موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
يقع ديرٌ مخفي على بُعد خطوات قليلة من البانثيون في روما، وهو مكان هادئ للتأمل والصلاة الصامتة - إن كان ملايين السيّاح الذين يمرّون بجواره يوميًا يدركون أصلًا وجوده.
فخلف باب خشبي كبير، تكشف الجدران المزيّنة باللوحات الجدارية، والمغلقة أمام عامة الناس، تفاصيل من تاريخ هذا المكان الحافل بالأحداث، بما في ذلك انعقاد مجامع انتخاب البابا ومحاكمة العالم غاليليو غاليلي من قبل محاكم التفتيش.
وفي وسط الدير، بركة صغيرة تعيش فيها أسماك ذهبية وسلاحف، تحيط بها أشجار الزيتون ونخلتان كبيرتان وشجرة برتقال مثمرة يستخدم الرهبان ثمارها لصنع المربّى. كما تتوزع القطط في أرجاء المكان، مسترخية تحت أشعة الشمس، فيما لا يزال نحو 20 راهبًا يقيمون في الدير ويواصلون مهامهم اليومية.
وقال الأخ أوكوني: «صُمّم هذا المكان ليكون فضاءً للصلاة والتأمل، وبالتالي ليشجّع الرهبان على عيش حياة روحية عميقة».
وعلى مرّ القرون، استقطب هذا المكان شخصيات بارزة، مثل القديسة كاترينا السيانية والرسام النهضوي فرا أنجيليكو، وكلاهما مدفون في البازيليك المجاورة. كما شهد أحداثًا تاريخية مهمة، من بينها مجمعان لانتخاب البابا ونشاط محاكم التفتيش الرومانية.
ويعكس اسم البازيليك المجاورة، «سانتا ماريا سوبرا مينيرفا»، تاريخه، إذ بُنيت هذه الكنيسة الكاثوليكية المكرّسة للعذراء مريم فوق معبد وثني قديم كان مخصّصًا للإلهة الرومانية مينيرفا، إلهة الحكمة.
وقال المؤرخ الفني كلاوديو ستريناتي: «يُعد هذا الدير من أكبر وأجمل أديرة روما، وكان مركزًا ثقافيًا مهمًا في العصور القديمة، ولا يزال كذلك حتى اليوم».
وفي العصور القديمة، كان هذا الموقع مكانًا لتجمّع الناس للتصويت خلال حكم يوليوس قيصر. وفي أواخر القرن الثالث عشر، بنى الرهبان الدومينيكان كنيسة في الموقع، قبل أن يُستبدل الدير الأصلي بآخر صمّمه المعماري غيديتو غيوديتّي، أحد تلاميذ ميكيلانجيلو، نحو عام 1570.
وتُظهر بعض اللوحات الجدارية التي تزيّن الجدران والأسقف المقوّسة أسرار المسبحة الوردية، وقد صُمّمت لتشجيع حياة التأمل لدى الرهبان الدومينيكان. بينما تكشف لوحات أخرى، موزّعة في الزوايا والمداخل، عن تاريخ مضطرب شهدته هذه المساحة.
ففي القرن السادس عشر، استُخدم الدير كمقرّ لمحاكم التفتيش الرومانية. وتُظهر بعض الصور المرسومة في دوائر على الجدران رهبانًا دومينيكان قُطعت رؤوسهم، حيث صُوّروا وهم يحملون رؤوسهم بأيديهم، في إشارة إلى دورهم كمحققين في تلك الحقبة.
وأوضح ستريناتي: «كان هنا مقرّ محكمة التفتيش، حيث خضع غاليليو غاليلي للاستجواب».
وفي إحدى الغرف المطلة على الدير، أُجبر غاليليو عام 1633 على التراجع عن فكرته التي وُصفت بـ«الهرطوقية»، والتي تقول إن الأرض والكواكب تدور حول الشمس، وذلك أمام قضاة محاكم التفتيش.
كما أقام الرسام فرا أنجيليكو، وهو من الرهبان الدومينيكان، في هذا الدير أثناء عمله على لوحات كنيسة نيكولينا في الفاتيكان. وتُظهر إحدى الصور له شيخًا متقدّمًا في السن، منحنياً فوق لوحة يرسمها.
وتُظهر صورة أخرى القديسة كاترينا السيانية، التي عاشت فترة في هذا المكان، فيما يوجد قبرها في البازيليك المجاورة. ويشير الأخ أوكوني إلى أن جسدها موجود هنا، بينما نُقل جمجمتها إلى رهبان الدومينيكان في مدينة سيينا.
كما احتضن هذا الموقع مجمعين لانتخاب البابا، أُنتخب خلالهما البابا أوجين الرابع عام 1431، والبابا نيقولاوس الخامس عام 1447، فيما يرقد خمسة باباوات داخل البازيليك.
ويرى ستريناتي أن الكنوز المخفية، مثل هذا الدير، هي ما يمنح روما سحرها الخاص.
وقال: «التاريخ كلّه مخفي هنا، وأحيانًا يُكتشف شيء جديد. وكل جيل، بما في ذلك جيلي، يكتشف شيئًا ما. والأجيال القادمة ستواصل اكتشاف سبب عظمة هذا المكان وعمقه، لأن الكثير منه يبقى سرًا — وهذا جزء من سحره».