موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
عندما يغادر سامي اليوسف منصبه كمدير تنفيذي للبطريركية اللاتينية في القدس في الأول من أيلول، بعد قرابة عقد من الخدمة، سيكون مدركًا أن البطريركية تتمتع بوضع قوي، ليس فقط على الصعيد الرعوي، وإنما المالي أيضًا.
ولم يكن تحقيق ذلك أمرًا يسيرًا، في ضوء التحديات التي فرضتها الحرب المستمرة في غزة، والتي سبقتها قبل سنوات قليلة جائحة كوفيد-19. وعلى الرغم من التحديات الإنسانية، والضرر الكبير الذي لحق بقطاع الحج والسياحة نتيجة الأزمات الأخيرة، تواصل الأبرشية خدمة مجتمع الأرض المقدسة.
وقال اليوسف لموقع ناشونال كاثوليك ريجستر: «حالات الطوارئ لا تصرف انتباهك عن التطوير والتوسع الطبيعيين للكنيسة ومؤسساتها». وأوضح أنه حتى في ظل كارثة إنسانية مثل تلك التي يشهدها قطاع غزة، يجب أن يستمر العمل اليومي للرعايا.
وقد أشرف اليوسف، إلى جانب بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، على العمليات الإدارية والمالية واللوجستية التي تمكّن الكنيسة من أداء رسالتها في الأردن وفلسطين وإسرائيل وقبرص. وقال اليوسف، الذي سيتقاعد بعد مغادرة منصبه: «بالتأكيد، معظم العمل يجري خلف الكواليس. المهم هو أن نعمل بمهنية، وأن نبقى واضحين ومستقيمين، وأن نعمل بشفافية كاملة، لضمان استمرار تركيزنا على الصورة الأكبر، والبقاء ضمن الأهداف التي وضعناها لأنفسنا».
وتتمثل هذه «الصورة الأكبر» في ضمان قدرة البطريركية على الاستمرار في تقديم الدعم الرعوي والتعليمي، وفي كثير من الأحيان المالي، للمسيحيين والمسلمين المحليين الذين يعتمدون يوميًا على خدماتها، إلى جانب المساعدات الإنسانية الحيوية التي تقدمها في أوقات الأزمات.
تولى اليوسف منصب المدير التنفيذي للبطريركية اللاتينية في القدس عام 2017، بعدما طلب منه الكاردينال بيتسابالا، الذي كان آنذاك المدبر الرسولي، أن يتولى مهمة المسؤول الإداري الأول في البطريركية. وفي ذلك الوقت، كانت النفقات والديون تتزايد، فيما كان جمع التبرعات يتراجع.
وُلد اليوسف ونشأ في الحي المسيحي في البلدة القديمة بالقدس، وتلقى تعليمه في الولايات المتحدة. وكان قد شغل سابقًا منصب المدير الإقليمي لـجمعية الشرق الأدنى الكاثوليكية (البعثة البابوية في الشرق الأوسط)، وهي منظمة للمساعدات الإنسانية. ولذلك كان معتادًا على تحديات إدارة مؤسسة لديها مشروعات متعددة عبر الحدود والحواجز العسكرية. ومع ذلك، فإن نطاق أنشطة البطريركية واسع للغاية.
تدير البطريركية اللاتينية 64 رعية في أبرشيتها، وشبكة تضم 44 مدرسة موزعة في الأردن وإسرائيل وفلسطين، تخدم 19 ألف طالب ويعمل فيها 1750 موظفًا. كما تبني المنازل للأزواج الشباب والعائلات المحتاجة، ويقيم كهنتها الخدمات الرعوية اليومية ويقدمون الرعاية الروحية للمسيحيين المحليين والعمال الأجانب وطالبي اللجوء والمهاجرين، فيما تعمل معاهدها الإكليريكية على إعداد الكهنة للخدمة في البطريركية وأبرشيات أخرى.
ومع اعتبار العيش المشترك أولوية في أرض مضطربة، ينخرط الكاردينال بيتسابالا باستمرار في الحوار بين الأديان مع القيادات الإسلامية واليهودية وغيرها، إلى جانب العمل المسكوني مع الكنائس الكاثوليكية الشرقية والأرثوذكسية.
حتى في أفضل الظروف، تمثل إدارة هذه المؤسسات والأنشطة مهمة شاقة، إلا أن سلسلة الأزمات التي تعاقبت خلال العقد الماضي أوجدت صعوبات متزايدة، بحسب اليوسف.
ففي الوقت الذي كانت فيه البطريركية تستعيد عافيتها المالية، كان عليها أن تغطي الاحتياجات اليومية للجماعات المسيحية التي ترعاها، إلى جانب الاحتياجات الإنسانية غير المسبوقة التي فرضتها أولًا جائحة كوفيد-19، ثم الحرب في غزة التي اندلعت في 7 تشرين الأول 2023.
وخلال أشهر من ظهور أولى حالات الإصابة بجائحة كوفيد-19 في أواخر عام 2019، توقفت السياحة بالكامل. وألحق التوقف المفاجئ للحج ضررًا بالغًا بمسيحيي الأرض المقدسة، ولا سيما في منطقة بيت لحم، حيث كان معظمهم يعملون في قطاعي الحج والسياحة.
وإلى جانب تقديم المساعدات المالية وخفض الرسوم المدرسية للعائلات الأكثر احتياجًا، أطلقت البطريركية حملة دولية لجمع التبرعات لدعم برامج إعادة التدريب المهني ومبادرات توليد الدخل للعاملين في قطاع السياحة.
وعندما اجتاحت الحرب قطاع غزة، تكيفت البطريركية سريعًا مع الواقع الجديد، وكثّفت جهودها الإنسانية لمساعدة مئات المسيحيين والمسلمين الجائعين والمشرّدين الذين لا يزالون يلجأون إلى مجمع العائلة المقدسة، الذي يضم كنيسة كاثوليكية وديرًا ومدرسة وجماعتين من الراهبات.
وقال اليوسف إن البطريركية اللاتينية كانت، في بعض الأحيان، «الجهة الوحيدة القادرة» على تنسيق إدخال المساعدات الإنسانية، من مياه الشرب المعبأة والأغذية والأدوية والمواد الأساسية، إلى قطاع غزة، ما أسهم في مساعدة آلاف السكان.
وأوضح أن تسهيل نقل المواد يتطلب «قدرًا كبيرًا من الدبلوماسية، وقدرًا كبيرًا من الصبر، لأنك في بعض الأحيان لا تحصل على نتائج فورية، وعليك المتابعة والتأكد من أن مواقفك الدبلوماسية خلف الكواليس تبقى مركزة فعلًا على الهدف».
وأضاف مازحًا: «كان ينبغي حقًا أن أعمل في السلك الدبلوماسي».
قال اليوسف إنه منذ بداية ولايته مديرًا تنفيذيًا، أعطى هو والكاردينال بيتسابالا الأولوية للشفافية والمساءلة، وأدخلا عمليات إعداد الموازنات، وإجراءات التشغيل الموحدة، وعمليات التدقيق الخارجي. وقال: «شعرت منذ بداية ولايتي بأن إعادة بناء العلاقة مع المتبرعين واستعادة الثقة أمر بالغ الأهمية».
وقد ارتفعت التبرعات بصورة كبيرة، فيما تضاعفت ميزانية البطريركية مقارنة بما كانت عليه قبل عقد من الزمن. وأضاف اليوسف: «اليوم، ندير البطريركية وفقًا للمعايير المهنية، بالطريقة التي تُدار بها أي مؤسسة أو شركة أخرى، من دون أن نفقد التركيز على حقيقة أننا الكنيسة. وفي بعض الأحيان، حتى أكثر المعايير المحاسبية مهنية يجب أن تتمتع بالمرونة عندما تكون أمام أزمة إنسانية. عليك أن تبني المرونة داخل الهيكل».
وأوضح أنه نظرًا إلى أن البطريركية اللاتينية في الأرض المقدسة تقدم خدمات في مجالات التعليم والعمل الرعوي والمساعدات الإنسانية المتزايدة باستمرار، «فإنها ستواجه دائمًا تحديات مالية إذا بقيت أمينة لرسالتها، ولا سيما أنها تعمل باستمرار في ظل الأزمات».
وأضاف: «لكن العجز المالي التشغيلي أصبح الآن ضمن حدود معقولة ويمكن إدارتها، وضمن ما هو مقبول دوليًا، ولا يشكل أي تحديات مالية طويلة الأمد». ووصف اليوسف البطريرك بأنه «رجل قادر على التكيف، ورجل يبقى مركزًا على الصورة الأكبر، على الهدف. ولا تهزه التقلبات التي نعيشها في الأرض المقدسة».
وكان التقدير متبادلًا.
وقال الكاردينال بيتسابالا: «على مدى قرابة عقد، خدم السيد سامي اليوسف، المدير التنفيذي، البطريركية اللاتينية في القدس بتفانٍ استثنائي وحكمة وكفاءة مهنية. وقد جعلت قيادته الإدارة الأبرشية متوافقة مع المعايير المعترف بها دوليًا، فيما عمل على تنمية علاقات دائمة مع الشركاء الكنسيين والدبلوماسيين والخيريين والمؤسساتيين في مختلف أنحاء العالم». وأضاف: «لقد عززت أمانته في الإدارة ليس فقط الحياة الداخلية للبطريركية اللاتينية، بل أيضًا قدرتها على التعامل بثقة مع المجتمع الدولي في خدمة رسالة الكنيسة».
وأجمع آخرون ممن عرفوا اليوسف على هذا التقييم.
وقال مايكل لا تشيفيتا، مدير الاتصالات في جمعية الشرق الأدنى الكاثوليكية وعضو فرسان القبر المقدس: «يتمتع سامي بقدرة فريدة على البقاء موضوعيًا، حتى حيال القضايا والتحديات التي تؤثر بصورة مباشرة في عائلته وفيه شخصيًا، وعلى التمييز بين الشركاء ومَن يشتتون الانتباه، ورسم طريق إلى الأمام يكون منطقيًا ومستدامًا وقابلًا للتحقيق».
من جهته، وصف تيم ميلنر، عضو لجنة الأرض المقدسة التي تعمل بالنيابة عن فرسان القبر المقدس، اليوسف بأنه «أحد أولئك الأشخاص النادرين والاستثنائيين الذين يستطيعون أن يكونوا في الوقت نفسه مدافعين متعاطفين مع المحتاجين، وأن يتعاملوا مع الحقائق والقيود المالية القاسية أحيانًا التي تواجهها البطريركية». وأضاف: «بطريقة ما، يبدو أنه يجد دائمًا سبيلًا للمساعدة. إنه بركة عظيمة لشعب الأرض المقدسة».
إلى جانب كنائسها، تخدم مؤسسات البطريركية اللاتينية، من مستشفيات وعيادات ومدارس وخدمات اجتماعية وبرامج إنسانية، المسيحيين والمسلمين على حد سواء. وقال اليوسف: «لطالما استجابت الكنيسة لاحتياجات المجتمع بأسره، وليس المجتمع المسيحي وحده، ومن المهم التأكيد أننا لسنا هنا لخدمة إخوتنا وأخواتنا المسيحيين فقط».
ويرتكز تفسيره لذلك على الإيمان الكاثوليكي.
وقال: «إذا كنا هنا لخدمة إخوتنا وأخواتنا المسيحيين وحدهم، فنحن عندئذ لسنا أمناء لإيماننا، لأن إيماننا يطلب منا أن نعتني بكل إنسان محتاج، بغض النظر عن هويته، أو المكان الذي يأتي منه، أو خلفيته».
وأشار اليوسف إلى أن كون نحو 50% من مجموع الطلاب في مدارس البطريركية مسلمين يشكل تطبيقًا عمليًا للعيش المشترك بسلام. وقال إن «اللغة التي يتم تعليمها هي لغة المغفرة والعيش المشترك والمحبة والسلام والتسامح»، وهي قيم قد تكون نادرة في مناطق النزاع، لكنها اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وعندما سُئل عن التجربة أو اللقاء الشخصي الذي يجسّد، بالنسبة إليه، رسالة البطريركية اللاتينية بأفضل صورة، تحدث اليوسف عن الأب جبرائيل رومانيلي، كاهن رعية العائلة المقدسة في غزة، والمنتمي إلى رهبنة الكلمة المتجسد.
فعندما اندلعت الحرب عام 2023، كان الأب رومانيلي خارج قطاع غزة ولم يتمكن من العودة إليه لعدة أشهر. وعلى الرغم من معاناته من مشكلات صحية كبيرة تتطلب علاجًا مستمرًا، فإنه «اختار العودة إلى جماعته، إلى شعبه في غزة، وهو يعرف المخاطر التي قد يشكلها ذلك على صحته». وقال اليوسف: «عندما أتحدث إليه على انفراد، أعرف حجم المعاناة التي يعيشها، لكن عندما يكون أمام الناس يخدم شعبه، لا تفارق الابتسامة وجهه أبدًا».
وبالنسبة إلى اليوسف، تجسّد هذه الشهادة جوهر رسالة الكنيسة.
وقال: «وهذا يجسّد فعلًا رسالة البطريركية اللاتينية والأشخاص الذين يعملون فيها... كما تعلمون، نحن نأتي ونذهب، لكن الكنيسة كانت دائمًا هنا، والكنيسة كانت دائمًا تستجيب للأزمات». وخلص سامي اليوسف إلى القول إن «الكنيسة تخرج في نهاية المطاف من الأزمات أقوى، بفضل إسهاماتها في إحداث فرق في حياة الناس».
سامي اليوسف يغادر منصبه مديرًا تنفيذيًا للبطريركية اللاتينية بعد نحو عقد من الخدمة