدتها البلاد في عشرينيات القرن الماضي.
وجاء هذا الاضطهاد عقب فرض الحكومة قيودًا صارمة على الكنيسة الكاثوليكية، شملت إغلاق الكنائس، والحد من ممارسة الشعائر الدينية، وطرد رجال الدين واعتقالهم، مما أدى إلى اندلاع ما عُرف تاريخيًا بـ«حرب الكريستيرو» (1926-1929). وخلال هذا الاضطهاد، استشهد عدد كبير من الكهنة والعلمانيين الذين تمسكوا بإيمانهم، وأعلنت الكنيسة لاحقًا قداسة عدد منهم وتطويب آخرين.
وقال نائب مدير المزار، الأب غوستافو ماركيز، إن المزار «مكرّس لأولئك الذين قدّموا حياتهم من أجل المسيح، المسيح الملك». وأوضح أن الكنيسة تعترف اليوم بـ25 قديسًا و13 طوباويًا من شهداء تلك الفترة، وفي مقدمتهم القديس كريستوبال ماغايانيس ورفاقه، والطوباوي أناكليتو غونزاليس فلوريس ورفاقه، الذين استشهدوا خلال سنوات الاضطهاد الديني.
ويتميز المزار، الذي تتسع كنيسته لنحو 8000 شخص، بنافذة زجاجية فنية ضخمة صممها الراهب البندكتي والمهندس المعماري الأخ غابريال تشافيز، وتمثل رحلة روحية تبدأ بألوان داكنة ثم ترتفع تدريجيًا نحو ألوان مضيئة، في إشارة إلى ارتقاء النفس نحو الله، ليصبح الزجاج الملوّن جزءًا من الرسالة الروحية للمزار، لا مجرد عنصر معماري.
وفي رسالة نُشرت في 31 تموز بمناسبة مرور مئة عام على اندلاع الاضطهاد الديني في المكسيك، وحملت عنوانًا معبرًا: «صمتت أجراس الكنائس... وتكلم دمهم»، أكد أساقفة البلاد أن الذكرى المئوية تستحضر ثلاثة عناصر أساسية.
أولها، أمانة المؤمنين الذين حافظوا على إيمانهم رغم الخوف، فواصلوا الصلاة في المنازل، وعمّدوا أبناءهم سرًا، وحموا كهنتهم عندما أُغلقت الكنائس. وثانيها، شهادة الشهداء الذين لم يقتلوا من أجل المسيح، بل ماتوا من أجله، وهم يغفرون لجلاديهم. أما ثالثها، فهو الدرس الذي دُفع ثمنه بالدم، وهو أن الحرية الدينية ليست امتيازًا لرجال الدين، بل حق أصيل لكل إنسان، وأن إنكارها يقود دائمًا إلى سفك الدماء.
ورغم أن أعمال بناء مزار شهداء المكسيك، التي بدأت عام 2007، لا تزال مستمرة، فإنه يستقبل بالفعل الحجاج والزوار الراغبين في الصلاة أمام ذخائر القديسين والطوباويين الشهداء. ولا يقتصر المزار على كونه مشروعًا معماريًا، بل يشكل شهادة حيّة على الإيمان والحرية الدينية والمصالحة والغفران، وتخليدًا لذكرى الذين بذلوا حياتهم دفاعًا عن المسيح الملك.