موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
بدأت القصة بمكالمة هاتفية في عام 2024، عندما احتاج أحد موظفي جمعية دير باد دوبران في شمال ألمانيا إلى متخصص لفكّ وقراءة مخطوطة تعود إلى القرن الثاني عشر، كانت في الأصل محفوظة في دير باد دوبران، قبل أن تنتقل إلى ديره التابع في مدينة بيلبلين البولندية. ولهذا الغرض، تواصل مع البروفيسور كريستيان تورناو، أستاذ اللغة اللاتينية في جامعة فورتسبورغ.
وكانت المخطوطة تضم ست عظات منسوبة إلى القديس أوغسطينوس أسقف هيبّو. غير أن المفاجأة كانت أن أربعًا منها كانت معروفة سابقًا، بينما تبيّن أن عظتين لم يسبق للباحثين اكتشافهما. وقال تورناو: «اثنتان من العظات الست تمثلان نصين غير معروفين سابقًا للقديس أوغسطينوس»، معربًا عن سعادته بهذا الاكتشاف غير المتوقع. ويعمل حاليًا، بالتعاون مع باحثين من «مجموعة المؤلفات الكنسية اللاتينية»، على إعداد أول طبعة علمية للنصين، على أن تصدر في نهاية عام 2026.
تتناول العظتان إحدى أكثر الروايات إثارةً للإشكالات اللاهوتية في العهد القديم، وهي قصة عرّافة عين دور الواردة في الفصل الثامن والعشرين من سفر صموئيل الأول. ففي عشية المعركة ضد الفلسطينيين، وجد الملك شاول أن الله لم يعد يستجيب لصلواته. ولشدة يأسه، تنكر وذهب ليلًا إلى امرأة تمارس استحضار أرواح الموتى، طالبًا منها أن تستدعي روح النبي صموئيل. وبحسب الرواية الكتابية، ظهر صموئيل وأعلن لشاول أنه سيُهزم في المعركة وسيموت.
وقد شكّلت هذه الحادثة الكتابية معضلة حقيقية لدى اللاهوتيين المسيحيين الأوائل: كيف يمكن لعرافة أن تستحضر روح نبي؟ وهل سمح الله بذلك فعلًا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف ينسجم هذا مع قدرة الله المطلقة وسيادته؟
وقد ظهرت عبر التقليد المسيحي تفسيران رئيسيان: الأول يرى أن المرأة خدعت شاول ولم تستحضر صموئيل فعلًا، بل أوهمته بذلك؛ أما الثاني، فيعتبر أن الله سمح بحدوث هذا الأمر ليبلغ شاول آخر إنذار قبل موته الوشيك.
وبحسب موقع Medievalists.net، فإن العظتين المكتشفتين حديثًا تعرضان هذين التفسيرين معًا.
فالعظة الأولى، التي أُلقيت خلال قداس يوم الأحد، تنتهي بطرح السؤال اللاهوتي وعرض التفسيرين دون حسم. أما العظة الثانية، التي أُلقيت يوم الأربعاء التالي، فتعود إلى الموضوع لمناقشة الاحتمالات بتفصيل أكبر.
وبذلك، منح أوغسطينوس المؤمنين عدة أيام للتأمل في القضية قبل تقديم تفسيره، وهو أسلوب تربوي ينسجم مع ما يعرفه الباحثون عن طريقته في الوعظ، التي كانت تشجع على التفكير والتأمل بدل تقديم إجابات فورية.
ونظرًا لأن بعض النصوص المنسوبة إلى القديس أوغسطينوس تبيّن عبر القرون أنها ليست من تأليفه، تعامل الباحثون بحذر مع هذا الاكتشاف. ففي خريف عام 2025، اجتمع عشرون باحثًا متخصصًا في اللغة اللاتينية خلال مدرسة صيفية في فيينا لدراسة النصين وتقييم أصالتهما. وانتهى المشاركون بالإجماع إلى أن العظتين أصيلتان بالفعل.
وأوضح تورناو أن الطابع المفتوح للعظتين، اللتين تعرضان أكثر من تفسير من دون فرض نتيجة نهائية، ينسجم تمامًا مع أسلوب أوغسطينوس المعروف. وأضاف: «إن الأسلوب والفكاهة والمضمون تؤكد بوضوح أن هاتين العظتين كُتبتا بالفعل بقلم القديس أوغسطينوس».
أما المخطوطة نفسها، فتثير بدورها عددًا من التساؤلات، إذ تعود إلى القرن الثاني عشر، أي بعد نحو سبعة قرون من وفاة أوغسطينوس. ويرجح الباحثون أنها نُسخت عن مخطوطة أقدم كانت محفوظة في دير أملونغسبورن في ولاية ساكسونيا السفلى، قبل أن تدمر مكتبته الأصلية خلال حرب الثلاثين عامًا. ورغم عدم وجود دليل قاطع على سلسلة انتقال النص، فإن هذا الاحتمال يُعد منطقيًا من الناحية التاريخية.
ويحرص تورناو على عدم المبالغة في أهمية الاكتشاف، إذ قال: «لا يمثل هذا اكتشافًا استثنائيًا كالذي تحقق في مدينة ماينتس عام 1990، حين عُثر على ثلاثين نصًا جديدًا للقديس أوغسطينوس، لكنه يضيف إلى إرثه الفكري العظيم نصين جديدين ومهمين، سيتم نشرهما في طبعة نقدية».
ويُعد القديس أوغسطينوس أسقف هيبّو (354–430) أحد أكثر كتّاب العالم القديم إنتاجًا، إذ ترك مئات العظات والرسائل، وشروحًا كتابية، ومؤلفات لاهوتية وفلسفية، إلى جانب أعماله الشهيرة مثل «الاعترافات» و«مدينة الله».
ورغم هذا الإرث الضخم، لا تزال مخطوطات جديدة تظهر بين الحين والآخر، كما حدث في اكتشاف ماينتس عام 1990 الذي أضاف ثلاثين عظة مجهولة إلى أعماله، ويأتي اكتشاف بيلبلين اليوم ليضيف عظتين جديدتين تتناولان إحدى أكثر القضايا حساسية في اللاهوت المسيحي، وهي حدود ما يسمح الله بحدوثه، وحقيقة الشر، ومعنى العناية الإلهية.
ويختم الباحثون بالإشارة إلى أن مجرد اختيار أوغسطينوس للوعظ مرتين متتاليتين حول قصة عرافة عين دور، وترك المؤمنين أيامًا يتأملون في الأسئلة المطروحة قبل تقديم مناقشته اللاحقة، يكشف عن ثقته بقدرة المؤمنين على مواجهة الأسئلة اللاهوتية الصعبة. فلم يسارع إلى تقديم إجابات حاسمة، بل ترك مساحة للتأمل، مقدمًا أكثر من احتمال، وهو أسلوب يرى الباحثون أنه لا يزال يحمل أهمية كبيرة في زمن تزداد فيه الأسئلة المعقدة والانقسامات الفكرية.