موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
تستضيف مدينة فورت وورث في ولاية تكساس الأميركية معرضًا استثنائيًا يضم كنوزًا نادرة من كنيسة القيامة في القدس، من بينها ذخيرة من الصليب المقدس ولوحة فضية زخرفية كانت معلّقة داخل قبر المسيح، وذلك حتى 12 تموز في متحف كيمبل للفنون.
ويضم المعرض أيضًا أثوابًا كهنوتية وشمعدانات وزهورًا معدنية وعددًا كبيرًا من الأواني الليتورجية التي استُخدمت في القدس قبل مئات السنين.
على مرّ القرون، أرسل ملوك كاثوليك هذه القطع إلى الرهبان الفرنسيسكان في القدس لاستخدامها في الاحتفال بالقداس الإلهي. وكانت الأعمال المعدنية المماثلة شائعة في أوروبا، إلا أن كثيرًا منها صُهر خلال الحروب للاستفادة من معادنه، أو فُقد بسبب الكوارث الطبيعية. أما في القدس، فقد نجت هذه القطع رغم الحروب المتعاقبة وتبدّل السلطات الحاكمة عليها.
وقال جورج شاكلفورد، أمين المعرض ونائب مدير متحف كيمبل، لشبكة EWTN الإخبارية: «يشرفنا كثيرًا أن نقدم هذه الأعمال الفنية لجمهورنا، ويسعدنا أن عددًا كبيرًا من الزوار جاءوا لمشاهدة المعرض حتى الآن. لقد قدم أشخاص من مناطق مختلفة إلى المتحف، وأخبروا أصدقاءهم عن هذه التجربة، وهذا يكافئ الجهود الكبيرة التي بذلها فريق العمل».
أحد أسباب بقاء هذه القطع المقدسة هو أن قلة من الناس كانت تعلم بوجودها. فقد نسيها الأوروبيون لقرون طويلة، كما أدت محاولات السيطرة المحلية على كنيسة القيامة إلى إلحاق الضرر ببعض القطع أو تدميرها. وفي وقت لاحق، نظّم العثمانيون الوضع القانوني للمقدسات، وتمت الاستعانة بحرفيين لإصلاح القطع المتضررة.
كما نجح الرهبان الفرنسيسكان في استعادة العديد من القطع، واشتروا بعضها من الكنائس الأرثوذكسية. أما القطع التي تعرضت لأضرار لا يمكن إصلاحها، فقد أُرسلت إلى مدينة البندقية الإيطالية حيث صُهرت وأُعيد تصنيعها ثم أُرسلت مجددًا إلى القدس.
ومن بين الجهود المميزة للحفاظ على الزينة الكنسية، استخدام الزهور المعدنية لتزيين المذابح. ففي صيف القدس الجاف، حيث تكاد الأمطار تنعدم بين أيار وأيلول، يصعب توفير الزهور الطبيعية بشكل دائم. لذلك شكّلت الزهور المعدنية حلًا عمليًا يوفر المال والمياه النادرة.
ويعرض المعرض قصة الحرفيين البنادقة الذين أعادوا صهر قطع فضية مكسورة وصنعوا منها شمعدانين كبيرين للرهبان، إلى جانب أحد المصابيح التي تعرضت للتلف ثم أُعيد صنعها عام 1762. ومن بين المعروضات أيضًا مذبح فضي مزخرف بتفاصيل مذهبة، صنعه الفنان الإيطالي جينارو دي بلاسيو في نابولي بين عامي 1724 و1740.
وقال ستيفن مارشال، الذي يعمل في أحد الفنادق القريبة وزار المعرض مرتين مع عائلته: «أُعجبت بمعرفة كيف انتقلت هذه القطع بين أماكن مختلفة بعد صنعها، وكيف استُخدم الزئبق لتثبيت الذهب على الفضة. كما أدهشني حجم الجهد المبذول في صيانتها. فالقيمة لا تكمن فقط في المواد المستخدمة، بل في العناية المستمرة التي حظيت بها هذه القطع».
نظرًا إلى أن ملوك أوروبا نادرًا ما كانوا يزورون الأراضي المقدسة بأنفسهم، فقد كانوا يرسلون هذه القطع الثمينة إلى الفرنسيسكان في القدس. وحملت الأعمال الفنية رموزًا خاصة بكل دولة. فالقطع الفرنسية زُيّنت برمز زهرة الزنبق الملكية، بينما حملت القطع البرتغالية شعار الدروع الخمسة.
ومن بين التبرعات المميزة، تبرع أحد أمراء البرتغال بوعاء فضي يُستخدم في طقس غسل الأرجل خلال احتفال خميس الأسرار. كما موّل الملك البرتغالي يوحنا الخامس صناعة مصباح في أربعينيات القرن الثامن عشر، إلا أنه لم يصل إلى القدس إلا في خمسينيات القرن نفسه خلال عهد الملك جوزيف الأول. وبعد سنوات قليلة، دمّر زلزال لشبونة عام 1755 معظم الأعمال المعدنية المشابهة في البرتغال.
وقالت إليزابيث فيلدرهوف، وهي إحدى زائرات المعرض من ولاية تكساس: «إنها نعمة أن تتاح لنا فرصة مشاهدة هذه القطع الثمينة بسهولة. أشعر بأن الفنانين الذين يبدعون أعمالًا جميلة ومتقنة يساعدون الآخرين على التأمل في الله أثناء العبادة».
ومن بين المعروضات أيضًا غطاء كتف كان في الأصل قطعة مستخدمة لأغراض مدنية من قبل شخص مسلم مجهول الهوية، ثم انتقل إلى ملكية مسيحية وتحوّل إلى غطاء يستخدمه الكهنة أثناء السجود للقربان المقدس. كما يضم المعرض أحد الأردية الكهنوتية المزينة بأدوات صلب المسيح، والتي كانت تُستخدم خصوصًا خلال زمن الصوم الكبير.
وقالت الزائرة جوان كوكس: «إن حلم زيارة الأراضي المقدسة يبدو بعيد المنال بالنسبة للكثيرين. لذلك فإن هذه فرصة مذهلة لرؤية جانب من إيماننا المسيحي الكاثوليكي والتعرّف إلى الرموز والتاريخ الكامن وراء كل قطعة معروضة، ونحن ممتنون لوجود هذا المعرض هنا».
وأعربت زائرة أخرى، سينتيا فيرا، عن مشاعر مشابهة قائلة: «إنه معرض جميل. أنا كاثوليكية وأشعر بالامتنان لأن متحف كيمبل استضاف هذا الحدث». من جهته، أوضح أندرو يوبانك، مدير التسويق والاتصالات في المتحف، أن المعرض استقطب زوارًا من مختلف أنحاء العالم، من بينها أستراليا ونيوزيلندا والصين واليابان وكوريا وأميركا الجنوبية وأوروبا.
وإلى جانب معرض كنوز كنيسة القيامة، يمكن للزوار مشاهدة أعمال فنية دينية ومدنية من الحقبة نفسها ومن عصور أقدم ضمن المجموعة الدائمة لمتحف كيمبل، والتي تُعرض مجانًا للجمهور.