موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر
اندلع حريق في كاتدرائية رقاد السيدة العذراء التاريخية في العاصمة الأوكرانية إثر هجوم جوي روسي واسع النطاق استهدف المدينة، وذلك بعد أن تعرّضت كييف لقصف شمل نحو 30 صاروخًا باليستيًا ومئات الطائرات المسيّرة.
وفي حديث لموقع فاتيكان نيوز، أوضح السفير البابوي في أوكرانيا، المطران فيسفالداس كولبوكاس، أن مدنًا مثل زابوريجيا وخاركيف تتعرض لقصف يومي، فيما تشهد كييف هجمات متكررة كل بضعة أيام. إلا أن الموجة الأخيرة من الهجمات خلّفت دمارًا كبيرًا ليس فقط في الأحياء السكنية، بل أيضًا في أحد أهم المواقع الروحية في البلاد.
وأسفرت الهجمات الروسية على كييف ومدن أوكرانية أخرى عن مقتل تسعة أشخاص، فيما أدت هجمات أوكرانية جنوب موسكو إلى مقتل ثلاثة أشخاص. وفي كييف وحدها، قُتل أربعة أشخاص جراء الهجوم الروسي الذي تسبب باندلاع حريق في مجمع دير الكهوف المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، حيث اشتعلت النيران في سقف كاتدرائية رقاد السيدة العذراء.
وشاهد صحفيون في العاصمة سكانًا يهرعون إلى الملاجئ بحثًا عن الأمان، بينما كانت أنظمة الدفاع الجوي تعترض المقذوفات في السماء وتتساقط الشظايا المشتعلة فوق المدينة. كما أحاطت أكثر من اثنتي عشرة سيارة إطفاء بالكاتدرائية، فيما عمل رجال الإطفاء على إخماد النيران من داخل المبنى ومن خلال منصات الرفع الخارجية.
دعوة إلى الصلاة من أجل اهتداء روسيا
ووصف المطران كولبوكاس الأجواء المرعبة أثناء الهجوم، قائلًا: «عندما نشهد مثل هذه الهجمات، نشعر بالاهتزازات التي تُحدثها الانفجارات في كل مكان. في تلك اللحظات يكاد لا يبقى أمام الإنسان سوى الله ونفسه، إذ لا توجد يد بشرية قادرة على التدخل أمام هذا الحجم من القصف». ورأى أن هذا الهجوم العنيف لا يدعو فقط إلى الحزن واليأس، بل يشكل أيضًا دعوة روحية ملحّة.
وأكد أن الكارثة تدفعه شخصيًا إلى دعوة المؤمنين في جميع أنحاء العالم للصلاة بنية خاصة. وقال: «إن هذا القصف الأخير لا يثير لديّ الكثير من الأسئلة بقدر ما يدفعني إلى تكثيف الصلاة من أجل اهتداء روسيا». وأضاف أن الهدف هو أن «تتجه روسيا نحو الحقيقة وإلى الله»، معتبرًا أن مثل هذا التحول سيكون في النهاية «عطية لروسيا نفسها، ولجميع أصدقائنا، وللبشرية جمعاء».
إخماد الحريق
وأظهرت الصور فجوة كبيرة في أحد جوانب الكنيسة، فيما كانت ألسنة اللهب تتصاعد طوال الليل من أجزاء من السقف المتضرر. كما أعلنت هيئة الطوارئ الأوكرانية اندلاع حريق في أحد مباني المجمع الوطني للفنون والمتاحف «ميستيتسكي أرسنال» في العاصمة. وكانت هجمات روسية قد تسببت في كانون الثاني الماضي بأضرار في عدد من مباني دير الكهوف، وفق ما أفادت به وزارة الثقافة الأوكرانية آنذاك.
من جهته، كتب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على منصة «إكس» أن هجومًا روسيًا على دير الكهوف أدى إلى اشتعال النيران في الكنيسة، معتبرًا أن ذلك «واحدة من أخطر الجرائم التي ارتكبتها روسيا بحق الثقافة المسيحية حتى الآن». وأشار إلى أن الحريق الذي اندلع في سقف الكاتدرائية قد تمّت السيطرة عليه وإخماده.
وأدان رئيس الإدارة العسكرية في كييف، تيمور تكاتشينكو، ما وصفه بـ«الهجوم المباشر» على موقع الدير، كما ندد متروبوليت كييف أبيفانيوس بالهجوم واعتبره «جريمة ضد الإنسانية والتاريخ والمسيحية». وبحسب السلطات الأوكرانية، أُصيب ما لا يقل عن 25 شخصًا في العاصمة، فيما حُرم نحو 140 ألف شخص في الأحياء الشمالية من كييف من التيار الكهربائي.
يُشكل دير الكهوف في كييف (بيتشيرسكا لافرا) أحد أقدم وأقدس المعالم الدينية والتاريخية في أوكرانيا، حيث يمتد تاريخه إلى القرن الحادي عشر، ويشتهر بقبابه الذهبية وسلسلة الكهوف والمغارات الأثرية الممتدة تحت الأرض. والدير المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، لم يكن مجرد مركز للعبادة والحياة الروحية الأرثوذكسية على مر القرون، بل تحول إلى رمز للهوية الثقافية الأوكرانية ومزار سياحي رئيسي يجسد العمارة البيزنطية والباروكية الرفيعة في قلب العاصمة.
وخلال السنوات الأخيرة، تحول هذا الصرح الديني التاريخي إلى ساحة لتوترات جيوسياسية وأمنية بالغة الحساسية، تصدرت واجهة الأخبار العالمية. ففي أعقاب اندلاع الحرب، اتخذت السلطات الأوكرانية إجراءات صارمة شملت مداهمات أمنية وإخلاءً لرهبان الدير، بعد توجيه اتهامات رسمية لبعض قياداته بالارتباط بروسيا ونشر بروباغندا تخدم مصالح موسكو، مما جعل الدير نقطة محور الصراع حول إنهاء النفوذ الروحي والثقافي الروسي في البلاد.