موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢٣ يوليو / تموز ٢٠٢٦
طفلة إسبانية مصابة بورم في الدماغ: لقاء البابا كان هدية من السماء

أبونا :

 

كانت ألما طفلة صغيرة تستكشف العالم كما يفعل جميع الأطفال. تزحف بخطوات متعثرة، وتكتشف زوايا منزلها الخفية، وتلامس بيديها الصغيرتين كل ما تصادفه في طريقها، بينما كانت تطلق أصواتًا لم تكن أمها ألينا تسمعها كهمهمات عابرة، بل كلمات تحمل معنى.

 

لكن عندما بلغت شهرها العاشر، بدأت علامات مقلقة تظهر عليها.

 

تقول والدتها: «بدأت تتقيأ كثيرًا، كثيرًا جدًا. كانت تزداد ضعفًا يومًا بعد يوم، وتفقد وزنها باستمرار».

 

 

تشخيص قلب حياة العائلة

 

بعد شهرين فقط، تلقت العائلة الخبر الذي غيّر حياتها إلى الأبد: ورم في الدماغ.

 

أُجريت العملية الجراحية على الفور، ثم خضعت ألما لما يقارب عامين من العلاج الكيميائي، قبل أن تبدأ رحلة الانتكاسات المتكررة وساعات الانتظار الطويلة في المستشفى. وتقول والدتها: «حياتنا كلها أصبحت عمليات جراحية وعلاجات وعلاجًا كيميائيًا».

 

وخلال السنوات الأربع الأخيرة، واصلت ألما الخضوع لعلاجات تجريبية مختلفة في معركة متواصلة مع المرض. ورغم ساعات الألم الطويلة والدموع التي كانت تذرفها والدتها إلى جانب سريرها في المستشفى، تؤكد ألينا أنها وزوجها لم يشعرا يومًا بأنهما وحدهما. وتقول في حديثها إلى وكالة ACI Prensa: «بالنسبة إليّ، سيكون العيش من دون إيمان بالله، كما رأيت لدى بعض العائلات التي التقيتها، أشد وطأة من المرض نفسه».

 

 

لتكن مشيئة الله دائمًا

 

وتلفت الأم بهدوئها اللافت، رغم أن كل تقرير طبي جديد يبدو وكأنه جبل جديد عليها أن تتسلقه.

 

وتقول: «لتكن مشيئة الله دائمًا».

 

ورغم أن التمرد أمام كل هذا الألم يبدو رد فعل طبيعيًا، فإن ألينا وزوجها ينظران إلى الماضي بعين الامتنان، مقتنعين بأن الله لم يتركهما يومًا. وتؤكد: «الله صالح، وقد وضع دائمًا أشخاصًا طيبين في طريقنا. الرب تكفّل بكل شيء». وتضيف: «في أحلك اللحظات كان حاضرًا دائمًا. كان يأتي من خلال شخص يقول كلمة مشجعة، أو خبر سار، أو بصيص نور. لم نشعر يومًا أننا وحدنا».

 

وبعد إحدى أصعب مراحل المرض، بدأت ألما تتلقى الرعاية التلطيفية للأطفال في مستشفى نينيو خيسوس في مدريد، وهي خدمة تشعر العائلة بامتنان عميق تجاهها. وتوضح والدتها: «لقد اعتنوا بنا بصورة رائعة. يزورنا الأطباء والممرضون في المنزل، ولدينا خدمة هاتفية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. إنها نعمة حقيقية».

 

تستمد العائلة رجاءها من حياتها الإيمانية المرتبطة برعية ميلاد السيدة العذراء في بلدة ميخورادا ديل كامبو. كما تحرص على زيارة مزار لورد في جنوب فرنسا مرة واحدة على الأقل كل عام، حيث ظهرت السيدة العذراء عام 1858 للقديسة برناديت سوبيرو ثماني عشرة مرة. وتقول ألينا: «عندما نكون هناك، عند المغارة، نشعر وكأننا في زاوية صغيرة من السماء على الأرض».

 

 

طفلة يحيطها الحب

 

اليوم تبلغ ألما الثانية عشرة من عمرها، وتواصل ألما دراستها من المنزل ضمن برنامج للدعم التعليمي تابع لإقليم مدريد. كما تخضع يوميًا لجلسات علاج طبيعي وعلاج نطق لمساعدتها على تجاوز الآثار التي خلّفها المرض والعلاجات.

 

وتقول والدتها: «نسير خطوة خطوة. نعمل كل يوم بجد، ونرى تقدمًا مستمرًا».

 

ولا تفتقر ألما إلى الدعم العائلي، إذ يرافقها دائمًا شقيقاها الأصغر، البالغان ثماني وست سنوات، وقد وُلدا خلال سنوات المرض. وتقول ألينا مازحة: «من المستحيل أن تجد هنا لحظة من الوحدة. نحن دائمًا منشغلون ومحاطون بالمحبة».

 

 

نعمة غير متوقعة من البابا

 

وكانت آخر «هدايا السماء» لألما هي لقاؤها البابا لاون الرابع عشر خلال زيارته إلى إسبانيا.

 

وتقول العائلة إن ألما تفخر بأنها كانت أول شخص ينال بركته، بفضل شفاعة السيدة العذراء. وقد انتشرت صورتها في وسائل الإعلام، وأثرت في آلاف الأشخاص، إذ ظهرت الطفلة على كرسي متحرك في الصف الأول، بينما اقترب منها البابا، وتوقف أمامها للحظات، وباركها بحنان خاص.

 

وقبل أشهر من الزيارة البابوية، تلقت ألينا اتصالًا من إحدى المتطوعات في «خدمة لورد»، وهي شبكة دولية ترافق المرضى في المزار وقد ساعدت العائلة أكثر من مرة. وتروي: «قالت لي: طلبوا طفلًا أو طفلة في الثانية عشرة من العمر، وأول شخص خطر في بالي كان ألما».

 

 

«تحدث القلبان»

 

وصل تأكيد اللقاء في اليوم التالي لعيد سيدة فاطيما، على أن يتم اللقاء في المطار، بعد دقائق قليلة من وصول البابا إلى الأراضي الإسبانية. وتقول ألينا: «لم نتوقع أن يقترب منا. كنا نعلم أنه مستعجل ومتوجه مباشرة إلى القصر الملكي. لكن عندما رأيناه يقترب شيئًا فشيئًا... اقشعرت أبداننا».

 

أما ألما، فلم تستطع الكلام من شدة التأثر.

 

وتقول والدتها: «كانت ترتجف من شدة الفرح والانفعال. لقد كانت هدية لا تُقدّر بثمن».

 

لكن أكثر ما لمس قلب الأم لم يكن البركة نفسها، بل إنسانية البابا.

 

وتختم قائلة: «اقترب منها بحنان كبير. كان يبدو متأثرًا هو أيضًا. تبادلنا النظرات... لقد تحدث القلبان».

 

واليوم، يبقى حلم ألما التالي أن تسافر إلى روما، لتلتقي البابا لاون الرابع عشر مرة أخرى.