موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
لَطَالَمَا كانت فرنسا وِجْهَةً مُنْتَظَمَةً لِلأَحْبَارِ الرُّومَانِيِّينَ العِظَامِ، لَاسِيَّمَا في العُقُودِ الأَخِيرَةِ. زَارَهَا البَابَا القِدِّيسُ يُوحَنَّا بُولُسُ الثَّانِي ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ في الفَتْرَةِ مِنْ 1980 إلَى 2004، بَيْنَمَا قَامَ البَابَا فَرَنْسِيسُ بِثَلَاثِ رِحْلَاتٍ خِلَالَ حَبْرِيَّتِهِ.
لَكِنَّ الرَّاوِيَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْطَعَ دُونَ تَهْوِينٍ أَوْ تَهْوِيلٍ، بِأَنَّ زِيَارَةَ البَابَا لاوُونَ الرَّابِعَ عَشَرَ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا قِصَّةٌ أُخْرَى، مِنْ حَيْثُ المَعْنَى والمَبْنَى، في الحَالِ وَالاسْتِقْبَالِ.
امْتَلَأَ شَارِعُ الشَّانْزِلِيزِيه الَّذِي يَزِيدُ طُولُهُ عَلَى مِيلٍ وَاحِدٍ بِحُشُودٍ مُتَحَمِّسَةٍ، قَدَّرَهَا بَعْضُهُمْ بِـ 900 أَلْفِ شَخْصٍ، يَسْعَوْنَ دُونَ تَزَاحُمٍ لِلْحُصُولِ عَلَى لَمْحَةٍ مِنَ البَابَا في طَرِيقِهِ لإِقَامَةِ القُدَّاسِ في بَارِيسَ.
في فَرَنْسَا العَلْمَانِيَّةِ، أَثَارَ رَئِيسُ الكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ ضَجَّةً كَبِيرَةً؛ فَقَدْ فَاجَأَ هَذَا الحُضُورُ الجَمَاهِيرِيُّ الكَبِيرُ الكَثِيرِينَ، حَتَّى إنَّ السُّلُطَاتِ المَحَلِّيَّةَ لَمْ تَكُنْ لِتَتَوَقَّعَهُ، وَلَاحِقًا أَعْلَنَتْ إِيبَارْشِيَّةُ بَارِيسَ أَنَّ الشُّرْطَةَ فَتَحَتْ مَوْقِعَيْنِ إِضَافِيَّيْنِ لاسْتِيعَابِ الحُشُودِ الَّتِي فَاقَتِ التَّوَقُّعَاتِ.
في السَّاعَاتِ الأُولَى لِلزِّيَارَةِ، بَدَا وَكَأَنَّ تَرْحِيبَ فَرَنْسَا بِخَلِيفَةِ بُطْرُسَ الصَّيَّادِ الجَلِيلِيِّ يَعْكِسُ إِيمَانًا عَمِيقًا بِأَنَّ أَنْوَارَ العَلْمَانِيَّةِ الفَائِقَةِ الحَدِّ —حَتَّى إنَّهَا تُعْمِي أَحْيَانًا— لَمْ تَعُدْ قَادِرَةً عَلَى مُجَاوَبَةِ سِرِّ الرَّجَاءِ الإِلَهِيِّ المُلْتَحِمِ بِالنَّفْسِ الإِنْسَانِيَّةِ.
في عَظَةِ قُدَّاسِ بَارِيسَ الكَبِيرِ، وَسَطَ أَطْلَالِ مَجْدِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الدُّنْيَوِيِّ، بَدَا مِنْ جَدِيدٍ «أَنَّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا المَاءِ يَعْطَشُ». مِنْ هُنَا حَثَّ الأَبُ الأَقْدَسُ الفَرَنْسِيِّينَ عَلَى اسْتِحْضَارِ تُرَاثِهِمِ المَسِيحِيِّ: «لإِرْوَاءِ العَطَشِ إلَى المَعْنَى وَالحَقِيقَةِ وَالرِّضَا، تِلْكَ القِيَمِ النَّبِيلَةِ المَوْجُودَةِ في قَلْبِ الإِنْسَانِ».
في سَاحَةِ الكُونْكُورْدِ، أَكَّدَ لاوُونُ الرَّابِعُ عَشَرَ عَلَى أَنَّهُ «لَيْسَ أَيٌّ مِنَّا مُجَرَّدَ رَقَمٍ أَوْ مُدْخَلٍ في سِجِلٍّ، بَلْ هُوَ شَخْصٌ فَرِيدٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِبْدَالُهُ في نَظَرِ اللهِ».
فَارِقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ مَنْظُورَيْنِ يَقُودُنَا حَكْمًا إلَى مُقَارَبَةِ القِدِّيسِ أُوغُسْطِينُوسَ بَيْنَ مَدِينَةِ اللهِ وَمَدِينَةِ العَالَمِ.
كَانَ نِيتْشِه -فَيْلَسُوفُ القُوَّةِ الأَلْمَانِيُّ العَتِيدُ- يَنْطِقُ بِعِبَارَاتٍ أَدَّتْ إلَى اسْتِيلَادِ النَّازِيَّةِ وَهَيْمَنَةِ السُّلْطَوِيَّةِ الآرِيَّةِ، لَاسِيَّمَا تُجَاهَ المَرْضَى وَالفُقَرَاءِ وَأَقْنَانِ الأَرْضِ: «اذْهَبْ وَمُتْ، إنَّ رَبِّي لَا يُحِبُّ الضُّعَفَاءَ».
عَلَى العَكْسِ بِالمُطْلَقِ، كَانَ سِتَّةُ شُبَّانٍ مُصَابِينَ بِمُتَلَازِمَةِ دَاوُنَ مِنْ بَيْنِ العَدِيدِ مِنْ خُدَّامِ المَذْبَحِ الَّذِينَ سَاعَدُوا لِيُو خِلَالَ قُدَّاسِ الشَّانْزِلِيزِيه.
تَطْحَنُ السَّمَاءُ رُبَّمَا بِبُطْءٍ، لَكِنَّهَا تَطْحَنُ دَوْمًا طَحْنًا نَاعِمًا؛ فَهَا هِيَ سَاحَةُ الدَّمَارِ التَّارِيخِيَّةُ تَتَحَوَّلُ إلَى قِطْعَةٍ مِنَ السَّمَاءِ في مُصَالَحَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مَعَ اللهِ وَالقَرِيبِ.
كَانَتْ سَاحَةُ الكُونْكُورْدِ مِنْ قَبْلُ مَوْقِعًا لإِحْدَى المَقَاصِلِ الَّتِي قَطَعَتْ رُؤُوسَ أَكْثَرِ مِنْ 1000 شَخْصٍ خِلَالَ الثَّوْرَةِ الفَرَنْسِيَّةِ، بِمَنْ فِيهِمِ المَلِكُ لُوِيسُ السَّادِسُ عَشَرَ وَزَوْجَتُهُ مَارِي أَنْتُوَانِيت.
غَمَرَتِ السَّاحَةَ أَشِعَّةُ الشَّمْسِ بَعْدَ أَنِ انْقَشَعَتْ غُيُومُ الصَّبَاحِ الكَثِيفَةُ قَبْلَ عَشْرِ دَقَائِقَ فَقَطْ مِنْ بَدْءِ القُدَّاسِ، وَكَأَنَّ السَّمَاءَ تَبْتَسِمُ قَبْلَ إِقَامَةِ الذَّبِيحَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَتُعَبِّرُ عَنْ رِضَاهَا بِصُفُوفِ المَعَرِّفِينَ وَالمُعْتَرِفِينَ المُنْتَشِرِينَ عَلَى طُولِ أَشْهَرِ شَارِعٍ سِيَاحِيٍّ في العَالَمِ، في مَشْهَدٍ غَيْرِ مَسْبُوقٍ يُشَاغِبُ أَيْقُونَةَ فَرَنْسَا العَلْمَانِيَّةِ مَرَّةً وَإِلَى الأَبَدِ.
بَدَا الفَرَنْسِيُّونَ نَهَارَ السَّبْتِ المَاضِي -وَعَلَى حَدِّ تَعْبِيرِ الحَبْرِ الأَعْظَمِ-: «مُتَعَطِّشِينَ إلَى اللهِ، وَإِلَى الحَيَاةِ، وَإِلَى الحَقِيقَةِ، وَإِلَى الوَحْدَةِ، وَإِلَى السَّلَامِ، وَإِلَى التَّوَاصُلِ، وَإِلَى السَّعَادَةِ، وَتَوَّاقِينَ إلَى إِعَادَةِ اكْتِشَافِ أُفُقٍ مَلِيءٍ بِالنُّورِ، وَإِلَى بِنَاءِ أُمَّةٍ مُتَجَدِّدَةٍ عَلَى جُذُورٍ يُغَذِّيهَا الإِيمَانُ».
أَحَدُ الأَسْئِلَةِ المُهِمَّةِ الَّتِي طُرِحَتْ بَيْنَ يَدَيْ زِيَارَةِ لاوُونَ الرَّابِعَ عَشَرَ إلَى فَرَنْسَا: «هَلْ تَنْتَهِكُ الزِّيَارَةُ عَلْمَانِيَّةَ الدَّوْلَةِ؟»
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ غِيَابِ الرَّئِيسِ الفَرَنْسِيِّ إِيمَانُوئِيل مَاكْرُون عَنْ قُدَّاسِ الكُونْكُورْدِ، إِلاَّ أَنَّ خُبَرَاءَ القَانُونِ العَامِّ في فَرَنْسَا -مِثْلَ البُرُوفِيسُورِ "نِيكُولَا هِيرْفُو"، خَبِيرِ القَانُونِ العَامِّ وَالمُحَاضِرِ في مَعْهَدِ العُلُومِ السِّيَاسِيَّةِ- رَأَوْا أَنَّ حُضُورَ رَئِيسِ الدَّوْلَةِ لِلْقُدَّاسِ «لَا يُشَكِّلُ بِالضَّرُورَةِ انْتِهَاكًا لِمَبْدَأِ العَلْمَانِيَّةِ».
أَمَامَ السُّلُطَاتِ المَدَنِيَّةِ وَفي قَصْرِ الإِيلِيزِيه، اعْتَبَرَ البَابَا أَنَّ «العَلْمَانِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لَا تَتَمَثَّلُ في اسْتِبْعَادِ الدِّينِ مِنَ المَجَالِ العَامِّ، بَلْ عَلَى العَكْسِ، تَعْرِفُ كَيْفَ تَسْتَفِيدُ مِنْهُ كَمَوْرِدٍ تَعْلِيمِيٍّ».
نَفَخَ بَابَا رُومَا في بُوقِ القَرْنِ مِنْ فَرَنْسَا، مُنْذِرًا وَمُحَذِّرًا مِنْ نَوَازِلِ «حَاضِرَاتِ أَيَّامِنَا»، وَفي مُقَدِّمَتِهَا «المَوْتُ المَبْرَمَجُ» -الَّذِي يَخْتَلِفُ عَنِ «المَوْتِ الرَّحِيمِ»- وَالمُرْتَبِطُ بِـ «التَّلَاعُبِ الجِينِيِّ»، وَ«تَأْجِيرِ الأَرْحَامِ»، وَ«الحُصُولِ عَلَى الأَعْضَاءِ»، وَقَدْ وَصَفَهَا لاوُونُ الرَّابِعُ عَشَرَ بِأَنَّهَا تَجَاوُزَاتٌ تُهَدِّدُ بِتَحْوِيلِ العِلْمِ وَالتِّكْنُولُوجْيَا إلَى مَشْرُوعٍ رِبْحِيٍّ.
بَعْدَ يَوْمَيْنِ فَقَطْ مِنْ دَعْوَةِ قَادَةِ التِّكْنُولُوجْيَا أَنْفُسِهِمْ إلَى تَشْدِيدِ الرَّقَابَةِ عَلَى الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ في مَجْلِسِ الأَمْنِ، كَانَ لاوُونُ الرَّابِعُ عَشَرَ يُعَبِّرُ عَنْ قَلَقِهِ إِزَاءَ التَّطَوُّرِ غَيْرِ المُنَضَبِطِ لِنَمَاذِجِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ.
البَابَا -الَّذِي خَصَّصَ رِسَالَتَهُ البَابَوِيَّةَ الأُولَى لِهَذَا المَوْضُوعِ «الإِنْسَانِيَّةُ الرَّائِعَةُ»- يَرَى أَنَّ الذَّكَاءَ الاصْطِنَاعِيَّ يَجِبُ أَنْ يَبْقَى في خِدْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَصْبِحَ «أَدَاةً أُخْرَى لِلْهَيْمَنَةِ وَالظُّلْمِ».
في الوَقْتِ عَيْنِهِ، أَكَّدَ البَابَا عَلَى أَنَّ حَاضِرَةَ الفَاتِيكَانِ تُجْرِي حِوَارًا مَعَ العَدِيدِ مِنْ قَادَةِ صِنَاعَةِ التِّكْنُولُوجْيَا المُنْفَتِحِينَ عَلَى بَحْثِ طُرُقٍ لِضَمَانِ عَدَمِ إِزَاحَةِ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ لِلْبَشَرِيَّةِ أَوْ تَدْمِيرِهَا في نِهَايَةِ المَطَافِ، بَلْ أَنْ يَكُونَ أَدَاةً لِخِدْمَةِ البَشَرِ.
وَلأَنَّ الإِنْسَانَ هُوَ الشَّغَلُ الشَّاغِلُ لِرَاعٍ يَتْبَعُ «ابْنَ الإِنْسَانِ»، لِذَا نَجِدُ البَابَا الرَّاعِيَ في مَقَرِّ مُنَظَّمَةِ الأُمَمِ المُمَّتَحِدَةِ لِلتَّرْبِيَةِ وَالعُلُومِ وَالثَّقَافَةِ (اليُونِسْكُو)، يُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّهُ «مَعَ زِيَادَةِ نِطَاقِ وَعَدَدِ المَهَامِّ الَّتِي يِتِمُّ إِسْنَادُهَا إلَى الآلَاتِ، فَإِنَّ أَفْكَارَنَا وَعَلَاقَاتِنَا بَاتَتْ مَعَرَّضَةً لِخَطَرِ الفَقْرِ مِنْ خِلَالِ عَمَلِيَّةِ نَزْعِ الإِنْسَانِيَّةِ».
في قَصْرِ الإِيلِيزِيه، أَظْهَرَ البَابَا بَرَاعَتَهُ السِّيَاسِيَّةَ بِاسْمِ الدِّينِ، وَفي كَاتِدْرَائِيَّةِ نُوتْرِدَام، تَجَلَّتْ حَمَاسَتُهُ التَّبْشِيرِيَّةُ، أَمَّا في اليُونِسْكُو، فَقَدْ ظَهَرَ وَاضِحًا مِقْدَارُ الانْخِرَاطِ الدَّوْلِيِّ لِلْكَنِيسَةِ الرُّومَانِيَّةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ في الدِّفَاعِ عَنِ التَّعَدُّدِيَّةِ وَالحِوَارِ كَمَسَارِبَ لِلأَمَلِ وَمَسَاقَاتٍ لِلرَّجَاءِ، وَدُرُوبٍ لِلسَّيْرِ في طَرِيقِ المَحَبَّةِ.
هَلْ تُؤَشِّرُ زِيَارَةُ البَابَا لاوُونَ الرَّابِعَ عَشَرَ إلَى فَرَنْسَا إلَى اتِّجَاهَاتِ الرِّيَاحِ الإِيمَانِيَّةِ في أُورُوبَّا؟
«أَصْبَحَتْ فَرَنْسَا بِمَثَابَةِ أَرْضِ اخْتِبَارٍ لِلتَّغَيُّرَاتِ الَّتِي تُؤَثِّرُ عَلَى الكَاثُولِيكِيَّةِ في جَمِيعِ أَنْحَاءِ أُورُوبَّا الغَرْبِيَّةِ»، هَكَذَا تَحَدَّثَ فَرَانْسُوَا مَابِيل، مُدِيرُ المَرْصَدِ الجِيُوبُولِيتِيكِيِّ لِلدِّينِ في مَعْهَدِ الشُّؤُونِ الدَّوْلِيَّةِ وَالاسْتِرَاتِيجِيَّةِ الفَرَنْسِيِّ.
وَفي تَصْرِيحَاتٍ لإِذَاعَةِ فَرَنْسَا، أَكَّدَ عَلَى أَنَّ «الكَنِيسَةَ الكَاثُولِيكِيَّةَ في فَرَنْسَا تُعَدُّ بِمَثَابَةِ مُخْتَبَرٍ لِبَعْضِ الاتِّجَاهَاتِ الرَّئِيسِيَّةِ الَّتِي بَدَأْنَا نَرَاهَا عَلَى المُسْتَوَى الأُورُوبِّيِّ، وَرُبَّمَا في جَمِيعِ أَنْحَاءِ الغَرْبِ»، مُشِيرًا كَمِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ إلَى العَدَدِ المِتَزَايِدِ مِنَ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ يَلْتَزِمُونَ بِالكَاثُولِيكِيَّةِ كَبَالِغِينَ، بَدَلًا مِنْ وِرَاثَتِهَا مِنْ عَائِلَاتِهِمْ.
هَلْ مِنْ خُلَاصَاتٍ لِلزِّيَارَةِ؟
رُبَّمَا يَكُونُ مِنَ المُبَكِّرِ اخْتِزَالُ زِيَارَةِ البَابَا لاوُونَ الرَّابِعَ عَشَرَ إلَى فَرَنْسَا في أَرْقَامِ المَشْهَدِ، أَوْ في مَنَاظِرِ الاسْتِقْبَالِ الرَّسْمِيِّ، أَوْ في عَظَاتِ قُدَّاسِ بَارِيسَ، عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا جَمِيعًا.
غَيْرَ أَنَّ الزِّيَارَاتِ البَابَوِيَّةَ الكُبْرَى لَا تُقَاسُ فَقَطْ بِمَا يَحْدُثُ خِلَالَهَا، وَإِنَّمَا بِمَا تَتْرُكُهُ وَرَاءَهَا مِنْ أَسْئِلَةٍ، وَمَا تَفْتَحُهُ مِنْ طَرَائِقِ تَفْكِيرٍ، وَكَذَلِكَ مَا تُعِيدُ وَضْعَهُ عَلَى جَدَاوِلِ النِّقَاشِ الأُورُوبِّيِّ خَاصَّةً وَالإِنْسَانِيِّ عَامَّةً.
مِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ تَحْدِيدًا، يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَى زِيَارَةِ فَرَنْسَا بِأَنَّهَا زِيَارَةٌ رَاعَوِيَّةٌ بِثِمَارٍ دِبْلُومَاسِيَّةٍ وَاسْتِرَاتِيجِيَّةٍ؛ فَقَدْ تَحَرَّكَ البَابَا بَيْنَ بَارِيسَ وَلُورْد وَمِيتْز، جَامِعًا بَيْنَ الكَنِيسَةِ وَالمُجْتَمَعِ، وَبَيْنَ الدِّينِ وَالثَّقَافَةِ، وَبَيْنَ فَرَنْسَا وَأُورُوبَّا، وَبَيْنَ الإِيمَانِ وَالقَضَايَا الكُبْرَى الَّتِي تَشْغَلُ الإِنْسَانَ المُعَاصِرَ.
مِنْ هُنَا يُمْكِنُ القَطْعُ بِأَنَّ الرِّهَانَ الحَقِيقِيَّ لِزِيَارَةِ البَابَا لاوُونَ الرَّابِعَ عَشَرَ إلَى فَرَنْسَا يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ سُؤَالٍ أَكْثَرَ عُمْقًا: «هَلْ يَسْتَطِيعُ الصَّوْتُ الرُّوحِيُّ الإِيمَانِيُّ التُّرَاثِيُّ أَنْ يَعُودَ إلَى المَجَالِ العَامِّ الأُورُوبِّيِّ، لَا بِوَصْفِهِ سُلْطَةً تُنَافِسُ السُّلُطَاتِ السِّيَاسِيَّةَ، وَإِنَّمَا بِوَصْفِهِ ضَمِيرًا يَسْأَلُهَا عَنِ الإِنْسَانِ؟»
ذَلِكَ هُوَ الاِخْتِبَارُ الكَبِيرُ الَّذِي تَرَكَتْهُ زِيَارَةُ القَادِمِ مُبَشِّرًا بِالسَّلَامِ وَرَاءَهَا.