موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
دعت الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا إلى وقف دوامة العنف التي شهدتها البلاد خلال الأيام الأخيرة، وإلى الإصغاء لمطالب الشباب والفئات التي تعاني التهميش والقلق بشأن المستقبل، مؤكدة ضرورة استعادة الحوار المجتمعي والبحث عن إجابات للأسئلة العميقة المتعلقة بمعنى الحياة والرجاء. وجاءت هذه الدعوة في أعقاب اضطرابات رافقت تظاهرات 17 تشرين الأول، شهدت اعتداءات على عناصر الأمن ونهبًا لمحال تجارية وتخريبًا لمرافق عامة ومبانٍ تابعة لمؤسسات الدولة.
وفي بيان أصدرته رئاسة مجلس أساقفة فرنسا، الاثنين 19 تشرين الأول، أعرب الأساقفة عن قلقهم إزاء مشاهد العنف التي خلّفت حالة من الصدمة والخوف في المجتمع الفرنسي، محذّرين من الانجرار إلى دوامة مدمّرة تزيد من معاناة المواطنين. وأكدوا تضامنهم مع العاملين وأصحاب المصالح الذين تضررت ممتلكاتهم، داعين إلى الإصغاء للمطالب المشروعة ومعالجتها، والعمل على استعادة السلام من خلال الحوار واحترام العدالة.
وأوضح المطران فنسان جوردي، رئيس أساقفة تور ونائب رئيس مجلس أساقفة فرنسا، أن الاحتجاجات تعكس حالة أعمق من القلق المجتمعي، في ظل الأزمات الدولية والحروب والتحديات البيئية وتدهور الظروف المعيشية. وأشار إلى أن الشباب، الذين خرج بعضهم للاحتجاج على تراجع الأوضاع في المدارس ونقص المعلمين وضعف الإمكانات التعليمية، يواجهون صعوبة في التعبير عن مخاوفهم بشأن المستقبل.
وشدّد المطران جوردي على أن التعبير عن المطالب المشروعة حق أساسي في المجتمع الديمقراطي، لكنه ميّز بين الاحتجاج السلمي وأعمال العنف التي تستغل حالة الاضطراب لتحقيق أهداف أخرى. ولفت إلى أن المجتمع الفرنسي يعاني تراجع الشعور بالانتماء إلى الخير العام، في وقت تنشغل فيه فئات مختلفة بالدفاع عن مصالحها الخاصة على حساب ما يجمع المواطنين.
ودعا إلى إعادة الاعتبار لدور الهيئات الوسيطة، مثل النقابات والجمعيات والمؤسسات المدنية، التي يمكن أن تشكّل مساحات للحوار والتقارب، بعدما أضعفتها، بحسب رأيه، نزعة متزايدة نحو مركزية القرار. كما انتقد انشغال القوى السياسية بتبادل الاتهامات بشأن مسؤولية الاضطرابات، بدل التعاون لإيجاد حلول تعيد الثقة والاستقرار.
من جانبه، رأى رئيس أساقفة ليون، المطران أوليفييه دو جيرماي، أن الاضطرابات الحالية تكشف أزمة أعمق تتعلق بفقدان المعنى في المجتمعات المعاصرة، معتبرًا أن النموذج القائم على الاستهلاك والبحث عن المتعة والفردية لم يعد قادرًا على الاستجابة لتطلعات الإنسان إلى السعادة.
وقال في مقابلة مع إذاعة الفاتيكان إن المجتمع بلغ مرحلة تتكشف فيها حدود هذا النموذج، الذي يسهم، بحسب رأيه، في تعميق الإحباط والتفاوت الاجتماعي والإضرار بالبيئة، بينما يظل الإنسان، حتى عندما تتوافر له مقومات الحياة المادية، متعطشًا إلى السعادة والمعنى.
وأكد رئيس أساقفة ليون أن "الحل هو الله"، داعيًا إلى إعادة وضعه في قلب الحياة المجتمعية، بوصف الإيمان مصدرًا للمعنى والوحدة بين البشر على اختلاف ثقافاتهم وأديانهم وآرائهم السياسية. وأشار إلى أن ما يجمع الناس، رغم اختلافاتهم، هو انتماؤهم إلى إنسانية واحدة، ما يستدعي تجاوز الانقسامات والعمل من أجل الخير العام.
وفي السياق ذاته، اعتبر المطران جوردي أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على الحلول السياسية والاقتصادية، بل ينبغي أن تشمل الأسئلة الروحية والوجودية التي يطرحها الإنسان، ولا سيما الشباب، بشأن غاية الحياة والمستقبل. ورأى أن تراجع حضور البعد الديني في النقاش العام، إلى جانب خيبة الأمل من الوعود السياسية والتقدم التقني، أسهما في تعميق الشعور بالفراغ وفقدان الاتجاه.
ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2027، أعرب المطران دو جيرماي عن أمله في أن يقدّم القادة الدينيون نموذجًا للتعايش، مقترحًا تنظيم مسيرة من أجل السلام تجمع ممثلين عن المسيحيين والمسلمين واليهود، للتأكيد أن الاختلافات الدينية والثقافية والسياسية لا ينبغي أن تتحول إلى عداوات.
وشدّد على أهمية النظر إلى الشباب بعين الرجاء، مؤكدًا أنهم يحملون رغبة حقيقية في السعادة وقدرًا كبيرًا من السخاء، لكنهم يحتاجون إلى من يساعدهم على اكتشاف معنى حياتهم، بعيدًا عن الاعتقاد بأن السعادة تتحقق بالاستهلاك والانشغال بالذات.
واستشهد بتجربة الشباب الذين يشاركون في رحلات الحج إلى مزار سيدة لورد، حيث يتطوعون لخدمة المرضى، موضحًا أن بعض المراهقين يذهبون بتردد، لكنهم يعودون وقد تبدلت نظرتهم إلى الحياة بعدما اختبروا فرح العطاء ومساعدة الآخرين.
وأكد أن مسؤولية الكنيسة والمجتمع تتمثل في إتاحة مثل هذه الخبرات أمام الأجيال الجديدة، ومساعدتها على اكتشاف أن السعادة الحقيقية لا تنحصر في الامتلاك، بل تنمو أيضًا من خلال المحبة والتضامن وخدمة الإنسان.