موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

الرئيسية /
ثقافة
نشر السبت، ٧ فبراير / شباط ٢٠٢٦
ترميم كنيسة القديس بولس: مشروع لإعادة المسيحيين إلى قلب أنطاكيا التاريخية

أبونا :

 

تخوض المهندسة المعمارية بوسه جرين غول مهمةً شخصية: ترميم كنيسة يونانية أرثوذكسية يعود تاريخها إلى 166 عامًا، لطالما شكّلت رمزًا بارزًا للماضي المتعدّد الثقافات في مدينتها الأم. وتؤمن غول بأن إعادة بناء الكنيسة، التي تحوّلت إلى أنقاض جرّاء الزلازل التي ضربت جنوب تركيا قبل ثلاث سنوات، ستساعد السكان على إعادة التواصل مع مدينتهم.

 

وكان الزلزال العنيف بقوة 7.8 درجات الذي ضرب تركيا في 6 شباط 2023، وتلاه آخر بعد ساعات، من بين أسوأ الكوارث في تاريخ البلاد. وفي أنطاكيا، دمّرت الهزّات جزءًا كبيرًا من المركز التاريخي للمدينة. وبعد سنوات من التخطيط والحملات وجمع التبرعات، تمكّن فريق غول مؤخرًا من إزالة الركام الذي كان يصل ارتفاعه إلى خمسة أمتار عن كنيسة القديس بولس.

 

وقالت غول، البالغة من العمر 34 عامًا، لوكالة «أسوشيتد برس» أثناء تجوّلها في باحة الكنيسة: «المدينة القديمة هي جوهر أقدم ذكريات كل من نشأ هنا». وأضافت: «حين رأيت المكان لأول مرة بعد الزلازل، سألت نفسي: هل اختفينا؟».

 

وقد دمّرت الزلازل أو ألحقت أضرارًا بمئات آلاف المباني في تركيا، ما أسفر عن مقتل أكثر من 53 ألف شخص، إضافة إلى نحو ستة آلاف قتيل في سوريا المجاورة. وكان يُقدَّر عدد المسيحيين في ولاية هاتاي بنحو 10 آلاف شخص قبل الزلزال، وهم يشكّلون نسبة ضئيلة من السكان، لكنها من أكبر التجمعات المسيحية في تركيا خارج إسطنبول.

 

وتُعدّ أنطاكيا من أكثر المدن تضررًا، إذ هدّد الدمار بمحو أحد أقدم شوارعها، «شارع سراي»، الذي شكّل على مدى قرون مركزًا لتلاقي المسيحيين والمسلمين واليهود من طوائف مختلفة. ويضم الشارع كنيسة القديس بولس التابعة للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية الناطقة بالعربية.

 

وقالت المهندسة غول، المنتمية إلى الطائفة العلوية المسلمة: «أصبحت الأحياء، كما في سائر أنحاء أنطاكيا، غير قابلة للتعرّف بالنسبة لسكانها. لكن إعادة النهوض بالمدينة القديمة قد تثبت أن جذور أنطاكيا يمكن الحفاظ عليها من جديد».

 

 

الحفاظ على تاريخها العريق

 

كانت غول تدرس وتعمل على مشروع ترميم كنيسة القديس بولس منذ ما قبل الزلازل. ومن بين 293 موقعًا للتراث الثقافي تضرّر في المحافظة، كانت الكنيسة من بين المواقع القليلة التي امتلكت مخططات معمارية معتمدة، أعدّتها غول بنفسها.

 

وقالت غول: «حين كنت أعمل على هذه المخططات، نصحني أحد أساتذتي بأن أرسم بطريقة تتيح إعادة بناء الكنيسة إذا دُمّرت. لم أكن أتصوّر يومًا أن هذا الصرح العظيم قد يُمحى بالكامل، لكنني أعددت مخططًا تفصيليًا لكل نقطة».

 

وأنطاكيا مدينة كتابية يعود تاريخها إلى القرن السادس قبل الميلاد. وعلى مرّ القرون، صمدت طبقاتها الهلنستية والرومانية والعثمانية، إلى جانب تنوّعها العرقي والديني واللغوي، في وجه ما لا يقل عن خمسة زلازل تفوق قوتها 7 درجات منذ عام 115 ميلادية، أسفرت عن مقتل مئات الآلاف وتسوية أجزاء واسعة من المدينة بالأرض.

 

وقد أُعيد بناء كنيسة القديس بولس، التابعة لبطريركية أنطاكية للروم الأرثوذكس، على الضفة الشرقية لنهر العاصي، بالكامل عام 1900 بعد تدميرها في زلزال عام 1872. وبعد أن أنقذت مخططات إعادة البناء من أنقاض مكتبها مباشرة عقب الزلزال، حصلت غول على دعم «صندوق الآثار العالمي»، وهي منظمة غير ربحية تُعنى بحماية التراث الثقافي المهدد. وبفضل الدعم التقني والمالي للصندوق، أزال الفريق أطنانًا من الركام، واحتفظ بالأحجار السليمة التي جرى استخراجها. ورغم استمرار أعمال التخطيط والتقييم الهندسي، توقّفت الأعمال الميدانية بانتظار تأمين تمويل إضافي.

 

وقال فادي حوريغيل، رئيس مؤسسة الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية في أنطاكيا، المشرفة على المشروع: «كنا مؤسسة مكتفية ذاتيًا ماليًا وقادرة على مساعدة العائلات المحتاجة. لكننا خسرنا نحو 95% من دخلنا بعد الزلازل». وأوضح أن إيجارات المتاجر المملوكة للكنيسة في شارع سراي، والتي كانت تستقطب السياح، شكّلت مصدر الدخل الرئيسي، وأن إعادة فتحها ضرورية لتمكين الجماعة من توليد دخل جديد، في ظل تراجع المساعدات المالية بعد الزلزال من بطريركية أنطاكية في دمشق ومن متبرعين آخرين.

 

ومنذ مطلع العام، تعاقدت وزارة البيئة والتخطيط العمراني وتغير المناخ مع شركة لإعادة تطوير هذه المتاجر.

 

 

تحديات إعادة الإعمار بعد الزلزال

 

ويكمن التحدي الأكبر أمام المسيحيين الأرثوذكس في أنطاكيا في عودة السكان الذين كانوا يملأون باحة كنيسة القديس بولس وحي شارع سراي. فمع بقاء معظم المنازل في المركز التاريخي مدمّرة، لا تزال غالبية أبناء الكنيسة نازحين عن بيوتهم.

 

وقال حوريغيل إن ما بين 370 و400 عائلة كانت تقيم في وسط أنطاكيا قبل الزلازل، ولم يعد منها سوى نحو 90 عائلة، في حين يزور آخرون المدينة في مناسبات تذكارية. وأضاف: «أهم ما تحتاجه الجماعة للعودة إلى أنطاكيا هو إعادة بناء منازلها وممتلكاتها التجارية».

 

ويعيش العديد من أبناء الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية الذين تضررت ممتلكاتهم خارج أنطاكيا، في بلدات أصغر ضمن ولاية هاتاي أو في مدن مجاورة، في ظل غياب خطة عمرانية شاملة لإعادة إحياء المركز التاريخي. ومن بينهم إفلين حسين أوغلو، التي كان لعائلتها منزل يبعد دقائق سيرًا عن شارع سراي، وقد أُعيد بناؤه قبل الزلازل بقليل. ورغم تعرضه لأضرار طفيفة، رأت العائلة أن ترميمه والعودة إليه محفوف بالمخاطر في غياب رؤية عمرانية واضحة، فانتقلت للعيش في أرسوز، على بعد ثلاث ساعات بالسيارة، في منزلها الصيفي السابق.

 

ويخشى سكان وقادة مجتمعيون عاشوا في المدينة لأجيال طويلة أن يؤدي النزوح المطوّل لمختلف الجماعات الدينية والعرقية إلى تقويض الانسجام الثقافي العريق الذي ميّز أنطاكيا.

 

وقال ديميتري دوغوم، البالغ من العمر 59 عامًا، وهو مسؤول في كنيسة القديس بولس وتنحدر عائلته من أنطاكيا منذ 400 عام: «نشأنا في شارع سراي، واليوم لم يعد هناك شارع سراي. كثيرون غادروا المدينة، وقد يستغرق تعافي أنطاكيا خمس سنوات أخرى».

 

وأضاف دوغوم، وهو مسيحي، أنه يخشى ألا يعيش ابنه وأبناء أصدقائه المسلمين السنّة تجربة الصداقة والحوار بين الأديان التي عرفها في طفولته، حين كانوا يلعبون معًا في الشارع لساعات طويلة. وختم قائلًا: «الناس رحلوا. خوفي أن نفقد ثقافة العيش المشترك».