موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
«نعم، أنا قلق جدًا مما يحدث. بالنسبة إليّ، نحن أمام مرحلة جديدة من الكراهية ضدّ المسيحيين. ما صدمني حقًا هو رؤية رجل يستخدم قوته الجسدية للاعتداء على امرأة بريئة، راهبة. لقد تمّ تجاوز خط أحمر جديد. أجد كل هذا صادمًا للغاية، كما أنّ الاعتداء على تمثال مريم كان فظًّا ومبتذلًا».
لا يستخدم رئيس دير رقاد السيد العذراء البندكتي في القدس، الأب نيقوديموس شنابل، أي عبارات مخفّفة لإدانة موجة العنف ذات الخلفية الدينية الأخيرة، بدءًا من الاعتداء على الراهبة الفرنسية في المدينة المقدسة، وصولًا إلى الصورة التي أظهرت جنديًا إسرائيليًا يضع سيجارة في فم تمثال للعذراء مريم في بلدة دبل المسيحية جنوب لبنان، وهي البلدة نفسها التي كان فيها جندي آخر من الجيش الإسرائيلي قد حطّم قبل أسابيع تمثالًا ليسوع، ما أثار موجة استنكار دولية.
ويقول الأب شنابل في حديثه لوكالة «سير» الإيطالية: «ما حدث يُظهر الكراهية والوحشية لدى هؤلاء الإرهابيين اليهود الكاهانيين» [في إشارة إلى أتباع الأيديوجية الكاهانية، وهي حركة دينية وقومية متطرفة أسسها الحاخام مئير كاهانا].
ويعبّر الراهب الألماني الأصل عن قلقه أيضًا من وجود «مجموعات، حتى بين المسيحيين وداخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها، تعتقد أنها تعرف واقع الشرق الأوسط تمامًا -رغم أنها ربما لم تزره يومًا- وتظن أن المشكلة تقتصر فقط على المسلمين. وهكذا يتم إنكار وجود ظاهرة الإرهاب اليهودي أيضًا».
وبحسب الأب شنابل، فإن «أيديولوجية مئير كاهانا لا تزال حيّة بل وتنمو. هناك نوع من عودة ظهور الكاهانية، وهذا يقلقني بعمق. إذا فكّرنا أنّ حزب "كاخ" (حزب يميني متطرف، قومي متشدد، أسسه الحاخام مئير كاهانا عام 1971)، كان محظورًا في إسرائيل، بينما اليوم، بات أشخاص مرتبطون بهذه الأيديولوجية جزءًا من الحكومة الحالية، فهذا أمر بالغ الدلالة».
كما يستذكر الهجوم الذي تعرّض له دير طابغة التابع للرهبان البندكتان عام 2015، عندما أضرم متطرفون يهود النار عمدًا في كنيسة تكثير الخبز والسمك على ضفاف بحيرة طبريا. ويضيف: «المحامي الذي دافع عن أولئك المُشعلين للحريق، وأظهر علنًا كراهيته للمسيحية -وهو معروف بعدائه للمسيحيين- كان إيتمار بن غفير. واليوم، هذا الرجل هو وزير الأمن القومي». ويتابع: «تخيّلوا ماذا يعني بالنسبة إلينا نحن الرهبان أن يكون الشخص المسؤول عن أمننا معروفًا بكراهيته للمسيحية».
ويرى الراهب البندكتي أنّ «إسرائيل والمجتمع الإسرائيلي يقفان اليوم أمام قرار بالغ الأهمية. على إسرائيل أن تحدّد أي مستقبل تريده لنفسها». ويشدّد قائلًا: «يجب تكرار أمر أساسي مرارًا: ليس "اليهود" هم من يكرهون المسيحيين، تمامًا كما لا يمكن اختزال كل شيء في "مسلمين ضد مسيحيين". هنا، وخصوصًا في الأرض المقدسة، يتعلّم الإنسان أن يحتضن التنوّع».
ومن هنا يوجّه الأب شنابل الشكر إلى مبادرتين يهوديتين-إسرائيليتين هما: «مركز بيانات الحرية الدينية» بقيادة يسكا هاراني، و«مركز روسينغ» بقيادة حنّة بينكوفيتش، واصفًا إياهما بأنهما «امرأتان يهوديتان رائعتان تقفان حقًا إلى جانبنا وتُظهران حساسية كبيرة تجاه مشكلة الكراهية المعادية للمسيحيين».
كما يستعيد سنواته الأولى كراهب شاب في مطلع الألفية الثالثة، حين كانت إسرائيل -بحسب وصفه- «فخورة حقًا بأقلياتها». ويشرح: «أتذكر ملصقات إعلانية ضخمة: كان سلفي الأب نيكولاوس إيغندر وجهًا لحملة سياحية. كانوا يقولون: "تعالوا لزيارة إسرائيل". وكانت تظهر فيها دير الرقاد، ومعبد البهائيين في حيفا، والمزارات الدرزية والإسلامية، للتأكيد على أننا ديمقراطية، وملجأ آمن لكل يهودي، لكننا أيضًا نفتخر بأقلياتنا».
ويتابع: «كان هناك افتخار حقيقي بأن هذه الأرض المقدسة ليست لليهود فقط، بل أيضًا لبقية أبناء إبراهيم: المسيحيين، والمسلمين، والدروز، والبهائيين، والسامريين. كان هناك اعتزاز بالتنوّع وبالواقع المتعدد الأديان والثقافات».
ويشير إلى أنّه حتى في تلك الفترة «كان يحدث أحيانًا أن يبصق أحدهم عليّ أو يعتدي عليّ لفظيًا، لكن ذلك كان يجري ليلًا وفي الخفاء، دون شهود. أمّا اليوم، فكل شيء يحدث في وضح النهار». ويضيف بمرارة: «أرى نقطة التحوّل مع وصول الحكومة الحالية إلى السلطة: الأشخاص الذين كانوا يبصقون عليّ عندما كنت راهبًا شابًا، أصبحوا اليوم جزءًا من الحكومة».
ويذكّر الأب شنابل بأنه بعد الاعتداء على دير طابغة عام 2015، ردّ المجتمع المدني الإسرائيلي بوضوح قائلًا: «لا، هذه ليست إسرائيل التي نريدها». لكنه يضيف: «اليوم، مع الحكومة الحالية، لم تعد هذه المواقف واضحة كما كانت».
ومن هنا يعتبر أنّ إسرائيل تقف عند مفترق طرق، وعلى الإسرائيليين أن يجيبوا عن السؤال التالي: «هل تريدون إسرائيل كما وُصفت في إعلان الاستقلال عام 1948 - ملجأ آمنًا لكل يهودي، ويحترم أيضًا الجماعات التي تعيش فيه - أم تريدون إسرائيل مستوحاة من الأيديولوجية الكاهانية، التي تعتبر القدس مقدسة فقط لليهود، فيما يُطلب من غير اليهود الرحيل، وتُمحى جميع الرموز غير اليهودية؟». ويتابع: «نرى أشخاصًا يبصقون على صلباننا أثناء مرورهم أمام دير الرقاد. نرى ذلك يوميًا. هناك فعلًا كراهية تجاه كل ما ليس يهوديًا».
يستنكر الراهب هذا الأمر بشدة، لكنه يحرص في الوقت نفسه على عدم التعميم، قائلًا: «مرة أخرى، هذه أقلية وليست المجتمع اليهودي-الإسرائيلي بأكمله. المجتمع المدني رائع. المشكلة هي أن الحكومة الحالية لا تصدر موقفًا واضحًا ضد هذه الظواهر». ويضيف: «تضم الحكومة الحالية شخصيات إشكالية وكاريزمية للغاية، وأنا أعلم أنّ كثيرين من أصدقائي اليهود يشعرون بقلق شديد تجاه المسار الذي تسلكه إسرائيل».
ويختم الأب شنابل قائلًا: «بالنسبة إليّ، القدس مدينة مفتوحة، مدينة مفتوحة لكل من يرغب في الصلاة فيها».
ويضيف الراهب الألماني: «أخشى من أن تتحوّل القدس إلى واقع مغلق، محصور بمجموعة واحدة أو ديانة واحدة، من دون احترام للآخرين. القدس تحتضن التنوّع». ويختم بالقول: «آمل أن يتمكّن كل سكان القدس وكل المسؤولين عن مستقبلها ومصيرها من احتضان هذا التنوّع، وهذه الهوية المتعددة الأديان والثقافات الرائعة للمدينة، بدلًا من تدميرها».