موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
أكد البابا لاون الرابع عشر أن كرامة الإنسان لا تعتمد على قدراته أو ثرواته أو منصبه، ولا حتى على الخيارات الصحيحة أو الخاطئة التي يتخذها، بل هي عطيّة من الله تسبق الإنسان وتفوقه ولا يمكن محوها، داعيًا إلى تعزيز هذه الكرامة والدفاع عنها في نور الإنجيل وقوته.
جاء ذلك خلال المقابلة العامة التي عقدها البابا، اليوم الأربعاء 9 أيلول 2026، في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان، حيث واصل سلسلة تعاليمه حول وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني، متوقفًا للمرة الثانية عند الدستور الرعائي «فرح ورجاء»، تحت عنوان: «كرامة الإنسان: عطيّة ومسؤوليّة».
وأشار البابا في مستهل تعليمه إلى أن الدستور الرعائي يخصص فصله الأول لكرامة الإنسان، ويؤكد أنها أساس أهم القيم التي تحظى بالاعتبار في عالم اليوم. لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة ألا تفقد هذه الكرامة صلتها بـ«مصدرها الإلهي»، لكي لا تتعرض للتشويه بسبب «فساد قلب الإنسان».
وقال إن المسيرة التاريخية التي أتاحت تسليط الضوء على الخصائص الأساسية لكرامة الإنسان وحقوقه تمثل «إحدى أهم صفحات التاريخ الإنساني»، إلا أن هذه المسيرة لم تصل بعد إلى نهايتها، إذ لا تزال تواجه تناقضات قديمة وجديدة تحول دون تحقيق كرامة الإنسان بصورة كاملة.
كرامة لا تعتمد على المال أو المنصب
وأوضح البابا أن الكنيسة تقدم إسهامها في هذا المجال من خلال التأكيد أن الكرامة تنبع من كيان الشخص نفسه. واستعاد ما كتبه في رسالته العامة «الإنسانية الرائعة» قائلًا: «لا تعتمد كرامته على قدراته التي يمتلكها، أو ثرواته أو منصبه، أو الخيارات الصحيحة أو المخطئة التي يتخذها، بل هي عطيّة تسبقه وتفوقه، وضعها الله فيه، تعبيرًا عن محبّته التي لا تنفد أبدًا».
وبيّن لاون الرابع عشر أن كرامة الإنسان ترتكز على هويته بوصفه خليقة خُلقت «على صورة الله»، وقادرة على معرفة خالقها ومحبته. وأضاف أن نور الإيمان يسمح بفهم الأساس الأعمق لهذه الكرامة، لأن المسيح يكشف للإنسان حقيقة ذاته وسمو دعوته.
الإنسان لا يستطيع أن ينغلق على ذاته
وتوقف البابا عند البعد العلائقي للإنسان، مؤكدًا أن الإنسان يدل دائمًا على العلاقة والشركة والمشاركة مع الله ومع الآخرين، بما يتضمن علاقة بنوّة مع الله الآب، وعلاقة أخوّة مع المسيح ومع جميع البشر. وقال إن هذا الفهم يستبعد كل انغلاق على الذات، مضيفًا: «أن تكون إنسانًا يعني أن تُدرك نفسك عطيّةً تُشارِك، وتنمو وتنضج في القبول المتبادل، وفي المعاملة بالمثل، وفي الخدمة».
وشدد الأب الأقدس على أن كرامة الإنسان ليست عطيّة فحسب، بل هي أيضًا مسؤولية موكلة إلى كل واحد، وتتطلب التضامن والاهتمام المتبادل، وتجاوز أشكال التزييف والتلاعب التي لا تزال تعيق فهمها وتحقيقها.
وفي حديثه عن الجراح التي أصابت الإنسان عبر التاريخ، استعاد البابا لاون الرابع عشر كلمات الدستور الرعائي «فرح ورجاء» التي تشير إلى أن الإنسان لا يزال «مقسومًا على نفسه»، وأن حياة الفرد والجماعة تبدو «صراعًا مأساويًّا، بين الخير والشّر، بين النّور والظّلمة». لكن البابا أكد أن هذه الهشاشة لا تلغي الرجاء المسيحي، لأن الرب يسوع جاء ليعيد إلى الإنسان الحرية والقوة ويجدده من الداخل، محررًا إياه من عبودية الخطيئة.
الجسد ليس شيئًا يمكن التصرف به بصورة عشوائية
وخصص لاون الرابع عشر جانبًا من تعليمه للعلاقة بين النفس والجسد، مشددًا على أن كرامة الإنسان تشمل الإنسان كله، وبالتالي لا يمكن تبني رؤية تفصل الجسد عن بقية الشخص. وقال إن الإنسان هو «واحدٌ من نفس وجسد»، محذرًا من أن «اختصار الجسد واعتباره شيئًا يمكن التصرّف به بصورة عشوائيّة هو دائمًا إنكار لكرامة الإنسان».
واستعاد في هذا السياق تعليم المجمع الذي يؤكد أنه «لا يجوز احتقار حياة الجسد في الإنسان»، بل على الإنسان أن يقدّر جسده ويحترمه لأن الله خلقه ودعاه إلى القيامة في اليوم الأخير، وأن يسهر عليه كي لا يصبح مستعبدًا لميول القلب الشريرة.
العقل والضمير والحرية
وفي الجزء الأخير من تعليمه، توقف البابا عند ثلاثة أبعاد أساسية يرى الدستور الرعائي أنها تعبّر عن كرامة الإنسان، وهي: العقل والضمير والحرية. فالعقل، بحسب البابا، يجعل الإنسان باحثًا لا يشبع عن الحقيقة، فيما يمنحه الضمير القدرة على إعطاء الوحدة والمعنى لحياته، أما الحرية فتجعله مسؤولًا عن قراراته. وأوضح أن هذه الأبعاد ليست منفصلة، بل مترابطة ترابطًا وثيقًا، إذ تُعرف الحقيقة في الضمير على أنها حقيقة، فيما تستطيع الحرية أن تتخذ منها أساسًا لها ومجالًا لإمكاناتها.
وأشار إلى أن الروح القدس، الذي يهب الحياة في المسيح، يجعل الإنسان حرًا ويؤكد له باستمرار كرامته كابن لله، ويحرره من الخوف ويقوده نحو الغاية الأخيرة، أي ملء الحياة بعد الموت التي وعد بها المسيح. وأضاف أن سر الإنسان يجد نوره الحقيقي في المسيح وحده، ومنه ينال المؤمن النور لفهم لغز الألم والموت، ومعه يسير نحو القيامة.
كرامة فريدة لا تُمحى
واختتم البابا لاون الرابع عشر تعليمه بالتأكيد مجددًا على أن كرامة الإنسان ليست امتيازًا يمنحه المجتمع أو يفقده الإنسان بحسب ظروف حياته، بل ترتبط ارتباطًا أصيلًا بكونه مخلوقًا على صورة الله. وقال: «أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، لقد خُلقنا على صورة الله، وبالمسيح ومن أجله، ونلنا كرامةً فريدة لا تُمحى. لنلتزم دائمًا بتعزيز هذه الكرامة ولندافع عنها، في نور الإنجيل وقوّته».