موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
ثقافة
نشر السبت، ١٤ فبراير / شباط ٢٠٢٦
كتاب جديد لـ إميل أمين: بولاد الميستيكي: في مديح القلق المقدس

أبونا :

 

أصدر الكاتب إميل أمين كتابه الجديد بعنوان: "بولاد الميستيكي: في مديح القلق المقدس"، وهو ثمرة أربعة أشهر من الحوارات المكثفة مع العلامة الأب هنري بولاد اليسوعي، والتي تناولت فكرَه العميق، وتجربته الروحية والفكرية الغنية، ورؤاه حول الإنسان والحياة والمجتمع.

 

ولا يقدّم هذا الكتاب مجرد محاورات، بل رحلة استكشافية في عالم واحد من أبرز المفكرين واللاهوتيين في العصر الحديث، بولاد الميستيكي، أي المتصوف، الذي ترك بصمة واضحة في الفكر الديني والفلسفي، وساهم في تشكيل وعي أجيال بأكملها.

 

 

وفيما يلي النص الكامل لمقدمة الكتاب:

 

 

قبل أكثر من أربعة عقود، حملنا قطار الصعيد إلى قاهرة المعز، ضمن أنشطة فكرية شبابية أثرت تجربتنا الحياتية ولا تزال. كانت تلك الجولة فرصة للتثاقف مع كبار العقول المصرية في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، من مفكرين وسياسيين وعلماء اجتماع وخبراء اقتصاديين ورجال دين ورهبان وراهبات، كلّ منهم صب من حياته وتجربته الشخصية في جداول حياتنا اليانعة، فثمرت حكمًا بعد خوضنا غمار الحياة العملية.

 

لفت نظرنا منذ ذلك الحين هذا الثائر الفكري الكبير، ولا أخشى القول: الخطير أحيانًا، فقد حرك الأفكار في عقولنا سواء اتفقنا معه أو اختلفنا، لكن أحببناه في كل الأحوال، وترك بصمة لا تُنسى في نفوسنا وأرواحنا قبل عقولنا.

 

لم يكن بولاد الميستيكي، أي المتصوف، مجرد راهب بدرجة مفكر، بل كان رقمًا صعبًا في منظومة الكنيسة الفكرية عامة، وفي قلب الرهبنة اليسوعية بشكل خاص، بأفكاره السابقة عصرها، تلك الأفكار البولادية التي كانت أحيانًا محل التندر من قوم، ومصدر فخر واعتزاز لقوم آخرين.

 

تبدو كتابات الأب هنري بولاد رحلة عميقة في البحث عن الإنسان والوجدان، الأخير كلمة مقربة ومحببة لروحه بدرجة كبيرة، كما سيتضح من قراءة تلك المحاورات.

 

التقيت الأب بولاد في سنوات تكويني الفكري، قبل اكتمال العقد الثاني من العمر، ولا أنسى كيف تبادلت معه الأفكار في ضاحية المقطم، الأمر الذي منحني مكانة في قلبه كما أخبرني. فالإختلاف معه دلالة على ديناميكية التفكير وتدفق الحياة، فالماء الراكد عرضة للأسن.

 

بعد غياب طال نحو ثلاثة عقود، لم يغب الأب بولاد عن خاطري، إلى أن جاء صيف 2022، وتحت وقع اضطراب عالمي وقلق نفسي وانعدام توازن عالمي، خطر لي أن الموعد قد حان للقاء الشيخ جسدًا، المتجاوز التسعين، لكن العقل نابض بأفضل حالاته، والوعد من الرب له بالعيش مائة وعشرين سنة، يحرّك خلالها مياه الأزمات الفكرية ويدفع عبر طرق تفكير خلاقة، عازمًا على العمل بحزم، منبهًا للناس ورافعًا الالتباس، مجد الله أول الأمر وآخره هو هدفه ونصبه عينيه.

 

استغرقت هذه المحاورات حوالي أربعة أشهر، وأشهد أنها فيض من غيض، ولا تمثل إلا جزءًا صغيرًا من فكر بولاد الصوفي. أردت منها أن أطوف معه عبر قضايا لم تكن تقلقني وحدي، بل لا تزال تزعج جيلًا وربما أجيالًا، سيما في مسائل وحدة النوع ومصير الجنس البشري، وبعضها يتناول رؤى وطروحات حياتية معاصرة.

 

قد يتساءل المرء: هل الأب هنري بولاد لاهوتي أم مفكر؟

 

بقطع يمكن اعتباره لاهوتيًا قديرًا، بخاصة إذا اعتبرنا أن اللاهوتي هو الإنسان الذي تجاوز مرحلة التنقية والتطهير، واستنار بالروح القدس، ودخل في خبرة حية معه.

 

علّمنا بولاد الميستيكي كيف نستعمل العقل والثقافة، لنصل إلى دقة التعبير، وننحت اللفظ الأكثر تعبيرًا عن ما لا يعبر عنه، ونوصل التعليم السديد بالطريقة الفضلى. كان يؤكد دومًا على أن للعقل والعلوم البشرية دورًا في صياغة معرفة الله والتعبير عنها بشكل سليم.

 

خبرتنا معه علمتنا أنه ليس مجرد متخصص في علم اللاهوت، فالدراسة وحدها لا تصنع لاهوتيًا بالمعنى الأصيل، أي العارف بالله، وإن كانت تغذي الدارس وتنيره وتعلمه.

 

في الحاضنات الفكرية الأوروبية الكبرى، أطلقوا عليه لقب "بولاد الميستيكي"، أي المتصوف محب الحكمة، القريب من الفيلسوف، لأنه يمارس الفكر ويؤلف فيه، مستقصيًا حلولًا للقضايا الفلسفية التي يطرحها كل عصر.

 

وفي الوقت ذاته، يمكن اعتباره مفكرًا بإمتياز، يستخدم العقل والتأمل والتفكير النقدي بطريقة مهنية، وعلمنا منذ البداية أنه لا عصمة في التفكير، فالسير على درب الشغب الفكري الخلاق ضرورة، حيث درجنا على مساءلة الأيقونات مهما كانت الأكلاف، ما سبب لنا ولا يزال معارك حقيقية، ومع ذلك نمضي فرحين وعلى الطريق مرنمين.

 

أعظم ما تعلمناه منه هو أن السؤال الجيد غالبًا أكثر إفادة من الإجابة الناقصة؛ فالسؤال لا يصر على رأي بعينه، بل يرشّد إلى الاتجاه الذي ينبغي البحث فيه.

 

طوال سبعة عقود من عمله الروحي والتربوي، تجلى بولاد التنويري في الإنحياز للمستقبل، وطلب روح العصر، وتغليب العقلانية على الخرافة. النهضة عندهم مجتمع يصنع أساساته بالوعي، ويعلو قوائمه بالجهد والإصرار، ويطور نفسه بانحياز غير مشروط للمستقبل.

 

ينطبق عليه وصف المثقف الرسولي، ليس مجرد رجل دين أو مفكر، بل معذب بالوعي، مفارق للسائد، منتصر للحلم لا للواقع، مولع بالإبداع، لا خوف عليه ولا حزن يصيبه.

 

يؤمن بما قاله القديس توما الأكويني: "التعليم ليس ملء عقول التلاميذ بأحداث، بل تعزيز ميلهم العميق للحقيقة ومرافقتهم في هذا البحث"، ومما ذهب إليه المعلم إكهارت تول: "قلما نصل إلى شيء جيد من دون أن نضل قليلاً، فالطفل لا يتعلم المشي دون أن يسقط مرات عدة".

 

ما الذي يتبقى قبل الانصراف؟

 

قطعًا من الظلم الفادح والواضح أن نحاول في هذه المحاورات المتواضعة أن ندّعي الإحاطة الكاملة والشاملة بالفكار البولادية، ما يتوافق معها الجمع من جهة، أو التي ينصرف عنها البعض من جهة ثانية. لكن في كل الأحوال، يمكن التأكيد على أنها مسحة من الوفاء والولاء لأحد معلمينا الأماجد، الذين شاركوا في إضطرام نار الروح القدس في عقولنا وضمائرنا عبر عقود حياتنا الماضية، وها هي رؤى وتطلعات علها تفيدها الأجيال القادمة، لمجد الله الأعظم.